أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في المحاكم والمجالس القضائية ، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .




05-04-2013 02:45 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [0]
وردة
عضو
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 23-01-2013
رقم العضوية : 104
المشاركات : 35
الجنس : أنثى
قوة السمعة : 30
المستوي : بكالوريا
الوظــيفة : طالب
 offline 
look/images/icons/i1.gif حركة عدم الإنحياز (بحث)
المبحث السابع: تحديات حركة عدم الانحياز
 
تواجه حركة عدم الانحياز العديد من التحديات منذ نشأتها، حيث كان من الطبيعي أن تحاول الدول المستقلة حديثاً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إيجاد ترتيبات أمنية جديدة تحقق من خلالها استمرار المحافظة على استقلالها وحريتها، خاصة بعد أن تأكدت هذه الدول من عدم مقدرة الأمم المتحدة لتحقيق السلام والأمن الدوليين، ولقد زاد من هذه التهديدات التي واجهتها الدول النامية السيطرة الثنائية للكتلة الشرقية والكتلة الغربية خلال مرحلة الحرب الباردة، التي كانت تشكل دائماً خطراً على دول العالم الثالث بصفة عامة ودول عدم الانحياز بصفة خاصة، ومن ثم افتقدت هذه الدول الشروط السياسية والنفسية الضرورية لتوفير أمنها الداخلي والخارجي، كذلك كانت الترتيبات الثنائية مع أي قوى دولية يستلزم تنازلات كثيرة للدول الراغبة في مثل هذه الارتباطات أو الترتيبات، وخلال مرحلة الحرب الباردة أفرسيت التدابير الأمنية في إطار عالمي بواسطة محورين أساسيين هما توازن القوى بين الكتلتين الشرقية والغربية، وكذلك التأثير المقيد للفعالية السياسية لحركة عدم الانحياز على الأقل في الصراعات الإقليمية، ومن دراسة بؤر الصراع والتوتر الإقليمية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، يتضح أن معظم هذه الصراعات كانت داخلية، بهدف تحقيق مكاسب شخصية، إلا أنه كان يلاحظ خلال فترة الحرب الباردة أن نمط هذا الصراع كان يجرى بمشاركة قوات أجنبية، ولقد انعكس ذلك على الأمن الوطني وتهديد الاستقرار الداخلي للعديد من هذه الدول.
 
مع بداية الثمانينيات واجهت حركة عدم الانحياز تطورات أساسية مختلفة سواء في توجهها السياسي إزاء المعسكر الشرقي أو المعسكر الغربي، والقضايا الأساسية في العالم، والتي أوضحت مدى كفاءة الحركة على التكيف مع الظروف والمتغيرات العالمية الجديدة، وكان أهم هذه التطورات الأساسية في توجهات الحركة هي المحاولات المستمرة لصياغة نظام اقتصادي عالمي جديد، تقوم من خلاله بأداء دور جماعة الضغط الاقتصادية الرئيسية للدول النامية، وخلال هذه المرحلة بدأ يتضح أن كثيراً من الأهداف السياسية لحركة عدم الانحياز قد تحققت أو فقدت أهميتها على الأقل، فالحرب الباردة والتنافس الدولي بدأ يتحول إلى وفاق من خلال الحوار المباشر بين الشرق والغرب، مما أضعف الدور السياسي الذي كانت تقوم به حركة عدم الانحياز، خاصة بعد تراكم الخبرة الفكرية لهذه الدول في تعاملها الصحيح مع قضايا النظام الاقتصادي العالمي الذي بدأ يزداد نمواً، بينما كان هناك تدهور في المركز الاقتصادي بالنسبة للدول النامية. والتحدي الاقتصادي الحقيقي الذي تواجهه حركة عدم الانحياز في مجال حركتها الاقتصادية هو اعتماد معظم دول الحركة على المساعدات الاقتصادية الخارجية للتغلب على حالة التخلف والانهيار الاقتصادي التي تعاني منه، وعدم اعتمادها على التنمية الذاتية سواء على مستوى كل من الدول الغير منحازة، أو على مستوى التعاون الجماعي فيما بينها، ورغم توصل دول حركة عدم الانحياز إلى هذه الحقيقة إلا أنها لم تعمل على مواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجهها في إطار إقليمي أو تعاون مع دول عدم الانحياز المختلفة.
 
أولاً: التحديات التي تواجهها حركة عدم الانحياز
إذا كان معيار نجاح حركة عدم الانحياز هو زيادة أعضائها، إلا أن هذه الزيادة كانت مصحوبة بزيادة المشكلات التي واجهتها، فحركة عدم الانحياز من أكثر الحركات الدولية المعاصرة حساسية وتعقيد، ويرجع ذلك إلى تركيبها غير المتجانس، فإذا كان التجانس الإيديولوجي هو سمة التكتلات الدولية، إلا أنها لا تقوم على التجانس الإيديولوجي، وهو ما يؤدي إلى ظهور التناقضات بين المصالح الفردية لدول حركة عدم الانحياز، وتتعدد التحديات التي تواجهها كنتيجة لتعقيدات البيئة القومية والدولية، فلقد واجهت الحركة أزمات حادة سواء فيما بين أعضائها أو مع التكتلات الدولية، فكثيراً ما نشبت النزاعات بين أعضاء الحركة بسبب تكوينها غير المتجانس، أو بسبب ضغوط القوى الكبرى، ومع ذلك استمرت في زيادة عضويتها، واستطاعت أن تقوم بدور حيوي على الساحة السياسية.
 
تواجه حركة عدم الانحياز العديد من التحديات الداخلية والخارجية بالنسبة للحركة، فهي قد تنشأ من العلاقة بين أعضاءها أو بسبب علاقاتهم بدول أخرى وخاصة القوى الكبرى، وتعتبر القضايا المتعلقة بالسياسة الداخلية في دول عدم الانحياز من أهم وأخطر التحديات التي تواجه هذه الدول، خاصة وأن معظمها ترفض مناقشة مشاكلها الداخلية في لقاءات عامة، على أساس أن المصادر التي تهددها هي مصادر داخلية وتخضع لسيادة الدولة واستقلالها، ورغم أن معظم هذه التحديات والتي يكون معظمها في شكل عنف موجه ضد أنظمة الحكم تؤثر سلباً على حركة عدم الانحياز، إلا أن أكثرها كان يرجع بسبب سوء الإدارة والفساد، فمن تحليل النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لدول عدم الانحياز، يتضح أن العديد منها يحكمها نظم فردية قمعية تتجاهل طموحات شعوبها، وكان لمعظم أعضاء أنظمة الحكم الفردية في أغلب الحالات روابط وثيقة مع الدول الغربية والاشتراكية، وكان من الطبيعي أن تجد القوى الكبرى المتنافسة الفرصة المناسبة للتدخل المباشر أو غير المباشر في الشؤون الداخلية للبلاد غير المنحازة، لذلك كانت كل الصراعات الداخلية في معظم دول عدم الانحياز بسبب التدخل الأجنبي، كذلك يتضح وجود روابط سلبية بين التورط الأجنبي ومدى استمرارية الصراع الداخلي.
 
كذلك اتبعت بعض دول عدم الانحياز السياسة التي كانت تتبعها الدول الكبرى في علاقاتها بالدول غير المنحازة عندما تتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، بهدف فرض حل معين لصراع أو أزمة داخلية من خلال الانحياز وتأييد أحد الأجناب المتصارعة، مستغلة في ذلك شعارات مساعدة الشعوب المقهورة أو محاربة الإرهاب أو تصدير الثورة، ومن خلالها تسعى القوى الأجنبية لإقامة نظم حكم ثورية أو تقدمية أو الإبقاء على نظم تعمل أساساً على حماية مصالحها الحيوية. والتدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية سواء كان ثورياً أو معادياً لها حتى لو جرى ذلك بناءً على طلب الجماعات فاقدة الشرعية الحقيقية، فإنه يعرض السلام العالمي للخطر وكذلك يهدد الاستقرار الداخلي.
 
ولقد كان تزايد حدة الصراعات بين دول أعضاء حركة عدم الانحياز خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من أبرز سمات الحركة، حيث كانت الاختلافات السياسية بين دول عدم الانحياز تقوم أساساً على مفهوم المصلحة القومية في إطار عدم توافق بين الدول المتجاورة، وهي غالباً دول عدم الانحياز والتي يعود أسبابها إلى الخلافات الحدودية التي أوجدها الاستعمار ومن ثم أصبح التهديد بالانفصال والمطالبة بضم أو تحرير بعض المناطق والعودة للحدود الاستعمارية من عوامل تزايد حدة النزاعات الداخلية بين دول عدم الانحياز، خاصة في المناطق التي يظهر لها أهمية اقتصادية والتي تؤدي إلى المطالبة بإعادة ترسيم الحدود بين الدول المتجاورة.
 
إن الصدامات بين أنظمة الحكم التقدمية والأنظمة المحافظة كانت إحدى مصادر الصراعات بين الدول غير المنحازة التي كانت لها انعكاسات سلبية على مستقبل الحركة ومسيرتها، فهذه الصراعات والصدمات لها ارتباط وثيق بالسياسات الداخلية المتغيرة في دول عدم الانحياز، حيث كانت تسعى بعض الأنظمة لإيجاد دور لها في إقليم محدد بتأييدها لإحدى طرفي النزاع الداخلي وتقديم الدعم اللازم له، وفي إطار تحقيق هذا الطموح تدخل في صراعات مع دول غير منحازة أخرى، وغالباً تأخذ هذه الصراعات شكل مواجهات أيديولوجية، تخفي مصالح مادية أو معنوية بسبب فرض السيطرة والزعامة. ومن هذا المفهوم يتهدد مبدأ التعايش السلمي ويتناقض مع الأهداف السياسية للحركة، ومن ثم أتاحت الصراعات بين دول عدم الانحياز الفرصة للتدخل الخارجي من القوى الأجنبية في إطار محاولاتها لإعادة توجيه الحركة بعيداً عن مبادئها.
 
ومع تزايد وتصاعد الصراعات بين دول عدم الانحياز وضح عدم تمسك العديد من دول الحركة بمبادئها، ولكنها كانت تسعى خلال اجتماعاتها لدعم مواقفها وتحقيق مصالحها القومية الضيقة والمحدودة دون التأكيد العملي على تمسكها بمبدأ التعاون أو التضامن، وكان عجز الحركة عن احتواء الصراعات بين أعضائها بسبب عدم وجود آلية ثابتة لحل الصراعات التي تنشب بين أعضائها، خاصة مع وجود جدل كبير بين أعضاء الحركة حول دعم وتقوية مؤسسات الحركة بما فيها تكوين أجهزة لتسوية المنازعات، ومع تزايد النزاعات بين دول الحركة من حيث العدد ومدى خطورته فقد وضح عدم واقعية انعزال الحركة عن الصراعات بين أعضائها، ولذلك تأكد حتمية الدور الذي يجب أن تؤديه الحركة لتسوية واحتواء هذه المنازعات، حتى يمكن أن تحتوي الصراعات والنزاعات الداخلية والإقليمية والابتعاد بها عن التدخلات الخارجية والأجنبية.
 
ثانياً: تحديات دول عدم الانحياز في إطار علاقاتها بالقوى الكبرى والتكتلات العالمية
إن العلاقة بين دول عدم الانحياز والقوى الكبرى تمثل قضية حيوية ترتبط بالمبادئ الأساسية للحركة، حيث إن عدم الارتباط بالتكتلات الدولية المتصارعة والانحياز لأي منها هو أحد الأهداف الأساسية والتاريخية للحركة، ولكن انهيار الأحلاف مثل الحلف المركزي وحلف جنوب شرق آسيا، كذلك الدور المحدود الذي كانت تقوم به التكتلات الدولية والتي تمثلت في معاهدة التعاون والدعم المتبادل أو الإجماع الاستراتيجي والتي كانت تضم بعض دول حركة عدم الانحياز لسياسات القوى الكبرى، وتدفع حركة عدم الانحياز نحو اتجاهات تكتلية متشعبة والتي تطورت إلى هيمنة من جانب القوى الغربية، أو في صورة تحالف طبيعي من الجانب الاشتراكي، لم تكن إلا محاولات لفرض السيطرة على دول عدم الانحياز بحيث تستطيع أن تحد من الدور الذي تهدف إليه دول عدم الانحياز، وقد تمكنت الحركة، حتى بداية الثمانينيات من مواجهة الضغوط الخارجية التي استهدفت السيطرة على الحركة إلا أنه منذ حاولت كوبا أن تعيد توجيه الحركة ورسم سياستها نحو التحالف مع الكتلة الشرقية، ضد التوجهات الغربية، ومن ثم تمكنت العديد من دول عدم الانحياز وحركات التحرر الوطني من الحصول على الدعم العسكري والمادي، كما كانت هناك عملية تصنيف أيديولوجي يهدف لاستبعاد الدول المحافظة من الحركة، على أن تنضم الدول ذات التوجهات الثورية في تحالفات مع الكتلة الشرقية، ومن ثم قامت أقلية من دول عدم الانحياز بإعادة إحياء فكرة المساواة بين التكتلات الدولية بغض النظر عن خصائص كل حالة على حدة. أما أغلب أعضاء الحركة عارضوا هذه التوجهات المختلفة حيث أن التحالف مع أحد التكتلات سوف يؤدى إلى انهيار حركة عدم الانحياز، وتحولها إلى انحياز حقيقي كامل.
 
ولقد تعددت التوجهات السياسية داخل حركة عدم الانحياز، حيث كان هناك دول مرتبطة أيديولوجيا بالكتلة الشيوعية وفي مقدمتها كوبا وفيتنام وكوريا الشمالية وأنجولا ومدغشقر، كذلك كان هناك دول مرتبطة سياسياً واقتصادياً بالكتلة الغربية وفي مقدمتها سنغافورة وكولومبيا وجاميكا وبعض دول الخليج العربي، أما الدول التي كانت تنتمي لاتجاه الوسط، كان في مقدمتها يوغسلافيا والهند، كذلك يمكن أن تنضم إليها بعض الدول وفقاً للظروف المحيطة بها مثل إندونيسيا وسريلانكا والجزائر ومصر وتنزانيا والسنغال، وتمثل دول الوسط الغالبية العظمى من حركة عدم الانحياز، إلا أنها تتفق على ضرورة توازن المواقف ورفض منهج التحالفات لكلا من القوتين العظميين بل كان لديها توجهات نحو أهمية الدعوة للتعاون بين الدول النامية والدول المتقدمة.
 
ثالثاً: تحديات الصراع الإقليمي وانعكاسه على مسيرة حركة عدم الانحياز

تعددت الصراعات فيما بين دول حركة عدم الانحياز، إلا أنها تختلف طبقاً لموقعها الإقليمي، ولذلك تعددت المشاكل والقضايا وكان لها تشعبات عديدة، ففي أسيا كانت مشكلة كمبوديا والتي احتلتها دولة من دول عدم الانحياز وهي فيتنام، إلا أن الحركة لم يكن لها موقفاً يدين الاحتلال كذلك كانت مشكلة أفغانستان وهي دولة من دول عدم الانحياز وقد احتلتها القوات السوفيتية، إلا أنه وضح اختلاف الرؤى والتوجهات حول أسلوب تناول المشكلة، أما في منطقة الشرق الأوسط فكان هناك القضية الفلسطينية ومشكلة لبنان والصراع الإيراني العراقي وكلاهما من دول عدم الانحياز، إلا أن المساعي التي بذلتها دول الحركة كانت محدودة، خاصة بعد أن رفضت إيران أي جهود وساطة من حركة عدم الانحياز. كذلك كان هناك مشكلة الصحراء الغربية، حيث وضح اختلاف المواقف بين مؤيد للاعتراف بالجمهورية الصحراوية وكان في مقدمة الدول المعترفة الهند ويوغسلافيا وزيمبابوي والعديد من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ورغم اعتراف منظمة الوحدة الأفريقية بالجمهورية الصحراوية إلا أن حركة عدم الانحياز حافظت على التوازن في الموقف، حيث طلبت من الجمهورية الصحراوية عدم التقدم بطلب عضوية للحركة حتى لا يكون هناك انقسام داخلي، وأيد هذا الاتجاه العديد من دول حركة عدم الانحياز، كذلك كان هناك مشكلة ناميبيا وتشاد وجنوب أفريقيا، أما في أمريكا الوسطى والجنوبية كانت توجد مشكلة نيكاراجوا والسلفادور وجزر فوكلاند وقناة بنما والخلاف بين جويانا وفنزويلا.
 
اتسمت معالجة حركة عدم الانحياز للعديد من القضايا بالعمومية وفي إطار إقليمي داخلي، ويرجع ذلك إلى التقاليد التي درجت عليها الحركة في معالجة القضايا السياسية في المجموعات الإقليمية الخاصة بكل منها، ومن ثم كان هناك تسابق بين الدول لإظهار مشاكلها الخاصة وسعيها للحصول على تأييد دولي يحقق لها مكاسب محلية وإقليمية، ومن ثم تعددت وتنوعت أساليب مواجهة المشاكل الإقليمية، حيث كان موقف حركة عدم الانحياز من القضايا الآسيوية يتسم بالعمومية والبعد عن التفصيلات، بينما كان موقفها من قضايا أمريكا اللاتينية يقوم على البحث في أدق التفاصيل، بينما كانت مواقف الحركة بالنسبة للشرق الأوسط هي التأييد المطلق للجانب العربي بصفة عامة والقضية الفلسطينية بصفة خاصة، أما في حالة النزاعات الداخلية بين أعضاء الحركة ذاتها فتظهر الانقسامات والتوجهات المتباينة والتي كانت في معظم الحالات تهدد مسيرة الحركة وتؤدي إلى الانقسامات الداخلية.
 
رابعاً: التحديات الاقتصادية لحركة عدم الانحياز
بدأ الاهتمام بالقضايا الاقتصادية لدول عدم الانحياز مع بداية السبعينيات، حيث طفرح مفهوم التنمية الاقتصادية كجزء من مفهوم عدم الانحياز، خلال مؤتمرات عدم الانحياز التي أصبح يصدر عنها إعلاناً مستقلاً حول قضايا التنمية الاقتصادية، إضافة إلى تحديد برنامج للتعاون الاقتصادي يجري الالتزام به، إلا أن القضايا الأساسية التي تواجهها دول عدم الانحياز تتمثل في سوء أداء النظم الاقتصادية العالمية، خاصة مع شيوع عدم الثقة بين الشمال والجنوب، حيث يرى الجنوب أن الهدف الأساسي للشمال المتقدم هو المحافظة على النظام الاقتصادي العالمي مع إجراء بعض التغييرات المحدودة، أما الشمال فإنه يعمل على أساس أن قضايا الدول النامية ذات طبيعة سياسية في المقام الأول، ولذلك يوجد مصالح مشتركة بين الشمال والجنوب وكذلك يوجد تعارض لبعض المصالح، إلا أنه يوجد ارتباط بين الطرفين بحيث إذا حاول أحدهما حل مشاكله منفرداً سينعكس ذلك على الطرف الآخر.
 
لم يحدد الجنوب أهداف حواره مع الشمال، حيث تتعدد الرؤى والتوجهات فمنها ما يدعوا إلى منح المساعدات والامتيازات المادية والاقتصادية على المدى القريب، بينما يوجد رأي آخر يدعو إلى التغيير الهيكلي للاقتصاد العالمي على المدى البعيد، ولذلك لم تتحدد إستراتيجية اقتصادية يعمل في إطارها دول الجنوب التي لم تقتنع بأن الإصلاح الداخلي أهم بكثير من تغيير النظام العالمي، وتستند الدعوة لإقامة نظام عالمي جديد على اعتبار أن النظام السائد حالياً نشأ وتطور في ظل سيطرة الحضارة والقيم الغربية والاستعمار، بهدف فتح أسواق لها في الدول النامية والحصول على سلعها الأولية بأسعار منخفضة، ولقد انعكس ذلك على التجارة الدولية ومشاكل النقد الدولي وحالات التنمية الاقتصادية المتعددة، ولذلك طالبت الدول النامية بمعالجة الوضع الاقتصادي الدولي في إطار شامل يضم جميع الدول وجميع السلع، وكذلك ضرورة إعداد برنامج للتدابير والإجراءات الفورية العاجلة لمواجهة المشاكل ذات الحساسية الخاصة والحرجة والتي تتمثل في النقد والتمويل والتجارة والطاقة والأغذية والزراعة.
 
وتواجه دول عدم الانحياز إلى جانب القضايا الاقتصادية المتعلقة بالحوار بين الشمال والجنوب، قضايا أخرى تتعلق بالتعاون بين الدول النامية بصفة عامة وبين دول عدم الانحياز بعضها البعض، ويأخذ التعاون بين الدول النامية بعدين أساسيين، الأول هو تنسيق المواقف في المنظمات الاقتصادية الدولية وتنشيط وتفعيل المجموعات الاقتصادية الإقليمية بصفة عامة ومجموعة السبعة والسبعون بصفة خاصة والتي تضم في إطارها معظم دول عدم الانحياز، أما البعد الثاني هو التعاون المباشر بين هذه الدول وخاصة بشأن الإنتاج المشترك مع زيادة حجم التفضيلات الجمركية فيما بينها، وقد تمثل ذلك في بعض اتفاقات التعاون الاقتصادي بين الهند ويوغسلافيا ومصر، ورغم استمرار هذه الاتفاقات لقرابة ثلاثين عاماً إلا أن نطاقها كان محدوداً لانخفاض حجم التبادل التجاري وعدم قيام أي تعاون صناعي مشترك.
 
في إطار مطالب دول عدم الانحياز للتعاون الاقتصادي، كانت هناك الدعوة لإنشاء بنك الجنوب، إلا أنها كانت دائماً تواجه بنقص التمويل، كذلك كانت هناك الدعوة لإحياء برنامج التعاون الاقتصادي بين دول عدم الانحياز، وقد تحددت خلال مؤتمرات القمة مجالات التعاون المختلفة سواء بين دول عدم الانحياز وبعضها أو بين دول الحركة والدول النامية، إلا أنه يلاحظ أن هذه البرامج نظرية أكثر منها عملية، كذلك بدأت تزداد الدعوة للاعتماد الجماعي على الذات فيما بين الدول النامية ودول عدم الانحياز، وهذه الدعوة واجهت العديد من المشاكل والتي تمثلت في افتقار معظم الدول النامية لمقومات اقتصادية عامة، ولاشك إن كل التحديات الاقتصادية والقيود التي تواجه حركة عدم الانحياز توضح أهمية صياغة إستراتيجية اقتصادية قبل المطالبة بتغيير النظام الاقتصادي العالمي، ويكون من أهداف هذه الإستراتيجية هو تحقيق التنمية بالاعتماد على الموارد الذاتية سواء كان ذلك على مستوى كل دولة من دول عدم الانحياز، أو في إطار تعاون جماعي بين دول الحركة، ولذلك أصبح لزاماً على حركة عدم الانحياز التركيز على الاعتماد على الذات، والاعتماد الجماعي من خلال اتباع إستراتيجية مقامها التراكمي توظيف الموارد الذاتية في اتجاه تحقيق التكامل بين القطاع الزراعي والصناعي، وزيادة حجم التعاملات الاقتصادية بين دول حركة عدم الانحياز، خاصة وأن حجم المعاملات بينها تقل بكثير عن حجم معاملاتها مع الدول الرأسمالية.
 
خامساً: التحديات الأمنية التي تواجه حركة عدم الانحياز
تتمثل التحديات الرئيسية التي تواجه دول عدم الانحياز منذ نشأتها في إستراتيجية وأساليب تحقيق أمنها القومي، كذلك التوفيق بين الأمن الوطني والأمن الإقليمي وأمن المجموعة ككل، ففي مرحلة التنافس بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية على احتواء الآخر كان لحركة عدم الانحياز دور واضح في احتواء الأزمات الدولية رغم قدرتها السياسية المحدودة. وكانت السياسة الخارجية للدول غير المنحازة بمثابة امتداد منطقي لحركتها الوطنية المناهضة للسياسات الاستعمارية، ومع ذلك كان على دول عدم الانحياز أن تعمل في ظل بيئة دولية تمارس فيها سيطرة محدودة، ومن ثم كان هدف سياسة عدم الانحياز هو المحافظة على استقلال قرارها والحفاظ على حريتها خاصة في مرحلة الحرب الباردة، والتي انعكست آثارها على الجزء الأفرو ـ آسيوي من العالم والذي يضم معظم دول حركة عدم الانحياز، التي لها دوراً حيوياً في توازن القوى الدولية، ومن ثم عملت الدول العظمى على جذب دول هذه المنطقة إلى مجالات نفوذها، وتمثل ذلك خلال فترة الخمسينيات والستينيات في المعاهدات العسكرية والتحالفات، ثم تحول بعد ذلك إلى سياسة الوفاق السياسي العسكري أو الاتفاق الاستراتيجي.
 
لم تفثار قضية الأمن القومي في دول حركة عدم الانحياز حينما كانت تعاني من سيطرة القوى الاستعمارية، ولذلك لم يكن لها دوراً في تحديد السياسات الأمنية والدفاعية قبل الاستقلال لكن اختلف الوضع بعد حصولها على استقلالها، فلقد أصبح تحقيق الأمن سواء بمعنى الدفاع عن الاستقلال والسيادة والكيان القومي، أو بالمعنى الأشمل الذي يصل إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية والإمكانيات الوطنية هو الغاية القومية والهدف الأساسي لهذه الدول، ولذلك انعكست خصائص النظام العالمي عبر مراحل تطوره المختلفة على دول مجموعة عدم الانحياز مما أدى إلى جعل قضية الأمن القومي هي القضية الرئيسية التي تدور حولها سياستها الداخلية والخارجية، وحاولت القوى العظمى جاهدة إيجاد البدائل التي من شأنها مسايرة المشاعر والأحاسيس الدولية المؤيدة لسياسة عدم الانحياز، وتمثل ذلك في إصدار العديد من المبادئ التي تعلن موقفها بأن الامتيازات السياسية والعسكرية في وقت معين لا تعني ضم القوى الإقليمية لأي نظام تحالفي، ولقد تمثل ذلك في الدبلوماسية الأمريكية بإعلانها عن مبدأ ترومان، ومبدأ أيزنهاور ومبدأ نيكسون ومبدأ كارتر، أما على الجانب الشرقي فقد طفرحت عدة خطط ومقترحات، منها خطة شيبليوف والتي هدفت إلى تحقيق نظام للأمن الجماعي في آسيا، وكذلك خطة بريجينيف، فضلاً عن اتفاقيات الصداقة التي وفقعت مع العديد من الدول. وأصبحت هذه المبادئ والمقترحات تشكل الأسس التي يقوم عليها الوفاق السياسي العسكري بين القوى الإقليمية والقوى العظمى في إطار المشاركة.
 
أدت التغيرات العالمية في عصر الاستقطاب والحرب الباردة إلى محاولة دول عدم الانحياز لرسم سياسات أمنية مستقلة عن القوتين العظميين، إلا أنها لم تتمكن من اتباع السياسة ذاتها سواء فيما يتعلق بتنويع مصادر السلاح أو الحصول على المعونات والمساعدات الخارجية، خاصة بعد أن بدأ العالم يتجه إلى الوحدات السياسية الأكبر، عكس الاتجاه الذي كان يسود فترة الخمسينيات، حيث كانت كل دولة تسعى إلى التأكيد على الذات القومية والسيادة الكاملة، ومما لا شك فيه أن هذا التحول يتطلب التوفيق ما بين اعتبارات التكامل والتنسيق واعتبارات السيادة والاستقلال.
 
انتقلت السلطة بعد الاستقلال لمعظم دول عدم الانحياز إلى القيادات العسكرية في الدولة، أو من خلال الانقلابات المتتالية، ولذلك تولى العسكريون مسؤولية الحكم فضلاً عن بناء الدولة، ولقد أدى ذلك إلى تزايد الاهتمام بتنمية المؤسسة العسكرية من خلال زيادة التسليح وبناء جيش فعال لحماية استقلالها وحريتها، ومن ثم زادت النفقات العسكرية وتجاوزت نفقات التعليم والصحة، وأدى ذلك إلى تهديد الأمن القومي لكثير من دول عدم الانحياز، حيث نتج عن زيادة الصراعات الداخلية الإقليمية وعدم الاستقرار إلى مواجهات دولية، التي أدت بدورها إلى سباق التسلح وتزايد مجالات الإنفاق العسكري ليشمل نقل الأسلحة والتدريب ونقل التكنولوجيا العسكرية، بما يزيد من مستوى ومعدل العنف بشكل فعال ويفجر المزيد من الصراعات العسكرية.
 
وأدت المغالاة في تحديد مصادر التهديد الخارجي إلى زيادة الإنفاق العسكري، لذلك تطورت المؤسسات العسكرية لمعظم دول عدم الانحياز بصورة أكبر من الناحية النوعية عن المجتمع ككل، ومن ثم زادت الفجوة بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الاجتماعية، وأدى ذلك إلى التوسع الخارجي في شكل حروب أو زيادة دورها في النظام السياسي بصورة أدت إلى ظهور الدولة البوليسية حيث يسيطر المتخصصين في العنف عليها، ولذلك تقلصت مساحة الديموقراطية وانعدمت قنوات التعبير الديموقراطي عن الرأي، مع تبني أنظمة الحكم لسياسة مواجهة الأفكار الخارجية وحماية الجبهة الداخلية وكذلك المحافظة على الاستقلال والسيادة، وبذلك صارت الديموقراطية مطلباً للنخب غير الملتزمة بقضايا الأمن والدفاع ومواجهة التهديدات المختلفة، وأصبح مناقشة الشرعية وحق المعارضة يمثل خروجاً على السياق العام للنظم الاجتماعية المفروضة من جانب المؤسسات العسكرية القائمة في العديد من دول عدم الانحياز.
 
ومما لا شك فيه أن التحديات الأمنية التي تواجهها دول عدم الانحياز يكون مصدرها الأساسي من الداخل، وهي ناتجة عن عدم كفاءة النظم في عملية المشاركة السياسية وإيجاد وسائل التعبير المناسبة في إطار من الديموقراطية، إلا أن ذلك يزيد من احتمالات تنامي العنف وتهديد الأمن القومي، ومن ثم ترتبط الصياغة الدقيقة للأمن القومي لدول عدم الانحياز بضرورة الفهم الدقيق والواضح لمصادر التهديد الرئيسية، والتي يكون مصدرها الأساسي نابعاً من البيان السياسي والاقتصادي لهذه الدول بالدرجة الأولى، وهي المصادر التي تتطلب دون شك زيادة اتساع مساحة الديموقراطية والمشاركة السياسية، إلا أن التحدي الأخطر يتمثل في تحويل القناعات النظرية والالتزامات السياسية في مجال الأمن إلى سياسات فعلية تحقق الأمن القومي، وتدفع بشعوبها إلى المشاركة التطوعية في تنفيذها، ويقتضي ذلك إلى ضرورة فهم الأبعاد الموضوعية للأمن والأبعاد الذاتية للمواطنين، مع فتح حوار علمي وسياسي للربط بين الأمن القومي والأمن الإقليمي وأمن مجموعة دول عدم الانحياز ككل.
 
سادساً: التحديات الثقافية والإعلامية لحركة عدم الانحياز
بدأت معالم الدعوة لإقامة نظام إعلامي دولي جديد تتضح مع نهاية السبعينيات، وقد بدأت هذه الدعوة تأخذ شكلاً محدداً في حركة عدم الانحياز منذ عام 1983م، وكان الاهتمام من قبل يتركز على إقامة تعاون في مجال الإعلام والاتصال، وكان نشاط الدول غير المنحازة يتركز أساساً في المنظمات الإعلامية والتربوية وبخاصة في منظمة اليونسكو، إلا أن التوجهات الإعلامية والثقافية للعديد من دول الحركة بدأت تقوم على الاعتراف بحرية الصحافة، كذلك يجب أن يقوم التدفق الإعلامي على الدعوة للسلام والتفاهم بين الشعوب، كذلك يجب أن تطور البنية الأساسية للاتصالات في البلاد النامية بإقامة الأقمار الصناعية، بهدف تحقيق التعددية الإعلامية والسياسية، إلا أن ذلك لا يمكن تنفيذه في العديد من دول عدم الانحياز التي مازال العديد منها يعيش تحت سيطرة نظم ديكتاتورية أو نظم الحزب الواحد ولا يسمح بحرية الصحافة فيها.
 
إن غالبية الدول النامية، بما فيها دول عدم الانحياز، لا توجد بها حرية صحافة، ومن ثم فإن الدعوة لإقامة نظام إعلامي قائم على أسلوب اتصال جديد نابع من الرغبة في الخروج من التحيز الإعلامي الغربي ضدها أكثر من كونه تعبيراً عن حقيقة النظم الإعلامية القائمة في ظل المعطيات الراهنة. لذلك تتضح أهمية التعاون الإعلامي بين الدول النامية بعضها البعض، كذلك تبرز قضية إنشاء مجمع أنباء عدم الانحياز، والمجلس الحكومي لتنسيق الإعلام بين دول عدم الانحياز، وتجمع إذاعات دول عدم الانحياز. ولتحقيق التقدم في هذه المجالات يتطلب المزيد من الجهود، لأن نطاق العمل محدود مقارنة بنطاق العمل في المجال الاقتصادي، وسيطرة الدولة على الوسائل الإعلامية أكثر وضوحاً ومن ثم التنسيق بين إعلام الدول النامية يكون أكثر يسراً، ولكنه لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب، بسبب التناقضات والاختلافات بين العديد من دول عدم الانحياز حيث أن أغلبها يعتمد على وكالات أنباء ذات ثفقل دولي محدود، إضافة إلى أن معظمها يعتمد في الأساس على الأنباء الحكومية والرسمية، ولا يقدم مادة إعلامية متميزة، ومن ثم تميل معظم الدول النامية ومنها دول عدم الانحياز للاعتماد على وكالات الأنباء العالمية بدلاً من الاعتماد على الأنباء التي يبثها مجمع أنباء عدم الانحياز أو الوكالات المشتركة فيها، وهو ما يمثل في النهاية تحديات للقدرات الإعلامية والثقافية لدول عدم الانحياز.
 
سابعاً: تحديات التعاون العلمي والتكنولوجي لحركة عدم الانحياز
لقد كان هناك انخفاض في مستوى الوعي العلمي بين دول عدم الانحياز، وكذلك عدم وجود مراكز التقدم العلمي، ومن ثم اتجهت معظم الدول النامية إلى الدول الصناعية المتقدمة للحصول على التكنولوجيا التي يتحقق خلالها التقدم العلمي، ولقد ركزت دول عدم الانحياز منذ بداية الثمانينيات اهتمامها لدعم وإقامة مراكز للعلوم والتكنولوجيا، على أن يكون مقرها الرئيسي في الهند، ولقد استهدف المركز تزويد الدول النامية بصفة عامة ودول حركة عدم الانحياز بصفة خاصة بالخبرات الفنية والتدريب على العلوم الحديثة، وقد أفقر النظام الأساسي الخاص بهذا المركز، ويرتبط هذا المركز بمشروع آخر يتمثل في إنشاء مركز للهندسة الوراثية في إطار منظمة اليونيدو، وقد أفنشئت وحدتين أساسيتين في كل من الهند وإيطاليا، كما جرى الربط بين هذين المركزين، ويرجع سبب إنشاء مركز للعلوم والتكنولوجيا في الهند إلى التقدم العلمي الذي حققته في هذا المجال، ومن ثم تعتبر الهند من دول عدم الانحياز ذات المستوى العلمي والتكنولوجي الذي يمكن من خلاله أن تكون حلقة علمية وثقافية بين الدول النامية والدول المتقدمة، وأن ما يتوفر لديها من تكنولوجيا متطورة، تتلاءم مع ظروف واحتياجات الدول النامية، في حين أن ما يتوفر لدى الدول الصناعية الغربية يفوق بكثير ما تبتغيه الدول النامية خاصة وأن التكنولوجيا الغربية تسعى إلى الميكنة الكاملة في كافة مراحل الإنتاج في حين أن العمالة متوفرة في البلاد النامية، لكن يتطلب رفع مستوى الاستفادة منها.
 
ثامناً: تعدد الرؤى واختلاف التوجهات كتحديات تهدد حركة عدم الانحياز
رغم أن حركة عدم الانحياز تعتبر اتجاهاً سياسياً حديثاً في العلاقات الدولية، إلا أن طبيعة النشأة وظروفها والعوامل المحيطة بها أثرت على نموها وتطورها، كذلك كان انضمام العديد من الدول للحركة أدى إلى ظهور العديد من التوجهات المتباينة واختلاف واضح في الرؤى تمثلت في الآتي:
 
1. الاتجاه المعتدل، وهو الاتجاه الذي يرى في حركة عدم الانحياز تجمعاً دولياً لا ينتمي إلى أي من الكتلتين الشرقية والغربية، وسعت الدول التي تتبنى هذا الاتجاه للحفاظ على سياسة عدم الانحياز من خلال خطابها السياسي وكذلك في علاقاتها الخارجية، ففي خطابها السياسي تؤكد على فلسفة عدم الانحياز والمتضمن في الإعلان السياسي أنها لا تنحاز إلى أي قوى خارجية وأنها مستقلة تأخذ مواقفها وفقاً لما تراه، أما من الناحية التطبيقية سعت هذه الدول إلى إدانة السياسات الاستعمارية والإمبريالية دون أن توجه النقد لسياسات الدول الكبرى والعظمى، وإن كان هذا التجمع لم يدافع عن السياسات الغربية غير المؤيدة لحركات التحرر، بل وأحياناً لسياسات ومصالح الدول المعتدلة ذاتها، ومما لاشك فيه أن هذه الدول والتي يطلق عليها بالدول ذات الاتجاه المتشابه مرتبطة مصلحياً وسياسياً وأيديولوجياً بالنظم الغربية الرأسمالية رغم أنها لم ترتبط في تحالفات معها، وكان من أمثلة هذا الاتجاه سنغافورة وكولمبيا.
 
2. الاتجاه المرتبط أيديولوجياً بالفكر الماركسي، ويمثل هذا الاتجاه كوبا ونيكاراجوا وكوريا الشمالية وأنجولا وموريشيوس، وكانت تتبنى هذه الدول اتجاه مضاد للاتجاه المعتدل ـ حيث تدعوا لتغيير فلسفة الحركة ومواقفها انطلاقاً من أن الحركة تعبر عن التحول من النظام الاستعماري الدولي إلى إقامة نظام اقتصادي وسياسي إعلامي واتصالي جديد، ومن ثم فلابد من التغيير الشامل، لأن النظام القائم يتسم بالاستغلال والهيمنة، فالديون يجب أن تفلغى وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يجب تغيير أسلوب عملهما إلى النظام الديموقراطي الذي يراعي مصالح الدول النامية، كذلك يجب تغيير نظام الأمم المتحدة ليتوافق مع الظروف الدولية المتغيرة، كما يجب تقنين آليات الحد من التسلح ومنع انتشار الأسلحة النووية.
 
3. الاتجاه الثالث يعبر عنه النظام الإسلامي الثوري بزعامة جمهورية إيران الإسلامية، وتتمثل رؤية هذا الاتجاه في أن النظام العالمي الراهن يعتمد على السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية، من خلال تدخل الدول في شؤون بعضها البعض والذي أدى إلى صراعات متعددة كان منها الحرب الأهلية في لبنان والصراع الداخلي في أفغانستان ودول أمريكا اللاتينية والصراع في جنوب السودان والعديد من دول أفريقيا، وللتخلص من سيطرة الدول الكبرى يرى هذا الاتجاه في الإسلام والديانات السماوية الأخرى الدعوة للتمسك بالإيمان ومواجهة أساليب السيطرة المختلفة، ورفض الهيمنة والقهر، ولتحقيق هذه الأهداف طالبت بإعادة تشكيل فلسفة حركة عدم الانحياز لتحقيق الآتي:
 
أ. إحياء مبادئ عدم الانحياز على النحو المعروف من التمسك بالاستقلال، ومقاومة الاستعمار والسيطرة، وعدم التدخل، وأن التمسك بهذه المبادئ هو شرط أساسى لاستمرار عضوية أي دولة فيها.
 
ب. إحياء المسؤولية بين دول الحركة تجاه الشؤون الدولية، بتكتل دول الحركة ضد الدولة المعتدية أو الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان.
 
ج. توسيع نطاق نشاط الحركة لتشمل الميدان الثقافي، وتهتم به على النحو الذي يحافظ على التراث والتقاليد والقيم لدولها.
 
د. صياغة قواعد ومعايير جديدة على أساس مبادئ الحركة ومعارضة تطبيق المعايير المزدوجة فلابد من مقاومة العدوان.
 
هـ. يجب إعادة دراسة معايير الانضمام للحركة، وأن تنظم العلاقة بين دول حركة عدم الانحياز في إطار بعيد عن القيم المادية، كما يجب العمل على إيجاد نظام جديد للقانون الدولي يستند إلى القيم المشتركة يراعى فيه تطبيق العدالة وملئ الثغرات القائمة في النظام الحالي.
 
و. أما التوجه الرابع فيرى أهمية تطهير حركة عدم الانحياز من دول الفرانكفون، لارتباطها بالاستعمار الفرنسي، وكذلك من دول الكومنولث، لارتباطها بالملكية البريطانية، ولقد تزعم هذا الاتجاه الجماهيرية الليبية، التي رأت أن العالم ينقسم إلى مجموعتين، الدول الاستعمارية والدول المتحررة، وتسعى الدول الاستعمارية إلى فرض سيطرتها وهيمنتها على الدول الصغيرة المستقلة حديثاً، بينما الدول المتحررة وأغلبها من الدول النامية فمن مصلحتها التمسك بالمبادئ الاشتراكية لاتفاق مصالحها في مقاومة الاستعمار والسيطرة.
 
من تعدد التحديات والتهديدات والقضايا التي تواجهها حركة عدم الانحياز أصبح لزاماً عليها صياغة اتفاقات بشأن التحديات التي تهدد مسيرة الحركة سواء كانت هذه التحديات داخلية أو بسبب ضغوط خارجية على أن يقوم هذا الاتفاق على المبادئ التالية:
 
1. احترام النظام السياسي والحكومي لكل دولة، وأن يكون من حق شعب كل دولة من دول عدم الانحياز تقرير نمط النظام الذي تنشده، وأن تختار الحكومة التي ترغبها، وأن تمتنع الدول الأخرى عن التدخل في هذه الأمور الداخلية.
 
2. عدم انتهاك وحدة الدول وسلامة أراضيها، وإن كان لا يمنع من إعادة النظر في الحدود القائمة فعلاً والتوصل إلى تسوية سلمية نهائية لها.
 
3. ضرورة عدم وجود روابط سياسية عسكرية بين القوى الإقليمية والقوى الكبرى والتي يمكن تصورها سواء في حالة التنافسات الإقليمية الداخلية أو في حالة تنافس القوى الكبرى.
 
4. إن تهديد أمن أي دولة يعتبر تهديداً لأمن الجميع، ولذلك يجب على كافة دول عدم الانحياز القيام بجهود موحدة لإزالة هذا التهديد عن طريق اتخاذ خطوات إيجابية على كافة المستويات والميادين الممكنة.
 
5. أن تكون هناك جهود واعية لتقوية ودعم الروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين دول عدم الانحياز بهدف خلق بيئة أفضل من أجل التعاون الإقليمي.
 
6. العمل على تنمية القدرات العلمية والتكنولوجية من خلال التعاون بين دول حركة عدم الانحياز وفقاً لما تتطلبه احتياجات وقدرات الدول النامية.
 
تاسعاً: تداعيات انهيار الكتلة الشرقية، والثنائية القطبية، على حركة عدم الانحياز
لقد مرت حركة عدم الانحياز، منذ انهيار الكتلة الشرقية، بثلاث مراحل متعاقبة. تميزت أفوْلاها بالشك والغموض، إذ فقدت الحركة اتجاهها، وتأثر دورها في منظومة عالمية من دون الاتحاد السوفيتي، وخاصة أن العديد من أعضاء الحركة، كان يؤمن بضرورة دورها في خضم الصراع بين الشرق والغرب؛ وإذا كان هذا الصراع قد انتهى، فهذا يعني انتهاء دور الحركة، بعد زوال أسباب وجودها. وفي هذه المرحلة، اعتقد الكثيرون، أن الحركة قد تلاشت؛ إلا أن ذلك لم يتحقق.
 
وفي المرحلة الثانية، شهدت الحركة فترة الاستدراك، واسترجاع فاعليتها، من أجل تأكيد الذات، والتعاون، في ظروف جديدة أكثر تعقيداً وأشد خطراً؛ إذ إن الظروف الجديدة، تحتم على الحركة إيجاد دور فاعل، على مساحة العلاقات الدولية، من خلال طرائق وأساليب وآليات، توافق النظام العالمي الجديد.
 
أمّا المرحلة الثالثة (الحالية)، فهي مرحلة الثقة بالنفس، واسترجاع القوة، وتدعيم وتأكيد المبادئ والثوابت، التي قامت عليها حركة عدم الانحياز، والتي ما زالت تشكل نقاط القوة فيها. ففي هذه المرحلة، تتضح أهمية توافق الحركة مع المعطيات الجديدة، واستغلال معظم أعضائها لتشكيل قوة، تستطيع مواجهة الكبار، الذين يسيطرون على مقاليد السياسة والمال في العالم.
 
وعلى الرغم من وضوح مدى حاجة الحركة إلى الإصلاح والتطوير، وتجسيد التعاون بين أعضائها، وتوحيد المواقف من القضايا المصيرية، التي تؤثر في غالبية دولها؛ إلا أن دور الحركة، حتى الآن، لا يعكس ثقلها الحقيقي، وخاصة أنها تضم أكثر من ثلثَي دول العالم. فحركة عدم الانحياز، ما زالت تعاني نزاعات أعضائها، ومشاكل عديدة، تنعكس على فاعليتها ومصداقيتها، إذ تشغلها بقضايا هامشية، وتبعدها عن القضايا المصيرية. فالمشاكل الاقتصادية، ما زالت تشكل عائقاً رئيسياً، أمام معظم أعضاء الحركة؛ ما أدى إلى تعامل تلك الدول مباشرة مع الدول المتقدمة، في إطار ثنائي، بدلاً من التعامل من خلال الحركة. وهو ما يؤدي إلى إضعاف الحركة، أمام الدول المتقدمة؛ نظراً إلى عدم تكافؤ العلاقة بين الطرفَين.
 
وفي القرن الحادي والعشرين، تواجه حركة عدم الانحياز تحديات مغايرة لما كانت تواجهه عند إنشائها، وحتى في فترة السبعينيات والثمانينيات. ومن أهم هذه التحديات إنهاء عمليات التحرر والاستقلال، الحل السلمي للنزاعات الدولية، الإرهاب، التنمية المستدامة، استئصال الأمراض والأوبئة والفقر؛ والاستفادة من تكنولوجيا المعلومات وصناعة المعرفة، في أغراض سلمية، وأغراض التنمية والتطور والأمن والاستقرار.
 
عاشراً: حركة عدم الانحياز ضرورة إستراتيجية لتوازن النظام الدولي
تجتاز حركة عدم الانحياز محنة تاريخية كبرى، تكاد تعصف بها. ووضح ذلك من خلال الارتباط الوثيق للعديد من الدول أعضاء الحركة بسياسات الدول الكبرى. واتخذ ذلك الارتباط شكل التحالف، والقبول بقواعد عسكرية أجنبية (أمريكية)؛ فضلاً عن عدم تمكن الحركة من حل النزاعات البينية للدول الأعضاء في الحركة، بعيداً عن التدخلات الخارجية. ومن ثَم، فإن بعث أهداف الحركة وتفعيل أنشطتها، وتحديد مواقفها السياسية غير المنحازة إلى الدول الكبرى، ونصرة قضايا الدول النامية ـ أصبحت في حاجة إلى جهود مضنية، لمواجهة اضمحلال دور حركة عدم الانحياز.
 
وحتى تكون حركة عدم الانحياز حاضرة في الإسهام في استقرار النظام الدولي، فعليها أن تنشط، بفاعلية، في خدمة قضايا السلام في العالم، وكذلك لخدمة مصالح دولها العليا؛ فعليها ألا تعكس نهجاً سلبياً في حركة السياسة الدولية. ففي مدى أربعة عقود من الانخراط في حركة السياسة الدولية، بصفة قطب دولي، له ثقله ونفوذه في النظام الدولي، تمكنت حركة عدم الانحياز من ترسيخ وجودها في ذلك النظام، بكونها قطباً دولياً ثالثاً. وحتى بعد زوال نظام القطبية الثنائية، أمست العضوية في الحركة أربعة أمثال ما كانت عليه عند نشأتها، عام 1961. وتسهم الحركة، إلى حدّ كبير، في تخفيض حدة التوتر في حركة السياسة الدولية، وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة. فلقد نجحت الحركة في فرض أجندتها في قضايا السلام والأمن الدوليَّين، وكذلك في توثيق عرى التكامل الاقتصادي، والتنسيق السياسي، بين دولها؛ من أجل حماية استقلالها من تقلبات حركة السياسة الدولية.
 
وإذا كانت مستمرةً معاناةف دول حركة عدم الانحياز للمشاكل نفسها في التعامل مع القوى العظمى، وربما بصورة أكثر تعقيداً من تلك التي كانت سائدة، خلال الحرب الباردة، إذ استفحلت غطرسة الإملاءات، التي تفرضها القوى الكبرى في العالم، بما ينعكس على استقلال الدول وحرية شعوبها؛ فكذلك لا تزال قضايا السلام والأمن الدوليَّين، في مناطق التوتر في العالم، تعاني ازدواجية النظام الدولي، على حساب أمن العالم وسلامته. كما أن تفاقم ظاهرة الإرهاب، التي لم تكن موجودة سابقاً، أدى إلى ظهور تهديد جديد، يؤثر في أمن وسلامة دول العالم بعامة، ودول حركة عدم الانحياز بخاصة.
 
ولقد عفقدت القمة الرابعة عشرة لحركة عدم الانحياز وسط متغيرات دولية جديدة، فرضت تحديات كبيرة للحركة ودورها المستقبلي، إذ كانت حركة عدم الانحياز واحدة من أكثر الحركات تأثيراً بهذه المتغيرات؛ فأحداث الحادي عشر من سبتمبر، أثرت في مبادئ العلاقات الدولية والقانون الدولي. ووافق ذلك تغيرات إستراتيجية في سياسات الأمن الدولي، والاهتزاز في أفسفس العمل متعدد الأطراف؛ ما أدى إلى إعادة نظر الأمم المتحدة، والمنظمات: الدولية والإقليمية الأخرى، في أولوياتها، ومواجهة التحديات الجديدة، للحفاظ على السلم والأمن الدوليَّين.
 
ومن التحديات، التي تواجه دول عدم الانحياز، الحوار بين الحضارات؛ إذ أن العولمة، التي أفسيء استخدامها، أسفرت عنها تهديدات بفرض أنماط محددة: ثقافية واجتماعية، على دول العالم النامي، بغير مراعاة للتعددية الثقافية، والفروق: الحضارية والاجتماعية. كما تواجه الحركة تحدياً أكبر، يتمثل في البحث عن سبل دعم العمل الجماعي متعدد الأطراف، في مواجهة السياسات الانفرادية، أحدية الجانب، من خلال دعم الأمم المتحدة ومنظماتها وأجهزتها، وفي مقدمتها الجمعية العامة؛ وإعادة إصلاح وهيكلة مجلس الأمن؛ بهدف إلزام الدول الأعضاء مقرراتها، وعدم دفع هذه الدول إلى العمل خارج النظام الدولي؛ مع ضرورة الحفاظ على مبادئ القانون الدولي في العلاقات الدولية، والحفاظ على حقوق الإنسان، وجعل الأمم المتحدة أكثر فاعلية في احتياجات المجتمع الدولي، للحفاظ على سلامه وأمنه واستقراره.
 
وفي ظل النظام الدولي الحالي، تتزايد مبررات التمسك بحركة عدم الانحياز، بصفتها عامل توازن مهماً على الساحة الدولية. فبعد أن كانت بؤر عدم الاستقرار، في منطقة الشرق الأوسط، تتركز في مسرح العمليات التقليدي، على جبهات المواجهة العربية ـ الإسرائيلية، ظهرت بؤر للتوتر، في ظل الظروف الدولية الحالية، لا تقلّ خطراً عما سبق، تمثلت في استشراء العنف في العراق وأفغانستان، واحتمالات توتر في منطقة الخليج العربي؛ إضافة إلى ملف أسلحة الدمار الشامل. ومن ثَم، فإن حركة عدم الانحياز، يمكنها، حالياً، أن تساهم في إيجاد المناخ الملائم للتفاهم، بين الثقافات والحضارات والأديان والمذاهب؛ ولذلك، فهي تستقي مبررات استمرارها من شرعية وجودها، وازدياد أهمية دورها في حفظ السلم والأمن الدوليَّين.
 
وإزاء التحديات، التي تواجه حركة عدم الانحياز، فإن تنشيط دورها، يعتمد، أساساً، على التركيز في قضايا التعاون الاقتصادي بين دولها، في ظل العولمة؛ ومعالجة تزايد الفجوة بين الشمال والجنوب، من خلال نظام اقتصادي عالمي أكثر عدالة، يضمن تحقيق مصالح جميع الأطراف. ومن ثَم، سيظل دور حركة عدم الانحياز مؤثراً في ساحة الأحداث والتحديات، وخاصة إذا كانت دولها، في الساحة الدولية، بكلّ متغيراتها: الإقليمية والدولية، مصممة على أن تمثل مصلحة العالم النامي، وتحاور الأطراف الدولية، باللغة التي يفهمها العالم حالياً، وهي لغة المصالح.
 



الساعة الآن 11:59 مساء