أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في المحاكم والمجالس القضائية ، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





بحث حول العقود التوثيقية

بسم الله الرحمن الرحيم بحث شامل حول العقود التوثيقية   الخطة البحث مقدمة الفصل الأول: تنظيم عملية شهر العقود ..



30-04-2013 02:05 صباحا
لواء المجد
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-04-2013
رقم العضوية : 343
المشاركات : 191
الجنس : ذكر
الدعوات : 2
قوة السمعة : 120
المستوي : ليسانس
الوظــيفة : طالب
 offline 

بسم الله الرحمن الرحيم

بحث شامل حول العقود التوثيقية

 
الخطة البحث
مقدمة
الفصل الأول: تنظيم عملية شهر العقود التوثيقية
المبحث الأول: مفهوم العقد التوثيقي المشهر
المطلب الأول: مفهوم الشهر
المطلب الثاني: مفهوم العقد التوثيقي
المبحث الثاني: إخضاع العقد التوثيقي للشهر
المطلب الأول: شروط إخضاع العقد التوثيقي للشهر
المطلب الثاني: آثار الشهر
الفصل الثاني: سلطة القاضي في إبطال العقد التوثيقي المشهر
المبحث الأول: مدى جواز الطعن في العقد التوثيقي المشهر
المطلب الأول: حجية العقد المشهر ( التصرف المشهر )
المطلب الثاني: مقتضيات إبطال العقد التوثيقي المشهر
المبحث الثاني : رفع دعوى الإبطال أمام القضاء
المطلب الأول: الجهة القضائية المختصة
المطلب الثاني: ضرورة شهر الدعوى العقارية الرامية إلى إبطال العقد التوثيقي المشهر
خاتمة


مقدمة
نحن نعلم أن الجزائر أخذت بنظام الشهر العيني بعد أن كانت تأخذ بنظام الشهر الشخصي، ولعل هذا ما أدى إلى بروز العديد من المشاكل نظرا لعدم التحكم في ضوابط الشهر من جهة، ولجهل المواطنين شروط التعامل في العقارات من جهة أخرى، إذ أن العديد لا يزالون يتعاملون بوثائق عرفية بدل السندات الرسمية في نقل أملاكهم العقارية، هذا ما انجر عنه منازعات كثيرة طرحت أمام القضاء، مما جعل القضاء يحسم الموقف ويفرض الرسمية كشرط للانعقاد في التصرفات المنصبة على العقارات(1).
هذه الرسمية التي يستمدها العقد من إرادة المتعاقدين الودية أي من خلال انصرافها أمام هيئة مخول لها قانونا إضفاء هذه الصبغة الرسمية نظرا لافتراض القانون فيها العدل و المشروعية، ألا وهو الموثق، مما يجعل هذه العقود في منأى عن كل طعن كونها تحوز حجية مطلقة لا يجوز الطعن فيها إلاّ بالتزوير، والأكيد أننا نقصد بالعقد التوثيقي التصرف المبرم أي «Contrat» غير أن موضوع مذكرتنا لا يقتصر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى المحرز في حد ذاته أي«L’act » ( عندما يتعلق الأمر بالعقد المصرح بالملكية أي عقد الشهرة كما سيأتي بيانه).

وقد كنا نعتقد أن إلزامية الشهر في العقود المنصبة على الملكية العقارية بجميع أنواعها، سيزيد العقد التوثيقي حصنا على حصن بالنظر إلى ما يرتكز عليه نظام الشهر العيني من أسس متينة و منطقية تتمثل في القوة الثبوتية للشهر و الأثر المطهر له، هذين المبدأين الذين لا ينتجان أثرهما إلاّ إذا سبقه بحث و تحري في كل ما يقدم إلى الموظف القائم بأعمال مصلحة الشهر، اللذان يترتب عليهما أن كل حق وارد بعقد أو محرر مشهر هو موجود بالنسبة للكافة، وبهذا المنطق يصبح الحق المشهر مطهرا من كل الحقوق العالقة به و غير المشهرة، كما أن التصرف المعيب الذي أدى إلى إشهار الحق لا يؤثر في الحق الوارد بالعقد التوثيقي المشهر إذا ما ابطل أو فسخ هذا الأخير.
وعليه فالحقوق المشهرة لا يكن المساس بها والطعن فيها لأنها أصبحت حقيقة ثابتة في مواجهة الجميع، غير أن الملاحظ أن هذه المبادئ وآثارها وما يترتب عليها من نتائج جد مهمة تبقى نظريات و مبادئ مجردة لا غير، لأنه في العديد من المرات يحدث أن يلجأ أحد المتعاقدين أو ورثته و يطعنون في العقد التوثيقي رغم إشهاره، لاجئين بذلك إلى ساحة القضاء طاعنين في صحة العقد استنادا إلى عيب معين أو سبب ما دون أهمية في نظرهم لحجية هذا العقد بعد إشهاره، و أكيد أن هذا الأمر و التناقض الصارخ بين حجية العقد التوثيقي و آثار الشهر العيني من جهة و بين الطعن في مثل هذه العقود من جهة أخرى يجعلنا نتساءل عن الوضعية الحقيقية للعقود التوثيقية المشهرة ومكانها العملية!

(1)أنظر التعليق على القرار رقم 136156 الصادر عن الغرف المجتمعة بتاريخ 18/02/1997. الاجتهاد القضائي للغرفة التجارية والبحرية، عدد خاص، ص 41.
هذا ما دفعني إلى اختيار هذا الموضوع و التمسك به إذ أثار إنتباهي على مستوى التربص الميداني في العديد من المرات الطعون المقدمة ضد هذه العقود بنوعيها سواءا التعاقدية كعقد البيع أو عقود الشهرة والتي يتم الفصل عادة بإبطالها وفي بعض الأحيان القول بإلغائها، وإن كنت قد اخترت الموضوع من باب الدهشة و الفضول في البداية إلا أنني بعد دراسة و التعمق فيه أردت الوصول إلى معرفة و تحديد أهم الأسباب الداعية إلى إبطال هذه العقود التوثيقية المشهرة، وما موقف القضاء من هذه المسألة، وتحديدا موقف القاضي الابتدائي (على مستوى المحكمة) عندما يطرح أمامه نزاع ينصب حول المطالبة بإبطال عقد توثيقي مشهر إذ أن أهم أشكال اصطدمت به هو ما فائدة الشهر – إذن - إذا لم يحصن العقود التوثيقية ضد الطعن، وبالتالي نتساءل عن حجية العقد التوثيقي المشهر و مدى جواز الطعن فيه بالإبطال، وهل أن الأسباب الداعية لإبطال العقود الناقلة للملكية بإرادتين هي نفسها إذا تعلق الأمر بعقود الشهرة، وإن كان غير ذلك فما هي أسباب إبطال هذه العقود؟
وهذا ما يجرنا إلى تساؤل آخر عن سلطة القاضي عندما يطرح عليه النزاع ويطالب بإبطال عقد توثيقي مشهر إذ كيف يتعامل مع النزاع وما هي الحالات التي ينطق فيها بالإبطال دون مراعاة منه لحجية الشهر ومن ثمة من هو القاضي المختص في مثل هذه النزاعات؟
كل هذه الإشكالات المطروحة حاولت الإجابة عليها من خلال العرض البسيط الأتي بيانه. مع العلم أنه لم يسبق للباحثين وأن تناولوا هذا الموضوع بهذه الصيغة، وإن كانوا قد أثاروا نقاطا تشترك مع ما نريد توضيحه، يمكننا الاستعانة بها في البحث الحالي والذي اعتمدنا فيه أسلوب التحليل و النقد أحيانا، بمعنى تحليل النصوص القانونية الموجودة و محاولة تجسيدها ميدانيا، علما أن الموضوع تطبيقي مئة بالمئة اعتمدنا فيه خاصة على العديد من القرارات القضائية وحتى أحكام المحاكم ( محكمة مكان التربص).
ولعل كون الموضوع تطبيقي هو ما اعترض سبيلنا و خلق أمامنا صعوبات بالنظر إلى أنه دراسة تطبيقية تحتاج إلى خبرة القضاة و آرائهم في هذا الميدان، إلا أن المشكل أن القضاة وحتى المتخصصين في المواد العقارية يختلفون في كثير من الجزئيات هذا من جهة.
إضافة إلى صعوبات مادية تتمثل في قلة المراجع المتخصصة وكذا قلة الدراسات في هذا الموضوع بالذات، و رغم كل ذلك حاولنا الاستعانة بأهم المراجع في المادة العقارية بصفة عامة، و تجميع أهم النقاط التي تفيد بحثنا من أجل الوصول إلى إعداد هذا العمل المتواضع الذي حاولنا من خلاله تسليط الضوء على أهم العقود التوثيقية و تبيان كيفية إخضاعها للشهر، مبرزين في ذلك المقصود بالشهر وأهميته نظرا لكونه محور البحث الرئيسي و لأنه مجال خصب للعديد من الإشكالات القضائية، ثم في مرحلة ثانية حاولنا ضبط وتحديد مجال تدخل القاضي وبالتالي مدى سلطته في إبطال هذه العقود انطلاقا من إبراز مدى حجية الشهر و كذا أسباب إبطالها، مفرقين في ذلك بين العقود الناقلة للملكية بإراديتين أي التعاقدية والعقود المصرحة بالملكية و تحديدا عقد الشهرة، كونه أحسن و أبرز مثال، إن لم نقل أنه المثال الوحيد الذي يفيدنا في الدراسة نظرا لانتشاره بسرعة رهيبة في الفترة الأخيرة و خلقه للعديد من المشاكل العملية ومع ضرورة تحديد القاضي المختص بالنظر في هذه الطعون.
كل هذه النقاط حاولنا إدراجها و التفصيل فيها وفقا للخطة التالية:

من خلال استقرائنا لأحكام قانون الشهر، نجد أن المحررات الخاضعة للشهر كثيرة و متنوعة لتنوع التصرفات المبرمة بين الأشخاص، فقد تكون التصرفات صادرة عن جانبين كعقد البيع، المبادلة، … أو نابعة من الإرادة المنفردة كعقد الهبة وكل هذه التصرفات لا ترتب أثرا فيما بين المتعاقدين أو في مواجهة الغير، إلا منذ تسجيلها أي شهرها في مجموعة البطاقات العقارية، الأمر الذي أكده المشرع العقاري في المادة 14 من الأمر رقم 74/75 المؤرخ في 12/11/1975 المتضمن إعداد المسح العام للأراضي و تأسيس السجل العقاري.
و ستقتصر دراستنا على العقود التوثيقية المشهرة بنوعيها نظرا لانتشارهما على الساحة القضائية بسبب ما يثيرانه من نزاعات، وحتى يتسنى لنا ضبط كل الجوانب المتعلقة بتنظيم إجراءات شهر هذه العقود ارتأينا تقسيم هذا الفصل إلى قسمين : نتناول في الأول مفهوم كل من الشهر و العقد التوثيقي وفي القسم الثاني نحدد بدقة إخضاع هذه العقود للشهر ( أي شروط شهرها وما يترتب عن ذلك من آثار ) وهو ما سنبينه بشيء من التفصيل في المبحثين التاليين :


المبحث الأول :مفهوم العقد التوثيقي المشهر

نجد أن مصطلح عقد توثيقي مشهر ينطوي على نوع من الغموض لكونه مركب من عبارتين عقد توثيقي و مشهر، وحتى تتضح الصورة في الأذهان وقبل التطرق إلى العقد التوثيقي المشهر في جوانب معينة – موضوع البحث وحتى نلم بالمفهوم كاملا- نرى أنه من الضروري و بهدف استيعاب مفهوم العقد التوثيقي المشهر، أن نعرّج أولا على نظام الشهر و تحديد المقصود منه ثم في خطوة ثانية تحديد مفهوم العقد التوثيقي وذلك في المطلبين التاليين:

المطلب الأول: مفهـــوم الشهـــر
إن الشهر العقاري يعد إجراء ضروريا استلزمته الحياة العصرية لتأمين المعاملات العقارية والقروض الممنوحة للتعامل في العقارات، فمن يريد التعامل في عقار ما يتعين عليه معرفة ما يثقله من حقوق حتى يكون على دراية من أمره، وبذلك لا يقدم على التعامل فيه إلاّ بعد التأكد من حالته، اعتمادا على قيده.
و عليه يمكن تعريف القيد على أنه مجموع إجراءات و قواعد قانونية و تقنية هدفها إعلام الكافة بجميع التصرفات القانونية المنصبة على العقارات سواء كانت كاشفة، منشئة، ناقلة، معدلة أو منهية لحق عيني عقاري أصلي أو تبعي بغض النظر عن نوع التصرف عقدا كان أو حكما أو قرارا إداريا, وسواء كان مصدرا الحق تصرفا قانونيا أو واقعة مادية(1)، ويمتد القيد في بعض الأحيان حتى لبعض الالتزامات الشخصية كالإيجارات طويلة الأمد و المخالصات و الحوالات، وحتى بعض الدعاوى والإجراءات كالحجوز التي تهدد المراكز القانونية لأصحاب الحقوق المشهرة ونظرا لأهمية الشهر العقاري، سنبين مختلف أنظمة الشهر المعمول بها .
إذ إن جلّ التشريعات أخذت بنظام الشهر العقاري، غير أنها اختلفت فيما بينها حول نوع النظام، فهناك من انتهجت نظام الشهر الشخصي و أخرى انتهجت أسلوب الشهر العيني، وكلا النظامين عرفتهما و أخذت بهما الجزائر على مراحل، وهو ما سنوضحه بدقة فيما يلي:

(1)أ.ليلى رزقي، التصرفات القانونية الواجبة الشهر و الآثار المترتبة عن القيد، مجلة الموثق لسنة 1998 العدد 5، ص 13.

الفرع الأول: نظام الشهر الشخصي
إن نظام الشهر الشخصي هو نظام يتخذ من أسماء المتصرفين محورا وأساسا ترتكز عليه عمليات القيد في السجلات. إذ في هذا النظام يتم شهر التصرفات العقارية طبقا لأسماء الأشخاص في سجلات شخصية، أي مرتبة طبقا لأسماء الأشخاص لا طبقا لمواقع العقارات(1). ففي هذا النظام ينشأ سجل عام أو سجلات يرصد بها كل تصرف ينشئ حقا عينيا عقاريا، فصاحب المصلحة لا يعرف من سجلاته إلاّ الشخص الذي تصرف في العقار، غير أن هذه المعرفة لا تفيد حتما معرفة كل ما وقع على العقار من تصرفات فقد يتصرف المالك الحقيقي في العقار فيسجل التصرف تحت إسمه ثم يتصرف المالك غير الحقيقي فيسجل التصرف باسمه أيضا، وبذلك يكون التصرفان متفرقين تحت اسمين مختلفين، وعليـه إذا أراد ذوي الشـأن معرفة ما إذا كان مالك معين قد تصرف في عقار بالبيع أو الرهن أو غيرهما أي الإطلاع على وضعية عقار ما، ما عليهم إلا اللجوء إلى المصلحة المكلفة بالشهر و التي يقع العقار في دائرة اختصاصها ويقدم اسم المالك الأصلي حتى يعرف إن كان العقار لا يزال ملكا لصاحبه و خاليا من الحقوق أم أنه حصل التصرف فيه أو تحميله برهن أو امتياز أو بأي حق عيني، إذ في هذا النظام يعد الشخص محل اعتبار، إذ يعتمد في إعلان التصرفات على أسماء القائمين بها(2).
والتصرفات التي تشهر في هذا النظام لا يتحرى عادة عن صحتها بل تشهر كما هي، فإن كانت صحيحة ظلّت كذلك، وإن كانت معيبة لسبب من أسباب البطلان أو كانت مزورة بقيت كذلك، فالشهر في هذا النظام طريقة للعلانية فقط وليس سببا لانتقال الملكية أو الحقوق العينية العقارية(3)، فهو بذلك يجب أن يستند إلى عقد صحيح لا تشوبه شائبة، أما إذا ورد على عقد باطل أو تقرر بطلانه فإنه لا يكسب المتصرف إليه حقا، لأن الشهر لا يظهر عيوب العقد، فيمكن بذلك استصدار حكم ببطلان العقد المشهر(4).
ويعاب على هذا النظام أنه لا يعطي المتصرف إليه ضمانا بثبوت الحق المتصرف فيه إليه بصفة نهائية، بل يعرضه للمنازعة فيه في أي وقت وللحكم بزوال هذا الحق، وبالتالي لا يعطي راغبي التعامل مع المتصرف إليه تأكيدا بأنه حقيقة صاحب موضوع التصرف المشهر لصالحه(5)، غير أن هذا لا يعني أن سند الشهر ليست له قيمة، إذ أنه قد يؤدي إلى إضافة تصرفات شخص إلى شخص آخر، لهذا يمكن القول أن هذا النظام يساهم في وجود حالات بيع ملك للغير، لذلك يتضح أن بيانات الشهر الشخصي لا توفر الحمايـة لأنها

(1)المستشار معوض عبد التواب، السجل العيني علما و عملا، دار الفكر العربي، طبعة 1988، ص 13.
(2)أ.ليلى زروقي، نظام الشهر وإجراءاته في القانون الجزائري، مجلة مجلس الدولة، لسنة 2002،عدد 2، ص62.
(3)مدحت محمد الحسيني، إجراءات الشهر العقاري، دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية، سنة 1992،ص ---
(4)عبد الحميد الشواربي، إجراءات الشهر العقاري في ضوء القضاء و الفقه، منشأة المعارف الاسكندرية سنة1993، ص 4.
(5)د. عبد الحميد الشواربي، المرجع السابق، ص 4.

تتعلق بشهر التصرفات كما هي بما يلحقها من عيوب فهو لا يصحح عقود باطلة ولا يكمل العقود الناقصة(1)، فالموظف المكلف بالشهر في هذا النظام يلعب دورا سلبيا وليس له صلاحيات تفحص العيوب العالقة بالاجراء أو التصرف، ويمكن لكل ذوي مصلحة الاعتراض على التصرف و طلب إبطاله رغم شهره، وعليه يبقى مكتسب الحق مهددا إذا كان الشخص الذي تنازل له تصرفه معيبا، أو باع له ملك الغير فلا يحول الشهر دون رفع دعوى الاسترداد ممن اكتسب التقادم مثلا، ذلك أن شهر التصرف الناقل للملكية لا يضيف شيئا للحق ذاته، فينتقل هذا الأخير بالعيوب العالقة به، وليس للشهر أثر مطهر ولا قوة ثبوتية(2).
كما أن البحث في السجلات عن حالة عقار معين يقتضي من المعني أن يكون متحققا من المالك الحقيقي لهذا العقار و عارفا اسمه و اسم أبيه و جده و أسماء المالكين السابقين له الذين تداولوا على هذا العقار، وهذا ما يتعذر الوصول إليه عادة كونها مهمة طويلة و شاقة.
ومما لا شك فيه أن هذه الجوانب السلبية تعيب نظام الشهر الشخصي و تزيد من حالات التصرف في ملك الغير، فهو كما سبق القول يعد وسيلة لإعلام الغير بهذا التصرف لتمكينه من استعمال حقه في المعارضة إلى جانب أنه قرينة على الملكية حتى إثبات العكس، ويمكن السلطات العامة من فرض الضريبة العقارية على المعاملات.

الفرع الثاني : نظام الشهر العيني
و هو المعروف باسم نظام السجل العيني أو العقاري، فلا يكون الشهر فيها على أساس أسماء الأشخاص الصادرة منهم التصرفات بل على أساس العقارات ذاتها أي العقار محل التصرف وفيه يمسك سجل خاص لدى مصلحة الشهر تخصص فيه صفحة أو أكثر خاصة بكل عقار يثبت فيها كل التصرفات التي ترد عليه مع تحديد موقعه، مساحته، رقمه و حدوده، إذ بمجرد الاطلاع على هذه الصفحة يمكن معرفة تاريخ ملكية هذا العقار و الملاك الذين تعاقبوا عليه منذ إنشاء السجل و التصرفات التي صدرت من كل منهم ومن المالك الأخير وما إذا كانت ملكيته تامة و خالية من الحقوق العينية، فهي بمثابة بطاقة تعريفه يسمى هذا السجل في التشريع الجزائري « مجموعة البطاقات العقارية» إذ تعرف بالحقوق و الالتزامات و الارتفاقات التي تثقل العقار، فالأشخاص الذين يقومون بالتصرفات لا أهمية كبرى لهم.
ولقد ظهر هذا النظام في أستراليا و عرف باسم مبتكرة « سيروبارتورانس» عكس ما هو عليه بالنظام الشخصي، فإن العقود الواجبة الشهر في هذا النظام تخضع إلى إجراءات دقيقة و محددة إلى جانب تفحص الوثائق المقدمة للشهر من طرف الموظف المكلف به إذ خول صلاحية فحص صحة التصرفات التي

(1)د. معوض عبد التواب، المرجع السابق، ص 137.
(2)أ. ليلى زروقي، ( نظام الشهر وإجراءاته في القانون الجزائري)، ص 63.
تقدم للشهر و قبولها أو رفضها، بحيث إذا قبلها و تم شهرها فإن الشهر ذاته يعتبر سند الحق المشهر، فلا يتأثر هذا الحق بعد ذلك بالطعن في صحة العقد الذي تم شهره(1).
ويحكم هذا النظام مجموعة من المبادئ تجعله يتميز بما يلي:
-اعتبار البيانات الواردة في السجل العقاري تعبيرا للحقيقة و إكساب الحقوق المشهرة الحجية المطلقة إذ أن المشرع الجزائري أقر مشروعية الشهر بالنسبة للقيد الأول وكذلك بالنسبة للتسجيلات اللاحقة أي القيود التالية و يظل هذا الافتراض قائما حتى يرد قيد جديد لتصرف جديد أو ببطلان أو فسخ التصرف المشهر أو بقيد دعوى طعن في التصرف المشهر بالبطلان، يفترض أن القيد الجديد أيضا مشروعا حتى يرد ما يغيره(2)، فكل من يتلقى حق على أساس ما هو مقيد في السجل العقاري، يعتبر أنه أقام حقه على أساس مشروع، لهذا على المحافظ العقاري أن يتحقق من كل التصرفات المراد شهرها بدقة.

2-مبدأ القوة الثبوتية، أي أن التصرفات التي تقيد في ظل هذا النظام هي قرينة قاطعة على الملكية بالنسبة للعقار أو للحق العيني العقاري موضوع الشهر و يصبح التصرف سليما خاليا من العيوب مهما كان مصدرها، ويعتبر الحق المقيد موجودا بالنسبة للكافة، وعليه لا يمكن الطعن فيه لا بدعوى البطلان ولا بدعوى الاسترداد ويكون المتصرف في مأمن من المنازعات(3).

3-يعتبر القيد أو الشهر مصدر الحقوق العينية العقارية، فهو الذي ينشئها ويعد لها أو يزيلها فكل حق غير مقيد لا وجود له لا بين الأطراف ولا في مواجهة الغير، وكل حق مقيد هو حجة على الكافة، ولا يمكن لأحد أن يحتج بملكيته لحق عيني لم يشهر مسبقا.

4-عدم سريان التقادم في حق المالك المقيد في السجل العيني، وذلك لتعارضه مع مبدأ القوة الثبوتية المطلقة، كون الحيازة هي قرينة على الملكية و الملكية ثابتة بالقيد في هذا النظام.
وأهم ميزات هذا النظام تبقى حمايته للمتعاقدين في التصرفات المنصبة على العقارات، لأن كل حق مقيد يتمتع بحصانة تامة وكل تصرف قبل قيده يخضع لرقابة المكلف بالشهر –كما سبق بيانه-.
ورغم هذه المميزات إلا أن هذا النظام يقتضي مسح عقارات البلد و تحديد موقع كل منها و مساحته و بيان حدوده و تعيين مالكه تمهيدا لإعطاء كل منها رقما خاصا و تخصيص إحدى صفحات السجل له، وهذا العمل يقتضي وقتا طويلا و نفقات باهضة إلى جانب رجال متخصصين في عمليات المسح، كما يعاب عليه أيضا أنه يتسبب في إهدار الحقوق ويمكن أن يكون وسيلة اغتصاب خاصة بالنسبة للقيد الأول بعد المسح بالنسبة للأراضي التي لم تكن لها عقود.
وبعد تعريف كل من النظامي الشهر الشخصي و العيني، نحدد الأسلوب الذي اتخذه المشرع فيما يلي:


(1)د/عبد الحميد الشواري، المرجع السابق، ص 5.
(2) أمين بركات سعود، آثار القيد في السجلات العينية ( دراسة مقارنة) المجلة القضائية لسنة 1995، العدد 2، ص 58.
(3)أ.ليلى زروقي، نظام الشهر وإجراءاته في القانون الجزائري، ص 63.

الفرع الثالث : النظام المعتمد في الجزائر
لقد عرفت الجزائر أثناء فترة الإحتلال نظام الشهر الشخصي و استمرت في ذلك بعد الاستقلال، حيث كانت الوثائق الموجودة بمحافظة الرهون العقارية تتميز بنقائص راجعة لعدم وضوح تعيين الأملاك في العقود المشهرة، إذ لم ينص القانون آنذاك على إلزام جميع الملاك بإشهار حقوقهم العينية، وأمام عدم وجود نظام عام لمسح الأراضي لم تشمل المخططات الجزائية والوثائق الأصلية المحفوظة لدى مصالح مسح الأراضي وأملاك الدولة كل القطر الجزائري، وكان التعاقد في تلك الفترة يعتمد على التراضي فلا يشترط فيه الرسمية و يكفي فيه الشكل العرفي، لكن بدأت تظهر بوادر التغيير بعد صدور قانون التوثيق سنة 1970 و قانون الثورة الزراعية سنة 1971، والمرسوم المتعلق بإثبـات الملكيـة الخاصة سنة 1973 والقانون المدني في 1975 ثم الأمر 74/75 المؤرخ في 12/11/1975 المتضمن إعداد المسح العام للأراضي و تأسيس السجل العقاري، إذ بموجب المادتين 15 و 16 منه أخضع المشرع الجزائري جميع الحقوق العينية العقارية لإلزامية الشهر مهما اختلفت طبيعتها، كما صدر القانون 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المتضمن قانون التوجيه العقاري للتأكيد على الاتجاه الجديد لنظام الشهر في الجزائر وذلك تطبيقا لدستور 1989، فبدأ تطبيق نظام الشهر العيني تدريجيا بتقدم عمليات المسح نظرا للعلاقة الوثيقة بينهما، وهذا لتطهير نظام الملكية في الجزائر و تحقيق الائتمان في المعاملات في ظل التحولات الاقتصادية التي تعرفها البلاد.
وأوكلت مهمة الشهر للمحافظ العقاري الذي يعمل على تجسيد و ترتيب آثار الحق المشهر ومع ذلك فإن عمليات المسح العقاري و بعد قرابة الثلاثين سنة من إصدار الأمر 75/74 فإنها لم تشمل سوى 761 بلدية من مجموع 1541 بلدية منتشرة عبر كافة التراب الوطني(1)، كما أن الدفاتر العقارية لم تسلم إلا في حدود 334 بلدية، وهذا ما يجعل من مشروع مسح الأراضي مهدد سبب عدم متابعة الأشغال من قبل البلديات و مصالح الحفظ العقاري.
بعد تحديدنا للمقصود بالشهر و نظامية المتميزين سنحدد مفهوم العقود التوثيقية محل الشهر.

(1)حمدي باشا ، القضاء العقاري في ضوء أحدث القرارات الصادرة عن مجلس الدولة و المحكمة العليا، دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع، الجزائر، طبعة 2002، ص14.

المطلب الثاني : مفهوم العقد التوثيقي
يقصد بها تلك العقود التي تصدر عن الموثق بصفته ضابطا عموميا(1)، تتضمن تصرفا معينا، وهي نوعان : تعاقدية و تصريحية(2).
التعاقدية : تلك التي تنطوي على تقابل إرادتين تنصب على نقل الملكية، أما التصريحية: فهي تلك التي تثبت أو تقر بالملكية، وأفضل مثال عليها هو عقد الشهرة الذي سنتناوله على سبيل المثال نظرا لما يثيره من إشكاليات و نزاعات تثار بصدده، وسنتناول هذين النوعين فيما يلي:

الفرع الأول : العقد الناقل للملكية بارادتين (التعاقدي)
هو العقد الذي يصب فيه المتعاقدون إرادتهم المعبر عنها بشريعة المتعاقدين، ويتم بتوافق الإيجاب والقبول، وكل ما يفيد الرضا سواء الكتابة أو الإشارة ثم تدعيم ذلك بالتوقيع على العقد(3).
يشترط في العقد التوثيقي الناقل للملكية العقارية ما يلي:
-أن يكون العقد محررا أمام الموثق، وهذا حتى تكون له الصبغة الرسمية وفقا لما عبرت عنه المادة 324 ق.م، التي تنص على أن :« العقد الرسمي عقد يثبت فيه موظف عمومي، أو ضابط عمومي أو مكلف بخدمة عامة ما تم لديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن، وذلك طبقا للأشكال القانونية وفي حدود سلطته و اختصاصه». والعقد التوثيقي تسميته تبين أنه يتم و يحرر أمام ضابط عمومي هو الموثق الذي يجب أن يكون مختصا إقليميا، أي الموثق الذي يمارس مهامه في مكان تحرير العقد، مع مراعاته الشروط و الشكليات المقررة قانونا، وبالتالي فالموثق المعزول أو الموقوف أو الممنوع مؤقتا عن العمل إذا حرر عقدا يقع باطلا من حيث انعدام الرسمية، لكن يمكن اعتباره عقدا عرفيا إذا ما كان ممضيا من جميع الأطراف(4).
كما يشترط في العقد أن يجسد اتفاق طرفين، أي يعتبره عن تطابق الإيجاب و القبول حول جمع المسائل الجوهرية في العقد، ويشترط فيه أهلية الطرفين أي بلوغهما سن الرشد المدني أي 19 سنة وعدم الحجر عليهما طبقا للمادة 40 ق.م.

(1)المادة 5 من القانون رقم 88/27 المؤرخ في 12/07/1988 المتضمن قانون التوثيق.
(2)لمزيد من الإيضاح أنظر مقال الأستاذ سباغ محمد، التوثيق و العقود الرسمية، مجلة الموثق لسنة 1998، العدد 5 ص 21.
(3)عبيد الله مسعود، عدل الموثق و حجية العقد التوثيقي، مجلة الموثق لسنة 1999، العدد 6، ص 33.
(4)سباغ محمد، المرجع السابق، ص 20.

- يجب أن يحدد في العقد العقار-محل التعاقد-تحديدا نافيا للجهالة من خلال تبيان موقعه، رقمه، مساحته، … مع تحديد أصل الملكية ببيان أسماء المالكين السابقين، وعند الإمكان صفة و تاريخ التحويلات المتتالية لتفادي التصرف في ملك الغير(1).
مع ضرورة معاينة الموثق للمبلغ المسدد، و الذي نص قانون المالية لسنة 1998 على جعله يمثل خمس 1/5 ثمن نقل الملكية الواجب دفعه لزوما بين يدي الموثق.
كما يستوجب مراعاة الإجراءات الشكلية المنصوص عليها في المادة 324 مكرر 2 ق.م من توقيع الأطراف و الشهود وكذا توقيع الموثق المحرر للعقد.
من خلال ما سبق يتضح أن المشرع قد نص على ما يجب أن يتضمنه العقد التوثيقي من معلومات تتعلق بالأطراف المتعاقدة، وعلى الشكلية و الشروط الواجبة الإتباع في تحرير العقد و التزام الموثق بضرورة احترامها(2).

- وفي جميع الحالات تحرر العقود باللغة العربية في نص واحد تسهل قراءته بدون اختصار أو بياض أو نقص أو كتابة بين الأسطر، و تكتب المبالغ و السنة و الشهر ويوم التوقيع على العقد بالحروف و تكتب التواريخ الأخرى بالأرقام ويصادق على الإحالات في الهامش أو أسفل الصفحات على عدد الكلمات المشطوبة في العقد بالتوقيع بالأحرف من قبل كل الأطراف و الشهود و الموثق ما لم ينص التشريع على خلاف ذلك، ويجب أن يبين في العقود إضافة إلى سبق توضيحه:
-إسم ولقب الموثق الذي يحررها و مكان و مقر إقامته.
-إسم ولقب وصفة و مسكن و تاريخ ولادة الأطراف.
-إسم ولقب وصفة و مسكن الشهود.
-إسم ولقب و مسكن المترجم أن اقتضى الأمر ذلك.
-المحل و السنة و الشهر واليوم الذي أبرمت فيه العقود.
-وكالات المتعاقدين المصادق عليها من قبل الأطراف المعنية –إن وجدت-
-قراءة الموثق للفصول المتعلقة بالضرائب و التشريع الخاص المعمول به.
إضافة إلى جواز كتابة الإحالات في الهامش أو في أسفل العقد ويوقعها الأطراف والشهود والموثق بالأحرف الأولى.
كما نصت المادة 19 من قانون التوثيق على أنه « لا يقبل ضمن العقد أي تحرير أو كتابة بين السطور أو إضافة كلمات».
تعتبر الكلمات المحررة أو المكتوبة بين السطور أو المضافة باطلة .


(1)حمدي باشا عمر ، نقل الملكية العقارية في ضوء أحدث التعديلات و أحدث الأحكام، دار الهومة، طبعة 2002، ص 109.
(2)نصت المادة 18 من قانون التوثيق 88/27 على أنه « لا تكون العقود الأصلية أو التي لا يحتفظ بأصلها تحت مسؤولية الموثق سواء كانت محررة باليد أو بالآلة الكاتبة و مطبوعة أو مستنسخة بالوسائل و الأجهزة المناسبة».

«وفضلا عن ذلك فإن الكلمات المشطوبة تكون بشكل لا يتنازع في عددها ويصادق عليها في آخر العقد»
وتجدر الإشارة إلى أن الفقرة الثانية من المادة 19 رتبت البطلان لعدم احترام الفقرة الأولى من نفس المادة، في حين نجد أن المشرع سكت عن جزاء عدم احترام الموثق لأحكام المادة 18، ومنه يثور التساؤل حول الوضع القانوني للعقد التوثيقي المخالف للشكل الذي يشترطه القانون؟.
وبعد الانتهاء من تحرير العقد و توقيعه من قبل الأطراف المتعاقدة والموثق والشهود والمترجم إن وجد، يحتفظ بالعقد الأصلي ضمن أصول المكتب، وفي حالة توقيع الأطراف على العقد وفقا لما يقتضيه القانون ثم تراجعوا لاحقا، فإنه لا يمكن تعديل بنود العقد إلاّ بموافقة الأطراف أنفسهم بموجب اتفاق آخر.
كما يعمل الموثق على تسجيل العقد لدى مصلحة الطابع والتسجيل التابع لها مكتب التوثيق إقليميا، مع إلزام قانون الطابع والتسجيل الموثق بتسجيله جميع العقود في أجل لا يتجاوز الشهر من يوم تحريره، وفي حالة تأخره يتعرض لعقوبات جبائية، إضافة إلى قيامه بشهر العقود كونها تنصب على عقارات وذلك حتى ترتب أثرها القانوني. و يبقى الموثق مسؤولا عن مستندات زبائنه ووثائقهم ويسأل عن كل تلف أو ضياع لها، إذ أنه ملزم بحفظ أصل كل عقد يحرره أو أي مستند يستلمه للإيداع ضمن أصوله، وكذا مسؤوليته عن الوثائق المقدمة له من زبائنه بالإضافة إلى مختلف العقود التي يحررها والتي حددها القانون(1).
وإن كل هذه الشروط والشكليات الصارمة أدت بالقانون المدني إلى إعطاء العقد الرسمي قوة ومرتبة عالية في الإثبات، ولا يقتصر على نظام التوثيق الجزائري فحسب بل هو معمول به في جميع أنظمة التوثيق اللاتينية، ومن ثمة فإن صفة و مهمة الموثق هي التي تعطي للعقد صفته الرسمية(2).
إذ يعتبر العقد التوثيقي نافذا في كامل التراب الوطني، يتمتع بقوة ثبوتية و حجية مطلقة بالنسبة لأطرافه و للغير، فالعقد التوثيقي حجة لمحتوى الاتفاق المبرم بين الأطراف المتعاقدة وورثتهم وذوي الشأن طبقا لأحكام المادتين 324 مكرر 5 و 324 مكرر6، غير أنه يجب التفرقة بين ما يعاينه الموثق بنفسه و يحرره إذ يعتبر حجة قاطعة، وبين تصريحات الأطراف التي يتلقاها دون معاينة، إذ لا تكون إلا بداية إثبات لا غير وبذلك يجوز إثبات عكسها(3).

الفرع الثاني : العقد المصرح بالملكية (عقد الشهرة)
لقد خوّل المرسوم 83/352 المؤرخ في 21/05/1983 الذي يبين إجراء إثبات التقادم المكسب وإعداد عقد الشهرة المتضمن الاعتراف بالملكية للموثق صلاحية تحرير عقد الشهرة، الذي يعد من أهم وسائل إثبات الملكية العقارية، إذ أفرد المشرع إجراءات قانونية خاصة لاثبات ذلك، حيث أجاز لكل شخص يحوز في إقليم كل بلدية عقار لم تشمله عملية مسح الأراضي العام و تأسيس السجل العقاري المحدث بموجب

(1)أنظر المادة 60 من القانون رقم 88/27 المؤرخ في 12/07/1988 المتضمن قانون التوثيق.
(2)أنظر مقال (لم يشر إلى مؤلفه) بعنوان علاقة القضاء بالتوثيق، مجلة الموثق لسنة 1999، العدد 06، ص 31.
(1)أنظر مقال الأستاذ سباغ محمد، المرجع السابق، ص20.

الأمر رقم 75/74، وكانت حيازته هادئة و علنية و مستمرة غير مشوبة بلبس طبقا لأحكام الحيازة الواردة بنص المادة 827 وما يليها من القانون المدني وفقا لنص المادة الأولى من المرسوم المذكور أعلاه، أن يطلب تحرير عقد الشهرة.
وعليه يقدم الطلب من المعني إلى الموثق المختص إقليميا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الموثق أصبح بعد صدور قانون التوثيق الجديد 88/27 له اختصاص شامل على مستوى كامل التراب الوطني، إلاّ أن المؤكد أن المادتين 1 و 2 من المرسوم 83/352 حددت الاختصاص المحلي بنصها على أن المواطن المعني يتجه مباشرة إلى الموثق المسؤول عن مكتب التوثيق المختص إقليما(1)، ونرى أن نص المادتين 1 و2 هو المطبق عمليا ذلك أن الموثق الذي يقع بدائرة اختصاصه العقار –محل طلب عقد الشهرة- هو المختص دون غيره.

وعلى الطالب المعني أن يرفق طلبه بمجموعة من الوثائق التي تبين طبيعة العقار محل الحيازة، موقعه و مشتملاته و مساحته، أي مخطط الملكية المعد من طرف شخص معتمد كخبير عقاري، مهندس معماري، خبير في القياس، أو مكتب دراسات… إضافة إلى تصريح شرفي بأن الحائز يمارس على العقار حيازة تطابق أحكام المادة 827 وما يليها من القانون المدني.

ويجب التفرقة في هذه الحالة بين الحائز الذي يمارس حيازته طبقا للقانون المدني القديم (المادة 2262 ق.م فرنسي)، إذ لا يجوز للموثق إعداد عقد شهرة على أساس أنه يجوز العقار وفقا للمادة 827 ق.م، بل يبقى خاضعا في حساب مدة التقادم إلى قانون وضع اليد أي القانـون المدنـي الفرنسي المحـددة بثلاثين سنـة، وهذا عملا بأحكام المادة 7 ق.م التي تنص على أن تطبق النصوص الجديدة المتعلقة بالاجراءات حالا، غير أن النصوص القديمة هي التي تسري على المسائل الخاصة ببدء التقادم ووقفه وانقطاعه فيما يخص المدة السابقة على العمل بالنصوص الجديدة، وبذلك يكون المشرع قد فرّق بين التقادم الذي يبدأ في ظل القانون المدني القديم إذ ينقضي طبقا للمدة المحددة فيه، أما التقادم الذي يبدأ بعد سريان القانون الجديد فهو يخضع للأثر الفوري للقانون الجديد.

وبعد استكمال الملف و تحقق الموثق من أن الملف المقدم له مستوف للشروط المقررة قانونا، فإنه يطلب رأي كل من رئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية مكان تواجد العقار محل الطلب، ومدير أملاك الدولة، وذلك بغرض تحديد ومعرفة الوضعية القانونية للعقار وفقا لما أقرته المادة الثالثة من المرسوم السالف ذكره، هذين الأخيرين اللذين يتعين عليهما تقديم ملاحظاتهما ورأيهما في ظرف أربعة أشهر من تاريخ تلقي الملف.
وبعدها يقوم الموثق بتعليق طلب إعداد عقد الشهرة في مقر البلدية و نشره في إحدى الصحف الوطنية و الجهويـة على نفقة المعني، وهذا قصـد إثارة الاعتراضـات المحتملة التي قد يتلقاها الموثـق، ومن ثمة

(1)حمدي باشا عمر، عقد الشهرة، مجلة الموثق، سنة 2001، العدد 4، ص 38.

يوجه الأطراف إلى الجهة القضائية المختصة لحل النزاع-وهو ما سنوضحه بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من المذكرة- وعند نهاية الأجل المقرر قانونا للاعتراضات، يحرر الموثق عقد الشهرة المتضمن الاعتراف بالملكية باسم الطالب، ثم يقوم بشهره لدى المحافظة العقارية، بعد أن يكون قد سجله-طبعا- لدى مصلحة الطابع و التسجيل.
بعد تحديدنا لمفهوم كل من الشهر و العقد التوثيقي، سنتطرق فيما يلي إلى التزاوج بين المفهومين، بمعنى آخر إخضاع العقد التوثيقي للشهر وذلك في المبحث الموالي.

المبحث الثاني : إخضاع العقد التوثيقي للشهر
حتى يكون العقد التوثيقي أو أي عقد آخر محلا للشهر يجب أن تتوفر فيه شروط معينة، وبعد ذلك يتم إشهاره مما يرتب عنه آثارا معنية، سنبينها فيما يلي :

المطلب الأول : شروط إخضاع العقد التوثيق للشهر
يشترط في العقد التوثيقي حتى يتسنى قبول إشهاره على مستوى المحافظة العقارية أن يتوافر على صفة الرسمية وعلى قاعدة الشهر المسبق أو ما يعرف بالأثر النسبي للشهر.

الفرع الأول : قاعـدة الرسميــة
القاعدة العامة في التعاقد طبقا للقانون الجزائري الرضائية، والعقد الرضائي هو الذي ينعقد بمجرد تبادل التراضي بين المتعاقدين دون حاجة إلى شكل معين، فيكفي تطابق الإرادتين لإنشاء العقد(1)، غير أنه استثناء من الأصل يكون العقد شكليا إذا كان الشكل ركنا لانعقاد العقد كما في عقود البيع المنصبة على العقارات، وعقود بيع القاعدة التجارية…


(1)المادة 59 من الأمر 75/58 المؤرخ في 26/09/75 المتضمن القانون المدني تنص:«يتم العقد بمجرد تبادل الطرفان إرادتهما المتطابقتين دون الإخلال بالنصوص القانونية».

فهذه التصرفات أوجب المشرع إفراغها في قالب رسمي، و العقد الوارد على العقار لا يرتب أي أثر حتى فيما بين المتعاقدين إلا من تاريخ شهره بالمحافظة العقارية، فكل عقد محل إشهار يجب أن يقدم على الشكل الرسمي(1) طبقا للمادة 61 من المرسوم الفرنسي 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المعدل و المتمم المتعلق بتأسيس السجل العقاري، والتي تقابلها المادة 29 من المرسوم الفرنسي 04/01/1955(2).
ويقصد بالشكلية توثيق العقد، وذلك بأن يتقدم أطرافه أمام مكتب التوثيق لافراغ عقدهم في قالب رسمي أو أمام جهة أخرى منحها القانون صلاحيات تحرير العقود و منحها الطابع الرسمي كمدير أملاك الدولة باعتباره موثق الدولة، وتعتبر الرسمية بذلك ركن جوهري في التعاقد يترتب عن تخلفه البطلان المطلق للعقد، وهو ما تشير إليه المادة 324 فقرة 1 من القانون المدني بقولها:«زيادة على العقود التي يأمر القانون بإخضاعها إلى شكل رسمي، يجب تحت طائلة البطلان تحرير العقود التي تتضمن نقل ملكية عقار أو حقوق عقارية … في شكل رسمي ».
وقد أكد المشرع على ضرورة توافر قاعدة الرسمية في كل عقد من شأنه نقل أو تعديل أو إنشاء أو تصريح حق من الحقوق العينية العقارية وعلى كل ما يرد على الملكية العقارية من تصرف، وذلك عن طريق إثبات هذه التصرفات في عقد (محرر) يحرره موظف أو ضابط عمومي أو شخص مكلف بخدمة عامة، وتبعا لذلك تكون الأحكام والقرارات القضائية سندات رسمية، والأمر كذلك بالنسبة للعقود التي يحررها مدراء أملاك الدولة الذين لهم صلاحية بيع أو تأجير أو التنازل عن الأملاك الوطنية الخاصة طبقا لأحكام القانون 90/30 وأحكام المرسوم التنفيذي رقم 91/454(3).
يعتبر العقد التوثيقي المشهر-محل دراستنا- عقدا رسميا كونه محرر أمام موثق وبالتالي منحه القانون هذه الصيغة الرسمية، وبالتالي فشرط الرسمية متوافر فيه مما يجعله محلا لعملية الإشهار حسبما تقتضيه المادة 61 من المرسوم 76/63 المذكورة أعلاه.
واشتراط إخضاع العقود التي تكون موضوع شهر إلى قاعدة الرسمية له أهمية من الناحية العملية، ذلك أنه يعد حماية للأطراف المتعاقدة وذلك بتنبيههم لخطورة تصرفهم، كما أن تدخل الموثق في تحريره للعقد يزيد من مصداقية العقد و شرعيته مما يمنحه الحجية الكاملة، إضافة إلى أن إفراغ التصرف بين يدي الموثق يؤدي إلى احترام الشروط القانونية المطلوبة الخاصة بتحديد أطراف العقد بدقة و تحديد العقار بصفة نافية للجهالة –كما سبق بيانه في تعريفنا للعقد التوثيقي- وبذلك يسهل من مهام المحافظ العقاري الذي تناط به مراقبته لهذه الشروط.


(1)أنظر مقال الأستاذ: محمود بوركي، التوثيق والإشهار العقاري، مجلة الموثق، سنة 1998، العدد 6،ص 28.
(2)-Philippe simler , Philippe Delebecque, Droit civil, les sûretés la publicité foncière, 2eme édition, Dalloz, p614.
(3)أنظر المواد89 – 90 – 91 - 101 من القانون 90/30 المؤرخ في 01/12/1990 المتضمن قانون الأملاك الوطنية، وكذا المواد 17، 22، 58 من المرسوم 91/454 المؤرخ في 23/11/1991 المحدد لشروط إدارة الأملاك الخاصة التابعة للدولة وتسييرها ويضبط كيفيات ذلك.

وإن كانت هذه هي الحكمة والفائدة العملية من اشتراط الرسمية لإخضاع العقد أو المحرر للإشهار، إلا أنه مع ذلك قد يخطئ المحافظ العقاري في مراقبته و تحرياته مما يؤدي إلى التشكيك في صحة إجراءات الشهر، مثلما سيأتي توضيحه لاحقا.

الفرع الثاني : قاعدة الشهر المسبق (الأثر النسبي للشهر)
إن المشرع الجزائري قيّد عملية الشهر العقاري بقاعدة الشهر المسبق أو الأثر النسبي للشهر، وذلك بغرض ضمان فكرة الائتمان العقاري، وبمقتضى هذه القاعدة لا يستطيع المحافظ العقاري إجراء شهر أي تصرف وارد على عقار ما لم يكن هناك شهر مسبق للعقد (المحرر) الذي على أساسه تم التصرف في العقار.
وهذا الشرط أقرته المادة 88 من المرسوم 76/63 بنصها على أنه « لا يمكن القيام بأي إجراء للإشهار في المحافظة العقارية في حالة عدم وجود إشهار مسبق أو مقارن للعقد أو القرار القضائي أو شهادة الانتقال عن طريق الوفاة، يثبت حق المتصرف أو صاحب الحق الأخير».
يتضح من هذه المادة فكرة تسلسل الملكية العقارية، بحيث تنتقل الملكية من المتصرف إلى المتصرف إليه بطريقة قانونية واضحة، يمكن عن طريقها معرفة جميع الملاك السابقين الذين تداولوا على ملكية هذا العقار، ومنه يمكن التصدي و تفادي ظاهرة التصرفات المزدوجة التي كثيرا ما تحدث في الحياة العملية(1).
واحتراما لهذه القاعدة منح المشرع المحافظ العقاري سلطة واسعة لمراقبة كل وثيقة أو عقد يكون محل إيداع على مستوى مصلحته، فإذا تبين له من خلال مراقبته للعقد أنه لم يكن محل شهر مسبق له أن يرفض قيدها طبقا لما قضت به الفقرة الأولى من المادة 101 ن المرسوم 76/63.

أما إذا قبل إيداع العقد و تبين له بعد ذلك أن مراجع الإشهار الأولى متناقضة مع مراجع الإشهار اللاحق، فله أيضا رفض إجراء الإشهار لضمان تسلسل الملكية العقارية.
وإن كانت هذه القاعدة شرط ضروري و إلزامي لشهر أي عقد كان إلا أن هذه القاعدة لا يمكن تطبيقها في جميع الحالات، ذلك أن المحافظ العقاري وإن كان يستطيع مقارنة العقود محل الشهر مع العقود التي سبق شهرها المحتفظ بنسخ منها لدى المحافظة العقارية، إلا أنه في بعض الأحيان يصعب الأمر، نظرا لكون الشهر قد يكون أول إجراء، أو في حالات تطلبتها عملية التحول من نظام الشهر الشخصي إلى نظام الشهر العيني(2). وهذا ما جعل المشرع يستثني صراحة حالتين لا يمكن فيهما الإعمال بقاعدة الأثر النسبي للشهر، ورد النص عليها بالمادة 89 من المرسوم 76/63 التي استثنت القاعدة المدرجة بالفقرة الأولى من المادة 88 المذكورة أعلاه في حالتين:


(1)عبد الحميد الشواربي، المرجع السابق، ص 53.
(2)أنظر مقال للأستاذ: رامول خالد، قاعدة الأثر النسبي، مجلة الموثق لسنة 2002، العدد 5، ص 23.
-عند الإجراء الأولى الخاص بشهر الحقوق العقارية في السجل العقاري والذي تم تطبيقا للمواد من 8 إلى 18 من المرسوم 76/63.
-عندما يكون حق المتصرف أو صاحب الحق الأخير ناتجا عن سند اكتسب تاريخا ثابتا قبل أول يناير 1971.
أولا: بالنسبة للإجراء الأول الخاص بشهر الحقوق العقارية في السجل العقاري:
بالرجوع إلى المواد من 8 إلى 17 من المرسوم 76/63 نجدها تنظم إيداع وثائق مسح الأراضي العام على مستوى المحافظة العقارية بعد الانتهاء من عملية المسح، ومما لا شك فيه أن هذه الوثائق المسلمة للمحافظ العقاري من طرف مصلحة مسح الأراضي مقابل محضر تسليم، تكون بغرض إشهارها بعد أن يعطي لكل عقار ممسوح رقما معينا و يخصص له بطاقة عقارية تشتمل على كافة بياناته على أساس وثائق مسح الأراضي، وبالتالي لا يمكن تصور اشتراط توافر قاعدة الشهر المسبق، ذلك أن الهدف من عملية المسح العام للأراضي في حد ذاتها إنما هو تأسيس السجل العقاري.والملاحظ أن تطبيق هذا الاستثناء في بعض الحالات، قد يضر بأصحاب الحقوق الغائبين أو الذين منعوا من التصرف أثناء إجراء المسح، وبحقوق الدولة العائدة على قطع الأراضي الممسوحة، وهذ ما دفع بالمشرع إلى وضع مدة قانونية تقدر بسنتين، قيّد من خلالها عملية الشهر و ما يترتب عليها من آثار والتي تمت استنادا إلى وثائق مسح الأراضي، حيث يبدأ سريانها من تاريخ تسليم محاضر وثائق مسح الأراضي لدى المحافظة العقارية.

ثانيا: بالنسبة للعقود العرفية الثابتة التاريخ قبل 01/01/1971
ويعتبر العقد ثابت التاريخ طبقا للمادة 328 من القانون المدني ابتداء من :
-يوم تسجيله.
-يوم ثبوت مضمونه في عقد آخر حرره موظف عام.
-يوم التأشير عليه على يد ضابط عام مختص.
-يوم وفاة أحد الذين لهم على العقد خط أو إمضاء.
ويرى البعض(1) أن هذا الاستثناء وضع لكي يحدد الإطار القانوني ويعطي الحجية اللازمة للعقود و الشهادات التوثيقية المحررة من قبل القضاة سابقا التي لم تكن خاضعة لعملية الشهر العقاري بشكل إلزامي، ويلحق بها العقود العرفية المسجلة بغية إعطائها تاريخا ثابتا، أما بالنسبة للعقود العرفية التي ليس لها تاريخ ثابت، فإنه لا يمكن إثبات حجيتها إلا عن طريق القضاء.
و تجدر الإشارة إلى أن المشرع لم يبين في هذه الحالة، ما إذا كان العقد العرفي الثابت التاريخ يحتاج إلى إجراء آخر لإخضاعه لعملية الإشهار العقاري أم أنه قابل للإشهار بحالته لا غير، لا سيما أن أحكام الشهر تشترط الرسمية-كما سبق بيانه في الفرع السابق - أي حتى يكون قابلا للشهر بالمحافظة العقارية يجب إفراغ العقد في قالب رسمي يحرره الموثق وبالتالي يصبح حجة على الغير بما تضمنه.

(1)أنظر رأي الأستاذ رامول خالد، المرجع السابق، ص 23.

وللشهر في هذه الحالة دور إعلامي فقط وليس مصدرا للحق العيني، لأن هذا الحق كان موجودا و قائما قبل تاريخ 01/01/1971 بموجب التصرف المبرم(1)، وبذلك فهو يرتب كافة آثاره في مواجهة الأطراف المتعاقدين، عكس العقود المبرمة بعد هذا التاريخ دون استيفاء شرط الرسمية-كما تقضي به المادة 61 من المرسوم 76/63 – فهي غير قابلة بذلك للشهر بالمحافظة العقارية، إذ أن التصرف يعد باطلا في حد ذاته وبالتالي لا يرتب أي أثر حتى فيما بين المتعاقدين.
علاوة على الاستثنائين الواردين بالمادة 89 المشار إليها آنفا، نجد أن هناك تشريعات عقارية متفرقة أوردت استثناءات أخرى على قاعدة الشهر المسبق، لعل أهمها ما يلي:
-إشهار عقد الشهرة المستحدث بموجب المرسوم 83/352 المؤرخ في 21/05/19823 الذي يبين إجراءات التقادم المكسب وإعداد عقد الشهر المتضمن الاعتراف بالملكية.
-إشهار شهادة الحيازة التي نص عليها المشرع بالمادتين 39 و 40 من القانون 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المعدل و المتمم المتضمن قانون التوجيه العقاري، والمحددة كيفيات إعدادها والحصول على هذا السند بالمرسوم التنفيذي 91/254 المؤرخ في 27/07/1991 المحدد لكيفيات إعداد شهادة الحيازة و تسليمها.
-إشهار عقود الملكية للأراضي المتنازل عليها في إطار عملية استطلاح الأراضي طبقا لنص المادة 1 من القانون رقم 83/18 المؤرخ في 18/08/1983 المتعلق بحيازة الملكية العقارية الفلاحية من حيث تحويل عقود الاستفادة إلى عقود ملكية في الأراضي الصحراوية.
-كذلك الاستثناء الذي جاء به المرسوم التنفيذي رقم 97/483 المؤرخ في 15/12/1997 المحدد لكيفيات منح حق امتياز قطع أرضية من الأملاك الوطنية الخاصة التابعة للدولة في المساحات الاستصلاحية و أعبائه و شروطه المعدل و المتمم بالمرسوم رقم 98/372 المؤرخ في 23/11/1998، وغيرها من الاستثناءات الواردة في نصوص متفرقة.
بعد تبيان شرطا إخضاع العقود إلى عملية الإشهار العقاري، سنتناول فيما يأتي بيانه أهم الآثار المترتبة عن هذا الشهر.

(1)المشرع الفرنسي هو الآخر أورد هذا الاستثناء على قاعدة الأثر النسبي للشهر وذلك في حالة مماثلة للحالة الثانية لدينا، ويتعلق الأمر بعدم تطبيق قاعدة الأثر النسبي للشهر على العقود المحررة قبل 01/01/1958 تاريخ دخول إصلاح منظومة الشهر العقاري حيز التطبيق راجع في ذلك : Philippe simler , Philippe Delebecque ، المرجع السابق، ص 619.

المطلب الثاني : آثـــار الشهـــر
إن أهمية الشهر تكمن في الاحتجاج بالحق –محل العقد المشهر - في مواجهة الغير و نقل ملكية الحقوق العينية العقارية، إذ يؤدي الشهر إلى إعلام الكافة بالتصرفات الواردة على العقار باعتبار أن السجل العقاري يعد بمثابة المصدر الأساسي في تداول الحقوق العينية العقارية وإظهار حقيقتها ووضعيتها القانونية من جهة، كما أن الشهر يرتب الأثر الناقل للملكية فيما بين المتعاقدين بالنسبة للعقود الناقلة للحق العيني العقاري، وهذا عكس بعض التشريعات التي يتم انتقال الملكية بمجرد العقد(1).
كما تتسع أهمية الشهر لدرجة حماية الحقوق من اكتسابها بالتقادم الذي يعتبر وسيلة مهمة معتمد عليها لاكتساب الحق العيني العقاري في ظل نظام الشهر الشخصي.
وسنتناول هذه الآثار بشيء من التفصيل في الفروع التالية:

الفرع الأول : الاحتجاج بالتصرفات و الحقوق المشهرة
إن الغاية الأساسية من إنشاء السجل العقاري هي شهر الحالة القانونية و المادية للعقار لتمكين الغير الذي يريد التعاقد بصدده أو القيام بأي إجراء حوله من الوقوف على حقيقة العقار ومدى الحقوق العائدة له والأعباء المترتبة عليه(2).
ومن أجل تحقيق هذه الغاية ينبغي قيد جميع الحقوق العائدة للعقار أو عليه، بحيث أن الحق غير المقيد في الصحيفة العقارية لا يمكن الاحتجاج به سواء بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير، وذلك بالنسبة لجميع الحقوق العينية العقارية المنشئة أو الناقلة، أو المغيرة أو المزيلة للحقوق العينية العقارية، وجميع التصرفات المقررة لها سواء كانت هذه الحقوق عينية أصلية أو تبعية، وكذلك الحال بالنسبة للأحكام النهائية المثبتة لهذه التصرفات، ومن هنا يتضح أنه بغير الشهر لا يمكن الاحتجاج بالحق، علما أن التصرف قد يرد على حق عيني، كما قد يرد على حق شخصي.
أولا: الاحتجاج بالتصرفات الواردة على الحق العيني:
لقد أخضع المشرع الجزائري بموجب المادتين 15 و 16 من الأمر 75/74 المتعلق بإعداد مسح الأراضي و تأسيس السجل العقاري، جميع الحقوق العينية باختلاف طبيعتها أصلية كانت أو تبعية لإلزاميـة

(1)د/فيلالي علي، الشهر العقاري في ضوء القضاء الجزائري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، كلية الحقوق، بن عكنون، لسنة 2000، العدد 2، ص 118.
(2)أمين بركات سعود، المرجع السابق، ص 43.

الشهر، إذ نصت المادة 15 على أنه:« كل حق للملكية وكل حق عيني آخر يتعلق بعقار لا وجود له بالنسبة للغير إلا من تاريخ يوم إشهارهما في مجموعة البطاقات العقارية، غير أن نقل الملكية عن طريق الوفاة يسري مفعوله من يوم وفاة أصحاب الحقوق العينية».
ويفهم من هذا النص أن المشرع الجزائري وانطلاقا من أخذه بنظام الشهر العيني لا يعترف بغير الشهر للادعاء بالملكية في الحقوق العينية، فإذا ما أشهرت هذه الحقوق، فإنها تسري في مواجهة الكافة من تاريخ القيد ما عدا الحقوق الميراثية التي تنتقل الملكية فيها بالوفاة لا بالقيد حيث لا توجد حاجة لقيدها في السجل العقاري حتى يمكن الاحتجاج بها تجاه الغير، فهي تنتقل حال وفاة المورث ولو لم يسجل في السجل العقاري، وقد نصت بعض القوانين العربية ومن بينها القانون السوري(1) على نفس المبدأ أي انتقال الحقوق العينية إلى الورثة بتاريخ الوفاة ولو لم يسجل في السجلات العقارية، كما يحتج به تجاه الغير قبل تسجيلها أيضا، إلا أنه لا يجوز للوارث أن يتصرف فيها إلا بعد تسجيلها بالسجل العقاري(2).
وتبعا لذلك اشترط إشهار أي إجراء أو دعوى من شأنها تهديد المراكز القانونية لأصحاب الحقوق الواجبة الشهر أو تقييد التصرف فيها لترتيب حقوق في مواجهة الغير(3).
كما نصت المادة 16 من نفس الأمر على أن « العقود الإدارية والاتفاقات التي ترمي إلى إنشاء أو نقل أو تصريح أو تعديل أو انقضاء حق عيني لا يكون له أثر حتى بين الأطراف إلا من تاريخ نشرها في مجموعة البطاقات العقارية».
فمن هذين النصين يتضح أن نشوء الحق العيني لا يترتب سواء بالنسبة للمتعاقدين أو بالنسبة للغير إلا من تاريخ النشر في مجموعة البطاقات العقارية (أي التسجيل في السجل العقاري) و عليه يمكن أن نستخلص أن التصرفات و العقود سواء كانت صادرة من جانب واحد كالهبة و الوقف والوصية أو العقود المرتبة لالتزامات الطرفين كالبيع، وكذلك العقود المتعلقة بالحقوق العينية سواء كانت أصلية كحق الانتفاع، أو تبعية كالرهن وجب إشهارها حتى يمكن الاحتجاج بها تجاه الغير، فبالشهر يمكن لكل مكتسب لعقار الاحتجاج بعقده في مواجهة الغير الذي قد يتضرر جراء الحق المشهر أو العكس، فقد يتضرر المشتري أو الموهوب له نتيجة شهر الغير لعقده أو حقه، هذا الغير الذي مكنه مالك العقار أو المتصرف من اكتساب الحق عليه في الفترة ما بين إنشاء العقد الأول وتاريخ شهره، والسبب في ذلك يرجع إلى كون البائع ما يزال مالكا للعقار في تلك الفترة، علما أن المشرع الجزائري لا يعتد بسوء النية أو حسنها فلم يعلق حجية القيد على حسن نية المتصرف إليه ولم يسمح بالتحري عن حسن نية الساري أو سوئها، فاعتبر القيد حجة ولو تم بسوء

(1)أمين بركات سعود، المرجع السابق، ص 57.
(2)اشترط المشرع على الوارث إذا أراد التصرف في نصيبه استصدار شهادة توثيقية تثبت انتقال الحق و تشهر في مجموعة البطاقات العقارية ليكون التصرف نافذا في مواجهة الغير، أنظر المادة 91 من المرسوم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المعدل و المتمم المتعلق بتأسيس السجل العقاري
(3)أ.ليلى زروقي، (التصرفات القانونية الوجبة الشهر و الآثار المترتبة عن القيد)، ص 14.

نية، وهذا خلاف ما جاء في التشريع السوري وبعض التشريعات العربية الأخرى(1).
وما دام أن نص المادة 16 من الأمر المذكور آنفا جاء عاما، فإنه يفهم منه أنه يشمل أيضا، إضافة إلى الحقوق العينية الأصلية، الحقوق العينية التبعية المتمثلة في حق الرهن الرسمي و الحيازي وحق الاختصاص و حقوق الامتياز الخاصة و المتعلقة بالعقارات، رغم أن هذه التصرفات لا تنقل الملكية إلا أنها تعتبر مجالا لضمان و تأمين حقوق الغير، فهي تنشئ حقوقا عينية لضمان وخدمة حقوق أخرى، وعليه وجب إخضاعها لإجراء الشهر، ويستثني من ذلك حقوق الامتياز العامة ولو انصبت على العقار، فلا يجب شهرها، وهو ما أكدته الفقرة الثالثة من المادة 986 من القانون المدني بقولها:« … غير أن حقوق الامتياز العامة ولو كانت مترتبة على عقار لا يجب فيها الإشهار ولاحق التتبع، ولا حاجة لإشهار أيضا في حقوق الامتياز العقارية الضامنة، بمبلغ مستحقة للخزينة العامة، وهذه الحقوق الممتازة جميعا تكون أسبق في المرتبة على أي حق امتياز عقاري آخر أو حق رهن رسمي مهما كان تاريخ قيده.

أما فيما بينهما فالامتياز الضامن للمبالغ المستحقة للخزينة يتقدم على حقوق الامتياز العامة».
وقد اشترط المشرع الشهر بغض النظر عن صفة المتصرف، فالزم إشهار العقود و القرارات الإدارية المنصبة على نفس الحقوق، وأكدت ذلك القوانين الخاصة كقانون التنازل على أملاك الدولة، إذ أن المقرر قانونا أن كل تنازل عن أرض مهيأة للبناء عليها خاضع إلى قواعد مداولة المجلس الشعبي البلدي وإلى الإشهار وهو ما أكده قرار المحكمة العليا المؤرخ في 10/12/1991، تحت رقم 83787(2)، كما أكد ذلك القانون 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المتضمن التوجيه العقاري، إذ نص في المادة 29 منه على أنه:« يثبت الملكية الخاصة للأملاك العقارية والحقوق العينية، عقد رسمي يخضع لقواعد الإشهار العقاري».
والأمر كذلك بالنسبة للقرارات والأحكام القضائية النهائية المتعلقة بإنشاء حقوق عينية عقارية أو المعدلة أو المتغيرة أو المزيلة وكذا المصرحة بهذه الحقوق إذ يجب إشهارها، وإذا كان مفاد المادة 801 ق.م اشتراطها لصحة إجراءات طلب الشفعة وجوب تسجيل عقد طلب الشفعة و إشهاره. وأنه في حالة تخلف هذا الشرط لا يحتج به في مواجهة الغير بما فيهم المدعي عليهم في الطعن(3). وبالتالي فإن حكم ثبوت الشفعة وجب إشهاره باعتباره سند للملكية بحكم القانون طبقا لما نصت عليه المادة 803 ق.م، وغيرها من الأحكام التي يجب شهرها عملا بمقتضيات المادة 14 من الأمر 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري، ولقد تظم المشرع الجزائري إجراءات القيد في المواد من 93 إلى 98 من المرسوم 76/63 السابق ذكره وذلك بإحالة من القانون المدني(4).


(1)د.إدوارد عيد، الأنظمة العقارية ( التحديد و الحرير – السجل العقاري)، الطبعة 2 سنة 1996، ص7.
(2)المجلة القضائية، لسنة 1993، العدد 2، ص 131.
(3)القرار رقم 76678 المؤرخ في 24/12/1991، المجلة القضائية 1993، العدد الأول، ص 69.
(4)تنص المادة 905 ق.م على أنه « تسري على إجراء القيد و تجديده وشطبه أو إلغاء الشطب والآثار المترتبة على ذلك كله الأحكام الواردة في قانون تنظيم الإشهار العقاري».

ثانيا: الاحتجاج بالعقود و التصرفات الواردة على الحق الشخصي:
إذا كان المبدأ العام يقضي شهر جميع التصرفات و الحقوق العينية العقارية حرصا على استقرار تداولها بصفة قانونية، وتجسيدا لهذه الحماية تخضع بعض الحقوق الشخصية للشهر، و المتمثلة أساسا في الإيجارات الواردة على العقار، إذن المشرع أوجب تسجيل عقد إيجار العقارات في السجل العقاري لأجل ثبوته ونفاذه في حق العير، وذلك إذ تجاوزت مدته إثنى عشر عاما(1)، حسبما تستوجبه المادة 17 من الأمر 75/74 السالف ذكره التي تنص على أن : « الإيجارات لمدة اثنا عشر سنة لا يكون لها أي أثر بين الأطراف ولا يحتج به اتجاه الغير في حالة عدم شهرها»، فرغم أن الأمر يتعلق بحق شخصي في هذه الحالة لا يرتب سوى التزامات شخصية، إلا أن المشرع لم يعترف به فيما بين المتعاقدين إلا من تاريخ شهره، أي أنه جعل للشهر أثر منشئ في الإيجارات الطويلة الأمد رغم أنها لا تنشئ حقوقا عينية(2)، كما نصت الفقرة الثانية من المادة 896 ق.م على أنه :«إذا كان الإيجار السابق على تسجيل التنبيه تزيد مدته على 9 سنوات، فلا يكون نافذا في حق الدائن المرتهن إلا لمدة 9 سنوات ما لم يكن قد سجل.
ويلاحظ من خلال هذين النصين التباين الموجود في مدة الإيجار، إذ نص الأمر 75/74 على مدة إثنى عشر سنة، في حين النص الأخير ذكر مدة تسع سنوات، ويمكن إرجاع، بسبب ذلك إلى أن المشرع الجزائري أخذ بالتشريع الفرنسي في إقراره لمدة 12 سنة، ومن جهة أخرى إعتمد على التشريع المصري الذي يشترط مدة 9 سنوات لقيد الإيجار، إذ قرر قانون 142 الصادر في 24/03/1964 على وجوب قيد الإيجارات والسندات التي ترد على منفعة العقار، إذا زادت مدتها على تسع سنوات مقدما وكذلك الأحكام المثبتة لشيء من ذلك (3)ولحل هذا التباين نعتقد أنه يجب تطبيق قاعدة الخاص بقيد العام، وبذلك نطبق نص المادة 17 من الأمر 75/74.
ونرى أن مدة 12 سنة المقررة بهذه المادة الأخيرة، إنما العبرة فيها بالمدة المحددة في عقد الإيجار وليس بالمدة التي يمتد إليها العقد، فعلى سبيل المثال إذا اتفق المؤجر مع المستأجر على عقد إيجار مدته ثماني سنوات، فالقانون لا يوجب شهره بالمحافظة العقارية كي يولد آثارا قانونية وحتى إن لازم المستأجر العين المؤجر لمدة 12 سنة أو أكثر(4).
وتجدر الإشارة أن عقود الإيجار المحررة بعد صدور المرسوم التشريعي 93/03 المؤرخ في 12/03/1993 المتضمن النشاط العقاري، يجب أن تفرغ في شكل خاص طبقا لنموذج محدد بموجب المرسوم التنفيذي 94/96 المؤرخ في 19/03/1994 المتضمن المصادقة على نموذج عقد الإيجار المنصوص عليه بالمادة 21 منه، وفي حالة مخالفته يعاقب المؤجر و يمكن شاغل الأمكنة إذا كان بيده أي وصل من عقد الإيجار لمدة سنة واحدة ابتداء من تاريخ معاينة المخالفة غير قابلة للتجديد.


(1)أنظر المادة 73 من المرسوم 76/63 المتعلق بتأسيس السجل العقاري
(2)ليلى زروقي، (التصرفات القانونية الواجبة الشهر و الآثار المترتبة عند القيد)، ص 13.
(3)عرب عبد القادر، المرجع العملي في الشهر العقاري و التوثيق، دار الفكر العربي، طبعة 1992، ص 163.
(4)مجيد خلفوني، نظام الشهر العقاري في القانون الجزائري، الديوان الوطني للأشغال التربوية، الطبعة الأولى 2002، ص 46.
وفيما يخص شهر التصرفات و الحقوق الشخصية، نجد أن المشرع الفرنسي اعتبر الوعد بالبيع من العقود الواجبة الشهر بغرض حماية الموعود له الذي لا يكتسب إلا حقا شخصيا على العقار و هو ما أكده قرار محكمة الاستئناف الفرنسية الصادر بتاريخ 04/03/1971(1).

أما المشرع الجزائري، وإن كان قد اشترط الرسمية في الوعد بالبيع طبقا للمادة 71 ق.م وإلا كان باطلا(2)، إلا أنه مع ذلك لم يشر إلى وجوب إخضاعه لإجراء الشهر عكس المشرع اللبناني الذي أوجب إجراء قيد احتياطي على الوعد بالبيع للمحافظة على حق الموعود له(3) .ومؤخر بصدور قانون المالية لسنة 2004 (4) نجد أنه فرض الرسم على بعض التصرفات والعقود، من بينها الوعد بالبيع، فهل يمكن الحكم على ذلك والقول أن نية المشرع، اتجهت إلى فرض شهر الوعد بالبيع؟
طالما أنه يوجد نص خاص يفرض ذلك، فيمكن تفسيره على أنه شهر جوازي، بمعنى أنه من أراد شهر الوعد بالبيع – حفاظا على حقوقه التي تبقى مجرد حقوق شخصية قبل إتمام البيع – فله ذلك، بينما لا يمكن إعتبار هذا النص بمثابة إلزام على شهر الوعد بالبيع.

استنادا إلى ما سبق ذكره لا يترتب على عقد الإيجار غير المشهر إلا التزامات شخصية بين الطرفين المتعاقدين، ولا يكون حجة إلى الغير، وعليه إذا تصرف المؤجر في العين المؤجرة لشخص ثان، وسارع المتصرف إليه في تسجيل عقد الإيجار و شهره تطبق قاعدة الأفضلية في الشهر(5)، أي أذا تصرف المؤجر في العين الواحدة لأكثر من مستأجر يفضل من سبق منهم إلى شهر عقده، ولا يبقى للمستأجرين الآخرين سوى مطالبة المؤجر بالتعويض، فالهدف الأساسي من قيد عقد الإيجار هو حماية حق المستأجر و الاحتجاج به في مواجهة الغير لذي اكتسب حقا عينيا عقاريا على العقار كالمشتري أو الموهوب له أو الموصى له بحق عيني أصلي أو تبعي، كما قد يكون الغير الدائن المرتهن و غالبا ما يجد المستأجر حقه متنازع فيه بين الخلق الخاص للمؤجر والذي يتمثل عادة في مشتري العقار أو ينافسه مستأجر آخر في ذلك الحق.
والملاحظ أن الأمر 75/74 لم يتضمن نص ينظم المخالصات و الحوالات في حين نجد أن المادة 897 ق.م نصت عليها بقولها:« لا تكون المخالصات بالأجرة مقدما لمدة تزيد على ثلاث سنوات ولا الحوالات بها كذلك نافذة في حق الدائن المرتهن إلا إذا كان تاريخها ثابتا وسابقا على تسجيل تنبيه نزع الملكية.
وإذا كانت المخالصة أو الحوالة لمدة تزيد على ثلاث سنوات فإنها لا تكون نافذة في حق الدائن المرتهن إلا إذا سجلت قبل قيد الرهن، وإلا خفضت المدة إلى ثلاث سنوات مع مراعاة المقتضي الوارد في الفترة السابقة».
ويقصد بالمخالصات من هذا النوع تلك المبالغ التي تدفع مقدما إلى مالك العقار كثمن إيجار العقار لمدة لاحقة

(1)- Phillppe simler, philippe Delebecque P 59, المرجع السابق، ص 59.
(2)قرار الغرفة المجتمعة رقم 136156 المؤرخ في 18/02/1997، المجلة القضائية لسنة 1997، العدد 1، ص 10.
(3)د.توفيق حسن فرج، عقد البيع و المقايضة في القانون اللبناني، طبعة 73، ص87.
(4)أنظر المادة 353 من القانون رقم 03/22 المؤرخ في 28/09/2003 المتضمن قانون المالية لسنة 2004.
(5)مجيد خلفوني، المرجع السابق، ص 46.
تقدر بأكثر من ثلاث سنوات وذلك قبل أن يبدأ سريان عقد الإيجار.
أما الحوالة فيقصد بها حوالة المنتفع من الإيجار الذي يدفع ثمنه مقدما إلى شخص آخر ليحل محله في الانتفاع بالعقار المؤجر. وسواء تعلق الأمر بالمخالصة أو بالحوالة فإن كلا منهما يثقل العقار وينقص من قيمته لذلك يجب أن يعلم كل من الحائز و الدائن المرتهن بهذا العبء المتمثل في قبض أجرة تزيد على ثلاث سنوات قبل سريان عقد الإيجار(1).
وبهذا يكون المشرع قد راعى في فرضه الشهر بعض الحقوق الشخصية كعقد الإيجار طويل المدة، كون أن الإيجار وغيره من الحقوق قد يؤثر في قيمة العقار، فإذا طالت مدته وأصبح البدل منخفضا تبعا للظروف الاقتصادية في البلد، فإنه قد ينقص من قيمته، مما يستوجب إعلام الغير به عن طريق الشهر.

الفرع الثاني : الأثر الناقل للملكية
إذا كانت الشكلية الرسمية تحمي المتعاقدين من مساوئ الرضائية من تسرع و غموض، فإن آثار العقد بين الأطراف في مواجهة الغير لا تترتب إلا باستكمال إجراءات الشهر، مما يعني أن حماية الغير والمجتمع أصبحت أولى من حماية الأطراف، ويترتب على هذا الشرط نتائج هامة تتمثل في نقل ملكية الحقوق العينية العقارية، هذه الأخيرة التي تنشأ و تعدل و تنقضي بالشهر. ويعتبر الدفتر العقاري سندا للملكية طبقا للمادة 19 من الأمر 75/74، السالف الذكر.
وقد اختلفت التشريعات في تحديد آثار الشهر، حيث يعتبر المشرع الفرنسي أن للشهر دور إعلامي فقط أي الاحتجاج بالحق المشهر في مواجهة الغير(2)، وكذا المشرع التونسي الذي يعتبر أن الحقوق العينية العقارية تنتقل بين المتعاقدين بمجرد توقيع العقد، ودون حاجة إلى قيد هذه الحقوق في السجل العقاري، إذ أن القيد يعد ضروريا لمجابهة الغير وله قوة ثبوتية تجاهه(3)، بينما هناك بعض التشريعات الأخرى(4) التي أخذت إضافة إلى دور الشهر الإعلامي إلى دور إحداث الأثر الناقل للملكية فيما بين المتعاقدين، وهو موقف المشرع الجزائري الذي يتضح من خلال المادتين 15 و 16 من الأمر 75/74، إذ يعتبر أن للشهر دور إزدواجي، وهو الاحتجاج بالحق في مواجهة الغير، إضافة إلى دور أهم وهو إتمام نقل الملكية حتى بين الطرفين المتعاقدين أي ترتيب الأثر العيني في عملية بيع العقار وغيرها من الحقوق العينية العقارية، وهو الأمر الذي أكدته المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 26/10/1983 تحت رقم 29501(5) الذي جاء فيه أن :« حق الارتفاق حق عيني، لا تنتقل ملكيته إلا بكتابة عقد رسمي مع الاشهار، فالطبيعـة القانونيـة

(1)عمر صداقي، شهر التصرفات العقارية في القانون الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، كلية الحقوق بن عكنون، ص 73.
(2)-Marty Gabriel, Droit civil, les sûretés , La publicité Foncière, Paris, Sirey 1974, P 14.
(3)أمين بركات سعود، المرجع السابق، ص 42.
(4)التشريع الألماني و السويدي، والتشريعات العربية، العراقي و الكويتي و المصري في قانون رقم 142 لعام 1964.
(5)المجلة القضائية، لسنة 1989، العدد 1، ص 54.

المضفاة على حق الارتفاق كحق عيني هي التي أدت إلى إخضاع إنتقال ملكيته في المادة 12 من قانون التوثيق لأشكال جوهرية … ومن ثمة كان وجوبا على الأطراف إفراغ الاتفاق المبرم حوله في عقد رسمي وتولي إجراءات إشهاره ليصبح بالتالي التمسك بحصول التصرف …».
وبالتالي نخلص إلى القول أن انتقال الملكية في العقارات أو الحقوق العينية الأخرى كحق الارتفاق، حق الانتفاع أو حق الاستعمال والسكني لا يتم إلا باتخاذ إجراءات الشهر سواء بالنسبة للغير أو حتـى بين المتعاقدين، وبذلك تكون عملية الشهر في الجزائر الوحيدة التي بامكانها نقل الملكية طبقا لأحكام المادة 793 ق.م، إذ أن الملكية العقارية لا تنتقل إلا باحترام الاجراءات المقررة، وهي إفراغ التصرف في الشكل الرسمي و القيام بشهره حيث أن الشكل الرسمي-وإن كان يجسد التصرف القانوني- إلا أنه لا يكفي لنقل الملكية وهذا حتى ولو تم تثبيت البيع بالحكم.
وترى الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا في هذا الشأن في قرارها المؤرخ في 25/07/1993(1) أن عدم إتمام إجراء الشهر يفقد السند حجيته المطلقة، وبما أن إجراء الشهر هي مسألة من النظام العام فللمحكمة أن تثير إغفال هذا الإجراء من تلقاء نفسها، هذا الاجتهاد القضائي المستقر للمحكمة العليا يكرّس الأثر المنشئ لإجراءات الشهر العقاري.
وعليه في حالة تزاحم المشترين، فإن الملكية تنتقل إلى من اتخذ إجراءات الإشهار قبل الأخر ولو بساعات محدودة، فإذا باع المالك «أ» العقار إلى «ب» بموجب عقد توثيقي في 01/01/2004 لم يتم شهره، ثم أعاد بيع نفس العقار إلى «ج» بموجب عقد توثيقي في 24/01/2004 تم شهره بالمحافظة العقارية في 31/01/2004، فإن المشتري الثاني «ج» هو التي ينتقل إليه الملكية طالما عقده تم شهره، على خلاف المشتري الأول «ب» والذي رغم أنه سابق في تاريخ إبرام العقد، إلا أنه لم يشهره، وبالتالي لا يبقى له سوى الرجوع على البائع «أ» لاسترداد الثمن استنادا إلى أحكام الدفع غير المستحق والتعويض عن الاخلال بالتزام شخصي(2)، وفي هذا تكريس لمبدأ الأسبقية في التسجيل الذي سبق للقضاء المصري- منذ مدة طويلة- وأن جسده في عدة قرارات من خلال محكمة النقض المصرية، ففي الطعن رقم 125 لسنة 18 ق جلسة 13/04/1950، أكدت هذه الأخيرة أن مناط الأفضلية بين عقدين هو بأسبقية التسجيل دون ثبوت التاريخ، كما جاء في طعن رقم 287 لسنة 20 ق جلسة 16/10/1952 أن مجرد قيام المشتري بتسجيل صحيفة دعوى صحة التعاقد لا يترتب عليه نقل الملكية، إذ أن الملكية لا تنتقل إلا بتسجيل الحكم الصادر في الدعوى(3).
ولعل هذا ما يفسر أيضا النص على ضرورة شهر الأحكام النهائية الناقلة للملكية، أو المصرحة بحق عيني عقاري باعتبارها سندات للملكية بحكم القانون(4)، إذ يجوز أن تكتسب ملكية عقار أو حق عيني عقاري

(1)أنظر القرار والتعليق عليه في مقال للدكتور، فيلالي علي بعنوان، الشهر العقاري في ضوء القضاء الجزائري، المرجع السابق، ص 125، 126.
(2)حمدي باشا عمر، (نقل الملكية العقارية في ضوء آخر التعديلات وأحدث الأحكام)، ص 121، 122.
(3)معوض عبد التواب، الشهر العقاري والتوثيق علما وعملا، منشأة المعارف، الأسكندرية، 1986، ص 69 و ما يليها.
(4)المادة 14 من الأمر 75/74 المؤرخ في 12/11/1975، المتضمن إعداد مسح الأراضي العام و تأسيس السجل العقاري.

بحكم صادر عن القضاء، كالقرار الذي يقضي بقيد عقد البيع العقاري، أو قرار يقضي بقسمة عقار شائع بين الشركاء، أو بإرساء البيع بالمزاد العلني على إسم المزايد الأخير، إذ يصبح المحكوم له مالكا للعقار من تاريخ قيد الحكم أو القرار القضائي بالسجل العقاري.
وبذلك يتبين أن المشرع الجزائري قد أخذ بمبدأ الأثر المنشئ للقيد انطلاقا من المادة 15 من المرسوم 75/74، غير أنه أورد استثناء على هذا المبدأ يتعلق بانتقال الحقوق الميراثية(1)، إذ لم يوجب المشرع قيدها حتى تنتقل للورثة، حيث أن المادة 15 من نفس المرسوم نصت على أن نقل الملكية عن طريق الوفاة تنقل الحقوق للورثة والموصي لهم دون الحاجة إلى إجراء شكلي، بل اشترط المشرع على كل وارث أو موصى له قيد حقه كلما أراد التصرف فيه وذلك باستصدار شهادة رسمية موثقة تثبت انتقال هذا الحق إليه ثم قيدها في مجموعة البطاقات العقارية حتى يكون نافذا وذلك إعمالا لأحكام المادتين 39 و 62 من المرسوم 76/63 المذكورة آنفا، و تأكيدا له نصت المادة 91 منه على أن :« كل انتقال أو إنشاء أو انقضاء لحقوق عينية عقارية بمناسبة أو بفعل الوفاة يجب أن يثبت بموجب شهادة موثقة»، فالقيد في هذه الحالة هو شرط كاشف(2) حتى يكون نافذا في مواجهة الغير – كما سبق تبيانه في الفرع الأول من هذا المطلب -.
نخلص مما سبق ذكره أن بالشهر تنتقل الملكية في العقارات و الحقوق العينية العقارية أصلية كانت أو تبعية انطلاقا من مبدأ الأثر المنشئ للقيد، لكن هذا لا يعني الخلط بين القيد كأثر منشئ وبين مصدر الحق الذي يعدّ السبب القانوني الذي ينشأ به الحق وفقا لقواعد كسب الحقوق خلافا للحقوق العقارية الذي لا يكفي وجود هذا السبب كي ينشأ الحق لصاحبه، بل لا بد من قيد هذا الحق في السجل العقاري حتى تعتبر أنه كسبه، وهنا نقول أن القيد هو الذي أنشأ الحق وليس التصرف في حد ذاته(3).

الفرع الثالث : حظر التقادم المكسب على العقارات التي لها سندات ملكية مشهرة
يعتبر التقادم -في المناطق التي لم يؤسس فيها السجل العقاري سببا من أسباب كسب الملكية والحقوق العينية العقارية الأخرى- ضرورة تقتضيها مصلحة الجماعة، وباعتبار أن أهم الأهداف التي جعلت معظم التشريعات العربية تأخذ بمبدأ الشهر العيني هو التخلص من هذا الوضع وإعطاء الملكية وباقي الحقوق العينية العقارية المشهرة الحماية التامة من جمع التعديلات وبعث الاستقرار في نفوس المتعاملين في العقارات وإعطاء قيود السجل العقاري القوة الثبوتية المطلقة، لذلك أخذت القوانين العقارية لكل من ليبيا، سوريا، لبنان، العراق، المغرب، تونس و الأردن بمبدأ عدم سريان التقادم في حق المالك المقيدة ملكيته في السجل العقاري(4).

(1)جلّ التشريعات العربية أخذت بهذا الاستثناء فيما يتعلق بالحقوق الميراثية التي تنتقل دون حاجة إلى القيد، عدا المشرع الليبي الذي نص في المادة 53 من القانون الليبي على أن العقارات الموروثة لا تؤول إلى الورثة إلا بعد تقديم إعلام شرعي من المحكمة المختصة يحصر الإرث وبيان نصيب كل وارث و تسجيل حق الإرث.
(2)أ. ليلى زروقي، التصرفات القانونية الواجبة الشهر والآثار المترتبة عن القيد، ص 15.
(3)أمين بركات سعود، المرجع السابق، ص 41.
(4)مجيد خلفوني، المرجع السابق، ص 26 و 49.
فتطبيق نظام الشهر العيني يفترض إعمال مبدأ حظر التقادم، وبالموازاة نجد أن المشرع الجزائري نص في المواد من 823 إلى 834 ق.م، على إمكانية اكتساب الملكية بالتقادم الحقوق العينية العقارية الأصلية الأخرى وكذا انقضائها، ولم يرد أي نص يستثنى الأراضي التي تم مسحها، في حين أن المرسوم 83/352 المؤرخ في 21/05/1983، المتعلق بين إجراء إثبات التقادم المكسب وإعداد عقد الشهرة المتضمن الاعتراف بالملكية، وتحديدا في المادة الأولى منه، استثنى الأراضي التي تم فيها المسح بنصها على أن « كل شخص يحوز في تراب البلديات التي تخضع حتى الآن للإجراء المحدث بالأمر 75/74 …» أي المقصود ما عدا الأراضي التي تم فيها المسح و اقتصار إعداد عقد الشهرة على أراضي الملك الخاص.

ومن هنا يطرح التساؤل حول مدى إمكانية و جواز اكتساب عقار ممسوح أوله سند مشهر عن طريق التقادم المكسب ؟
نلاحظ أنه وعلى الرغم من تعدد أحكام قانون الشهر العقاري منذ صدور الأمر 75/74 المشار إليه آنفا، إلا أن المشرع الجزائري أغفل معالجة هذه المسألة، ولعل هذا ما دفع البعض إلى تطبيق القواعد العامة المقررة في هذا المجال، وبالتالي القول بجواز اكتساب العقار الممسوح بالتقادم المكسب، ونفس الفراغ جعل البعض الآخر يطبق قاعدة الخاص يقيد العام ويرفض ذلك، وسنحاول فيما يلي تقديم هذين الإتجاهين و تبيان مبررات كل منهما.
الاتجــاه الأول :
يرى عدم تصور اكتساب الملكية في المناطق الممسوحة التي حاز صاحبها على وثائق طبقا لنظام الشهر العيني، وذلك لتعارضه مع مبدأ القوة الثبوتية المطلقة للشهر، وهذا انطلاقا من كون الحيازة قرينة على الملكية و الملكية ثابتة بالشهر(1)، وبالتالي فكسب الملكية في هذه الحالة عن طريق التقادم المكسب يفقد الشهر قوته الثبوتية، وعليه لا يمكن للموثق تحرير عقد شهرة يتضمن الاعتراف بملكية عقارات لها سندات ملكية مشهرة، وهذا الاتجاه تبنته الغرفة الإدارية للمحكمة العليا في قرار لها غير منشور صادر بتاريخ 09/03/1998 تحت رقم 129947 حيث أكدت فيه على أنه :« أن الإجراءات المنصوص عليها في المرسوم 83/352 يستبعد تطبيقها أمام وجود سند رسمي مشهر للعقار موضوع النزاع بالمحافظة العقارية بقسنطينة في 03/06/1998…، وعليه فإن رفض إشهار عقد الشهرة من طرف المحافظة العقارية كان مؤسسا، لأن المرسوم 83/352 يرمي إلى تطهير الوضعية العقارية للأملاك التي لم تتم فيها بعد عملية مسح الأراضي العام و تأسيس السجل العقاري، وعليه فإن القرار المستأنف قد أصاب فيما قضى به»
وقد تم تأكيد هذا الاتجاه من خلال منشور صادر عن وزارة المالية(2) موجه إلى الموثقين منعهم بموجبه من إعداد عقود الشهرة في الأراضي التي لها عقود محررة و مشهرة وإن لم يسمها المسح نظرا لما وقع من تحايل على الملاك الغائبين. وتبرير ذلك أن المادة الأولى من المرسـوم 83/352 السـالف الذكـر


(1)أ.ليلى زروقي، نظام الشهر وإجراءاته في القانون الجزائري، ص 64.
(2)حمدي باشا عمر، القضاء العقاري في ضوء أحدث القرارات الصادرة عن مجلس الدولة والمحكمة العليا، ص 278.
نصت على أنه لا يمكن إعداد عقد الشهرة إلا إذا تعلق الأمر بأراضي الملك (أي ملكية خاصة) الواقعة في المناطق التي لم تباشر فيها عمليات المسح ذلك أن المرسوم في حد ذاته جاء لتطهير المناطق غير الممسوحة.

الاتجاه الثاني:
ويذهب عكس الاتجاه الأول، أي لا مانع في نظر القائلين بهذا الرأي أن ترد عقود الشهرة على عقارات لها سندات ملكية مشهرة، استنادا إلى كون التقادم المكسب هو طريق ذو دلالة قاطعة في ثبوت الملكية، فمتى توافرت شروط الحيازة يصبح الحائز مالكا للعقار عن طريق التقادم المكسب و يحتج بذلك أمام الكافة بما فيها صاحب سند الملكية المشهر(1).
وتبرير هذا الموقف انطلاقا من فكرة الحيازة التي تهدف إلى حماية الأوضاع الظاهرة أي حماية الحائز والتضحية بالمالك المهمل وفقا لما تقضي به أحكام المادة 827 ق.م، هذه المادة التي سنت قاعدة عامة دون أن تستثني العقار المملوك بسند رسمي و مشهر، فالاستثناء الوحيد الذي أورده المشرع صراحة من حكم القاعدة يتعلق بالعقارات التي تملكها الدولة –لا غير- وذلك ما ورد بنص المادة 689 ق.م، وبذلك تصبح العقارات التي تملكها الدولة غير خاضعة للحيازة و لا يمكن اكتساب ملكيتها بالتقادم، بينما لم يستثني المشرع العقار المشهر بالمحافظة العقارية من حكم القاعدة العامة ولا استثناء إلا بوجود نص وعليه يحق للحائز، التمسك بملكية العقار في مواجهة الكافة بما فيهم المالك الأصلي ولو كان يملك هذا العقار بموجب سند رسمي مشهر.
كما يؤكد هذا الاتجاه أن المرسوم رقم 83/352 جاء تطبيقا لأحكام المادة 827 ق.م وليس له إلا وظيفة تقريرية تتمثل في إشهار الحيازة التي أصبحت سببا لكسب الملكية و تمكين الحائز من حصوله على سند رسمي بملكيته، وتبعا لذلك لا يسمح القانون للمحافظ العقاري أن يرفض شهر هذا المحرر استنادا إلى أن العقار محل الحيازة مملوك بموجب سند رسمي مشهر، ويبقى الحق في الطعن في هذا المحرر محفوظا للغير(2).
وقد استقرت الغرفة المدنية بالمحكمة العليا في قضائها على مبدأ التقادم المكسب متى توافرت أركان الحيازة وشروط صحتها دون تمييز بين العقار المملوك بسند رسمي مشهر أو الذي ليس له مالك(3).
إن كان الاتجاه الثاني هو الأولى بالترجيح-لدى الأغلبية- نظرا للمبررات السابق ذكرها، لا سيما أن صدور المرسوم 83/352 جاء تطبيقا لأحكام المادة 827 ق.م التي وردت مطلقة دون التمييز بين الملكيات محل الحيازة وأنه لا تخصيص بدون مخصص. كما أن معظم الدول التي لم تجعل التقادم المكسب سببا من أسباب كسب الملكية على العقارات المشهـرة سنداتها، أفردت نصوصـا خاصة في هذا المجـال، بينما لا

(1)أنظر تعليق الأستاذ زودة عمر، على قرار الغرفة الإدارية للمحكمة العليا، الصادر في 09/03/1998 تحت رقم 129947، مجلة الموثق لسنة 1999 العدد 6 ص 15 و 16. و كذا حمدي باشا عمر، دراسات قانونية مختلفة، دار هومة، طبعة 2002، ص 151.
(1)عمر زودة، المرجع السابق، ص 16.
(3)أنظر القرار رقم 107967 المؤرخ في 10 نوفمبر 1993، المجلة القضائية لسنة 1994، العدد 01، ص 43.
وجـود لنص خاص في القانون الجزائري يستثني هذه العقارات، وبالتالي حسب الرأي الغالب فإنه لا مجال للخروج عن القاعدة العامة الواردة بنص المادة 827 ق.م إضافة إلى ذلك نجد أن المادة 45 من قانون التوجيه العقاري(1)، نصت على أنه في حالة ظهور المالك الحقيقي عليه أن يرفع دعوى الاستحقاق للمطالبة بإلغاء شهادة الحيازة و استرداد العقار الذي تحصل بموجبه الحائز على هذه الشهادة، في حين أنه لا مثيل لهذا النص في المرسوم 83/352، مما جعلنا نستبعد فكرة عدم جواز كسب ملكية عقارات مشهرة سنداتها عن طريق التقادم.
وإن كانت هذه المبررات مستساغة كوننا مقيدين بالنصوص التشريعية لا سيما القانون المدني، إلا أن المنطق القانوني وأحكام و مبادئ الشهر العيني العقاري تجعلنا نحيد عن هذا الرأي والقول بعدم جواز اكتساب العقار المشهر سنداته أو الممسوحة عن طريق التقادم المكسب، وهذا لأسباب كثيرة لعل أهمها مايلي:
1-أن القاعدة العامة التي تميز نظام الشهر العيني هي رفض التقادم سواء المكسب أو المسقط في مواجهة الحقوق المقيدة، إذ أن التقادم يتعارض صراحة ومبدأ القوة المطلقة للشهر، إذ أن نظرية السجلات العينية لا تقر بالحقوق ما لم يثبتها مالكها بالشهر فقط، فالقول بأن وضع اليد كاف لاكتساب الملكية عن طريق التقادم يعد هدما لسلطة السجل العيني، ونقضا لجميع النتائج الإيجابية التي يمكن أن ترجى من هذا النظام(2).
2-إن التسليم بجواز اكتساب العقارات التي كانت محل مخطط المسح العام للأراضي على مستوى إقليم كل بلدية، من شأنه خلق الفوضى وزعزعة استقرار الملكية العقارية التي كلفت الدولة أموالا باهضة قصد إحصائها وضبطها ومعرفة ملاكها الحقيقيين.
3-إن مواد التقادم المكسب-على غرار بقية النصوص المدنية- استمدها المشرع من التقنين المدني المصري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على نظام الشهر الشخصي، عكس بلادنا التي قطعت أشواطا كبيرة في عملية مسح الأراضي(3)، وبذلك لا نجد مجالا في بلادنا لجعل التقادم المكسب سببا كافيا لكسب ملكية عقار سنده مشهر، مما يتعين معه إعادة النظر في القانون المدني لاسيما مضمون المادة 827 منه حتى تتماشى وأحكام الشهر العيني الذي بدأنا في العمل بها و تجسيدها ميدانيا.
4-إن التسليم بجواز وضع اليد على العقار المسموح وإمكانية الاعتراض به على الحقوق المقيدة بالسجل العقاري يؤدي إلى جعل العقار له مالكين اثنين في آن واحد، مالك بوضع اليد ومالك بموجب الدفتر العقاري الذي تبقى ملكيته ثابتة رغم الادعاء بزوال حقه بالتقادم المكسب المثبت لغيره، بحيث يحتفظ بكافة حقوقه المقررة قانونا(4)، إضافة إلى أن التسليم بعدم حظر التقادم المكسب في الأراضي الممسوحة يؤدي حتما إلى عدم تطابق البيانات الواردة في كل من البطاقة العقارية والسجل العقاري وفي الدفتر العقاري مع الواقع المادي والقانوني للعقار.

(1)القانون رقم 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المتضمن قانون التوجيه العقاري.
(2)د.معوض عبد التواب، (سجل العيني علما وعملا)، ص 62.
(3)في تقرير أعده المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي لسنة 98 بخصوص إشكالية العقار الفلاحي في الجزائر أشار إلى أن ما تم مسحه لحد الآن هو 3382662 هتكار ريفية و 16279 هكتار عمرانية.
(4)أنظر المادة 674 من القانون المدني والمادة 27 من القانون رقم 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المتضمن قانون التوجيه العقاري.
5- يتضح من نص المادة 20 من قانون التوجيه العقاري السابق ذكره، أن المشرع وضع شرطا جديدا لم يتضمنه القانون المدني فيما يخص قواعد الحيازة، إذ يشترط حصول الشخص الحائز لعقار أو شاغل له، حصوله على سند حيازي يبرر حالته القانونية، بحيث مكن الأشخاص من الحصول على سند إداري يتمثل في شهادة الحيازة(1) التي تخضع لشكلية الشهر العقاري، والتي على أساسها يمكن اكتساب العقار بالتقادم أو الحصول على الدفتر العقاري بعد مضي مدة التقادم المؤقت (4 أشهر)، وبإتمام عمليات المسح تصفي بقوة القانون الوضع القانوني لحالة العقارات المقررة بمقتضى هذه الشهادة، وقد قيد المشرع تحرير هذه الشهادة بحيث يقتصر تسليمها على الشخص الذي مارس الحيازة في أراضي الملكية الخاصة التي لم تحرر بشأنها عقود ولم تشملها عملية المسح العام للأراضي.
وعليه باستقراء هذه النصوص تتضح أهمية مسح الأراضي و ما ينتج عنها من ضبط وحماية للملكية العقارية لذلك يتعين إعطاؤه مكانته وإبداء الاهتمام بالوضعية السائدة حاليا.
مما لا شك فيه أن الاعتبارات السالف ذكرها جدية وكافية لجعل الجهات القضائية تحظر التقادم المكسب للملكية العقارية المسموحة أو المشهرة سنداتها، والمؤكد أن توحيد الأحكام القضائية سوف يدفع بالمشرع إلى تكريس الاجتهاد القضائي ويحذو بشأنه حذو غالبية التشريعات في هذا الميدان وينظم بذلك أحكاما صريحة في القانون المدني تقضي بهذا الحظر.
بعد محاولة إلمامنا بجميع ما يتعلق بالعقود التوثيقية المشهرة من خلال إبراز مفهوم الشهر و شروط إخضاع العقود للشهر وآثاره، فإننا نتساءل فيما يلي عن مدى سلطة القاضي في إبطال هذه العقود نظرا لما تكتسيه من قوة ثبوتية منحها إياها الشهر.


(1)شهادة الحيازة نص عليها المشرع بالمادتين 39 و 40 من القانون 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المعدل والمتمم المتضمن قانون التوجيه العقاري، وصدر المرسوم التنفيذي 91/254 المؤخر في 27/07/1991 يحدد كيفيات إعدادها و الحصول عليها.

إن نظام الشهر العيني يقوم أساسا على مبدأ القوة الثبوتية للشهر، الذي مفاده أن التصرفات التي تشهر في ظل هذا النظام تعد قرينة على الملكية تسري في مواجهة الكافة فهي تطهير للملكية من كل العيوب(1)، وبذلك يصبح التصرف سليما خاليا من العيوب مهما كان مصدرها، وعليه لا يمكن الطعن في الحق أو العقد المشهر لا بدعوى البطلان ولا بدعوى الاستحقاق (الاسترداد)، ويكون بذلك المتصرف في منأى من النزاعات، كما يستند هذا النظام إضافة إلى المبدأ الأول على مبدأ الشرعية الذي يستوجب تحقق المحافظ العقاري من صحة التصرف و توفر أهلية المتصرف وخلو إرادته من العيوب، كما يتحقق من سند الملكية ومدى مشروعية المحل وجواز التعامل فيه(2).
وانطلاقا مما سبق بيانه عن ركائز هذا النظام العقاري تتضح استحالة الطعن في التصرف أي العقد المشهر ورغم ذلك فقد فسح المشرع مجالا للطعن وإعادة النظر في الحقوق بعد القيد الأول عن طريق اللجوء إلى القضاء(3)، مما يؤدي إلى الإخلال بمبادئ الشهر العيني.
من هنا يطرح التساؤل حول مدى حجية الشهر في ظل هذا النظام وبالتالي مدى إمكانية الطعن في العقد التوثيقي المشهر وما هي السلطات الممنوحة للقاضي في ذلك، وما هي شروط رفع مثل هذه الطعون ومن هي الجهة التي يؤول لها صلاحية الفصل فيها؟
للإجابة على كل هذه التساؤلات وللإحاطة بهذه الجوانب المختلفة رأينا تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين نتناول في الأول مدى جواز الطعن في العقد التوثيقي المشهر، وفي الثاني رفع الدعوى الرامية إلى الإبطال أمام القضاء.


تم تحرير الموضوع بواسطة :لواء المجد
بتاريخ:30-04-2013 02:12 صباحا


30-04-2013 02:34 صباحا
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
لواء المجد
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 26-04-2013
رقم العضوية : 343
المشاركات : 191
الجنس : ذكر
الدعوات : 2
قوة السمعة : 120
المستوي : ليسانس
الوظــيفة : طالب
 offline 
look/images/icons/i1.gif بحث حول العقود التوثيقية
المبحث الأول: مدى جواز الطعن في العقد التوثيقي المشهر
نحن نعلم أن العقد التوثيقي باعتباره عقدا رسميا تكون له قوة ثبوتية إلى غاية إثبات العكس فيما يتعلق بالمعلومات المقدمة من قبل أطراف العقد فإن كانت هذه حجيته كعقد رسمي، فماذا عن حجيته إذا ما تم إشهاره على مستوى المحافظة العقارية، أي هل أن الشهر سيحصن هذا العقد حتى وإن انطوى على تصرف معيب تماشيا والأثر المطهر للقيد، أم أن المشرع الجزائري أخذ بنسبة القوة الثبوتية للشهر لا القوة المطلقة له، ومن ثمة إمكانية الطعن في العقد التوثيقي المشهر وإن كان يجوز ذلك، فما هي مجالات أو أسباب الطعن فيه، وبالتالي نتوصل إلى تحديد سلطة القاضي في إبطال هذه العقود ؟
سنتطرق إلى كل نقطة من هذه النقاط على حدا فيما يلي:

(1)د.فيلالي علي، الشهر العقاري في ضوء القضاء الجزائري، المرجع السابق.
(2)أنظر المادة 100 وما يليها من المرسوم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري
(3)أنظر المادة 86 من نفس المرسوم.

المطلب الأول : حجية العقد المشهر (التصرف المشهر)
القاعدة العامة والمطبقة في نظام الشهر العيني، هي أن القيد هو مصدر الحق العيني وليس التصرف(1)، فبتمام القيد ينشأ الحق أو يتغير أو يزول، وذلك سواء بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير، وتبلغ الحجية هنا حدها الأقصى إذ نجد أن الحق العيني الذي نشأ بالقيد لا يتأثر بالعيوب التي كانت قد شابت التصرف من بطلان أو عدم نفاذ، إذ يصبح القيد مطهرا للتصرف مما يكون قد علق به من عيوب.
فهو بذلك يعد عنوانا للحقيقة التي لا يمكن إثبات عكسها، إلا إذا شاب قرار القيد نفسه أي عيب، ويعتبر القيد معيبا إذا أجري بدون وجه حق. وعليه فتعليق آثار العقد (التصرف القانوني) كلها سواء بين الأطراف أو في مواجهة الغير على إجراءات الشهر العقاري، يفيد حتما أن العبرة لم تبق ولم تعد في صحة التصرف في حد ذاته، بل أصبحت بالقيام بإجراءات الشهر، وهذا هو سبب إستبدال نظام الشهر الشخصي بنظام الشهر العيني، حيث يرغب المشرع في تطهير الوضع الذي توجد فيه الحقوق العقارية وجعل الملكية العقارية أكثر استقرارا وإعطاء التصرفات الواردة عليها أكثر ضمانات، وتحقيقا لهذا الغرض أصبحت إجراءات الشهر ناقلة للملكية العقارية، كما أنها تكسب العقد المشهر (المحرر) قوة ثبوتية مطلقة تسري في مواجهة الكافة، فهي بذلك تطهر سند الملكية من كل العيوب(2)، فلا يمكن الطعن في التصرف الذي تم شهره.
فالأصل أن هذه العقود تكون قابلة للإلغاء أو الإبطال أو الفسخ، ومع ذلك فإنه يمنع التذرع والاحتجاج بمثل هذه الدفوع في ظل نظام الشهر العيني محافظة على استقرار المعاملات، وعليه لا يمكن للمتصرف في حق عيني تم إشهاره أن يطلب إبطال أو فسخ التصرف لاسترداد الحق العيني المشهر، ذلك أن التصرف هو الذي كان معيبا وليس القيد، كما أن القيد هو الذي نقل الحق العيني وليس التصرف الذي ما هو إلا وسيلة مؤدية إلى الشهر، وعليه فترتيب آثار البطلان أو الفسخ ردا الحال إلى ما كان عليه شيء غير ممكن في ظل الشهر العيني، وتطبيقا للقواعد العامة في البطلان والفسخ لا يبقى أمام رافع الدعوى سوى المطالبة بحقه في التعويض لاستحالة استرداد حقه عينا(3).
والواقع أن مثل هذه الحالة نادرة الوقوع في ظل نظام الشهر العيني لأن المحافظ العقاري القائم بالتسجيل يقوم بفحص كل التصرفات فحصا دقيقا قبل تسجيلها أو شهرها، كما أنه حتى بفرض خطأ هذا الأخير في عملية الفحص والتحري في تصرف ما. فإن القانون يعطي للمتضرر من هذا الخطأ طلب التعويض من المحافظ العقاري تطبيقا للقواعد العامة، وتطبيقا للمادة 23 من الأمر 75/74 السابق ذكره التي تنص على أنه« تكون الدولة مسؤولة بسبب الأخطاء المضرة بالغير والتي يرتكبها المحافظ أثناء ممارسه مهامه».

(1)لمزيد من المعلومات حول الفرق بين القيد والتصرف أنظر:
أمين بركات سعود، المرجع السابق، ص 41. 42.
(2)د.فيلالي علي، الشهر العقاري في ضوء القضاء الجزائري المرجع السابق، ص 120.
(3)أنظر المادة 176 من الأمر رقم 75/58 المؤرخ في 26/09/1975 المتضمن القانون المدني المعدل والمتمم.

وهكذا تنتقل الحقوق العينية في ظل نظام الشهر العيني مطهرة بالقيد (الشهر) من كل حقوق أخرى عالقة بها، وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة التصرفات التي أدت إلى شهرها. لهذا فالشهر العيني تكون لديه حجية مطلقة، قررت له دون النظر إلى حسن النية أو سيئ النية.
وقد أوردت بعض التشريعات استثناءات على مبدأ مشروعية الشهر، وذلك قصد تحقيق التوافق بين المصلحة العامة المتمثلة في تدعيم الائتمان العقاري وتسهيل تداول العقارات، وبين مصلحة صاحب الحق العيني في معرفة حقيقة كل تصرف تم الشهر بناء عليه وإبطال القيود التي تكون باطلة، وللتوفيق بين المصلحتين اشترطت بعض التشريعات للأخذ بمبدأ مشروعية الشهر في السجل العقاري حسن نية أطراف العقد كالتشريع الألماني، السويسري والتشريعين التونسي والمغربي، بينما هناك من التشريعات التي أخذت بمبدأ افتراض صحة الشهر دون النظر في نية أطراف التصرف المشهر وما قد لابسه من غش أو سوء نية كالتشريع المصري والليبي(1).
وليس معنى الحجية المطلقة هنا أنه لا يمكن الطعن في العقد موضوع الشهر بالطعون المعتادة وإنما لا يكون لهذه الطعون من أثر في مواجهة الكافة إلا من تاريخ قيدها في السجل أو شهر الدعاوى الخاصة بها.
وتثبت الحجية على نحو ما سبق ذكره، إذا ما صدر العقد (التصرف) مستوفيا شروطه القانونية، أما إذا تخلف ركن من أركانه أو شرط من شروط صحته كان العقد باطلا أو قابلا للابطال لا يطهره الشهر، من ثمة لا يترتب عليه نقل الملكية، مثال ذلك: إذا أبرم عقد بيع ولم يوقعه المالك إنما زور توقيعه فإن الملكية لا تنتقل بشهره(2) ولعل هذا ما جعل أهم دور يناط بالمحافظ العقاري هو البحث عن أصل الملكية والتحقق من صحة بيانات العقد أو التصديق على توقيعات ذوي الشأن فيه.
بالرجوع إلى أحكام الشهر الواردة بالأمر 75/74 والمراسيم المطبقة له - السابق الإشارة إليها- يتبين أنه بعد القيد الأول أي تأسيس مجموعة البطاقات العقارية (3)وبعد انتهاء المدة المقررة للاعتراض وتقديم الطلبات وبعد أن يصبح الترقيم المؤقت نهائيا، وبالفصل في الدعاوى المتعلقة بالتسجيل الأول المرفوعة أمام القضاء المختص، يصبح هذا القيد الأول مطهرا للتصرف الذي بني عليه ويكتسب الحجية المطلقة، فلا يجوز إقامة دعاوى القضاء الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقض حقوق ناتجة عن محررات أو عقود تم إشهارها، وذلك تماشيا وأحكام المادة 85 من المرسوم 76/63 المتعلق بتأسيس السجل العقاري.
كما أن الخلف الخاص أي الشاري للعقار أو الحق العيني المشهر في السجل العقاري شهرا أولا سواء كان حسن أو سيئ النية، لا تسري في حقه دعاوى الفسخ أو الإبطال أو الإلغاء أو النقض.


(1)أمين بركات سعود، المرجع السابق، ص44 و 45.
(2)المستشار أنور طلبه، الشهر العقاري والمفاضلة بين التصرفات، طبعة 1996، ص 148.
(3)أنظر المواد : 12 و 13 و 14 من المرسوم 76/62 المؤرخ في 25/03/1976 المعدل والمتمم بالمرسوم رقم 84/400 المؤرخ في 24/12/1984 والمرسوم رقم 92/138 المؤرخ في 07/04/1992 المتعلق بتأسيس السجل العقاري.
وعليه فالقانون الجزائري لا يعتد بحسن أو سوء نية المتصرف إليه، مادام قد اكتسب الحق العيني بموجب القيود العقارية المسجلة تسجيلا أولا أو لاحقا دون وجود إشارات تفيد وجود حقوق للغير على هذه القيود(1).
وبذلك يكون المشرع الجزائري قد وصل بالتسجيل الأول (القيد الأول) بالسجل العيني إلى أكبر درجة من الحجية والقوة.
وافتراض هذه المشروعية والحجية المطلقة للشهر يمكن إرجاعها وتبريرها بالإجراءات الطويلة وطرق الطعن المتعددة و تقرير مدة طويلة لها، والتي نص عليها قانون مسح الأراضي و غيره.
ورغم هذه الحجية التي منحها المشرع للشهر وربطه لصحة العقد (التصرف) بالشهر، إلا أنه مع ذلك يكون للقضاء سلطة في إلغاء وإبطال بعض العقود التوثيقية المشهرة، إذ ما تبين للقاضي أن التصرف الذي ينطوي عليه العقد محل الشهر معيبا في حد ذاته، دون الأخذ بعين الاعتبار أن العقد مشهر.
وفيما يلي سنبين أهم الأسباب الداعية لإبطال العقود التوثيقية المشهرة.

المطلب الثاني : مقتضيات إبطال العقد التوثيقي المشهر
كما سبق الإشارة إليه، فإن الشهر لا يصحح عقدا باطلا ولا يحول ذلك دون الطعن فيه أمام القضاء. إذ تبقى كامل السلطة التقديرية للقاضي في إبطال العقد التوثيقي المشهر حسب الحالة المؤدية لذلك.
سنفرّق فيما يلي بين العقد التوثيق الناقل للملكية بارادتين (التعاقدي) وبين العقد التوثيقي المصرح بالملكية، وتحديد عقد الشهرة، نظرا لاختلافهما من حيث الأسباب التي قد تؤدي إلى إبطال كل منهما، وهو ما سنوضحه بتفصيل أكبر فيما يلي :

القرع الأول: أسباب إبطال العقد التوثيقي المشهر الناقل للملكية بإرادتين
إن العقد مهما كان نوعه يجب أن يتوافر على أركان الرضا، المحل والسبب فإن تخلف أحد هذه الأركان لا سيما انعدام الرضا نكون أمام بطلان مطلق يجوز للقاضي أن يقضي به من تلقاء نفسه ولا يزول هذا البطلان بالإجازة، غير أنه قد يعتري العقد (التصرف) بعض العيوب التي قد تؤدي إلى إبطاله إذا ما تمسك بها صاحب المصلحة، كون القانون قد قررها للمصلحة الخاصة لا غير فإذا ما انطوى العقد التوثيقي المشهر على مثل هذه العيوب جاز لصاحب المصلحة الطعن فيه والمطالبة بإبطاله، وأهم هذه العيوب أو الأسباب التي تفسح المجال لتدخل القاضي و مساسه بحجية الشهر و خرقه لها من خلال إبطال العقد التوثيقي المشهر ما يلي:

(1)أمين بركات سعود، المرجع السابق، ص 54.

أولا: العقد المنطوي على غش أو تدليس
يعد التصرف المنطوي على الغش محلا للإبطال من قبل القاضي ولو كان مشهرا، وهذا انطلاقا من المبادئ العامة للقانون التي تقتضي حماية الغير من كل تصرف صادر عن غش عملا بقاعدة «الغش يفسد جميع التصرفات» وبالتالي إبطال تلك التصرفات.
ولقد أكد المشرع الجزائري على هذا المبدأ في القانون المدني في المواد 192 و 196 و 377 و 379 و 384 منه، وتأكيدا لهذا المبدأ نجد أن نظام الشهر العيني يسعى لتحقيق الاستقرار في المعاملات العقارية، وبالتالي فإن حرصه على حماية الحقوق العقارية بالشهر يفرض عليه في بعض الحالات عدم الإبقاء على التصرفات المبنية على الغش خاصة في مجال العقود المنشئة والناقلة للحق العيني العقاري، لا سيما في مجال البيوع المتتالية أي عندما يكون العقار محل بيع لمرتين، ويتم البيع الثاني قصد الإضرار بمصلحة الغير ( المتصرف إليه الأول).
ولقد تشدد القضاء الفرنسي إزاء التصرف للغير حسن النية واعتبره باطلا لعدم صحة تصرف السلف و حجته في ذلك أن نية الغير قد أفسدت بتلقيه حقا من شخص كان تصرفه مقترنا بالغش استنادا إلى قاعدة « لا يكون للخلف أكثر مما كان للسلف» وقد عبر عن موقفه هذا في قرار صادر عن محكمة النقض في 17/10/1961، لكن سرعان ما غيّر موقفه وقضى في قرار بتاريخ 22/03/1968 بعدم إبطال التصرف للغير حسن النية، بل ظل الاحتجاج به ممكنا(1).
كما أنه استقر على أن العلم بالتصرف السابق مع وجود نية الإضرار بالغير كاف لثبوت الغش وهو الموقف الذي اعتمده كل من القضاء المصري والمغربي(2) الذين يعتبران أن الغش يفسد العقد المشهر وبالتالي يتدخل القاضي و يبطل التصرف المشهر الذي ينطوي على سوء النية و التواطؤ.
أما عن موقف المشرع الجزائري، فإننا لا نجد نصا صريحا يشير إلى ذلك، إنما يمكن استنباط موقفه بطريقة غير مباشرة من خلال المادة 86 من المرسوم 76/63 المتعلق بتأسيس السجل العقاري التي تنص « أن فسخ الحقوق العينية العقارية أو إبطالها أو إلغاؤها أو نقضها عندما تنتج أثرا رجعيا لا يحتج به على الخلف الخاص لصاحب الحق المهدر إلا إذا كان الشرط الذي بمقتضاه حصل ذلك الفسخ أو الإبطال أو الإلغاء أو النقض قد تم إشهاره مسبقا أو كان هذا الفسخ أو الإبطال أو الإلغاء أو النقض بحكم القانون، تطبيقا للقانون».
يتضح من خلال هذه المادة أنه يشترط للطعن في التصرف المشهر سواء كان بالفسخ أو الإلغاء أو النقض أو الإبطال أن يتم بحكم القانون و تطبيقا له، وبالتالي يمكن إدراج الغش كسبب من الأسباب التي يجيز القانون فيها إبطال العقد الذي يحتوي علـى مثل هذا العيـب، لأنه من أهم المبادئ القانونية(3) وعليـه يمكن

(1)Marty Gabriel ، المرجع السابق، ص 153.
(2)معوض عبد التواب، الشهر العقاري والتوثيق علما وعملا، منشأة المعارف الاسكندرية 1986، ص 54.
وأنظر المادة 66/2 من قانون الظهير المغربي.
(3)موسى نسيمة، حجية العقود المشهرة، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، كلية الحقوق بن عكنون سنة 1988، ص 73.
القول بوجود مجال لتطبيق قاعدة الغش يفسد جميع التصرفات والعقود وإن كانت مشهرة لا سيما بعد إطلاعنا على القرار(1) الذي قضى « بأن الثابت في قضية الحال، أن الفريضة التي تم على أساسها البيع أمام الموثق لم تكن تشمل جميع الورثة الشرعيين، بتعمد من المدعين، فهذا بشكل غشا من شأنه أن يؤدي إلى إبطال البيع، ومن ثم فإن قضاة المجلس كانوا على صواب لما أبطلوا عقد البيع مسببين قرارهم تسبيبا كافيا».
ففي هذه الحالة يتدخل القاضي الذي يمكنه بسط سلطاته من خلال مراقبته لكل ما يخرج عن مبادئ القانون، ومن ثمة إبطاله للعقد المنطوي على تصرف فاسد دون مراعاة منه للشهر والمبدأ المطهر له وقوته الثبوتية التي ثبت أنها تبقى نسبية فقط وليست مطلقة عند تدخل القاضي.
ونرى أنه من الضروري أن ينص المشرع صراحة على ضرورة أن يكون التصرف سليما من كل عيب حتى يشهر لتسهيل وظيفة الشهر مثلما فعلت معظم التشريعات المقارنة –كما سبق بيانه-.
وعليه نستنج أن حجية العقد التوثيقي المشهر في هذه الحالة المنوه عنها أعلاه تزول بتدخل القاضي عند الطعن فيه وإبطاله للعقد المشهر وقد صدر في هذا الإطار عن محكمة البويرة - القسم العقاري - بتاريخ 27/05/2000 حكم تحت رقم فهرس 131/00 قضى بإبطال عقد البيع المبرم بين …و…المؤرخ في 24/11/1999 المحرر من طرف الموثق بودار يوسف والمشهر بالمحافظة العقارية، وبالنتيجة إرجاع الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد.

ثانيا : حالة العقد الصوري
يقصد بالصورية خلق وضعية قانونية ظاهرة تختلف عن الوضعية القانونية(2)، وقد تكون الصورية مطلقة كلما كان العقد الظاهري لا وجود له أساسا كبيع المالك أملاكه لتفادي الحجز و تنفيذ الدائنين عليه، فيتم الاتفاق في العقد المستتر أن البيع صوريا وليس حقيقيا.
وقد تكون صورية نسبية كحالة إخفاء الهبة بعقد صوري يكون في شكل بيع.
وهنا نتساءل حول ما إذا كان شهر العقد الظاهر بمنحه حماية معينة، وبذلك حتى وإن طعن فيه لا يمكن للقاضي إبطاله، أم أن للقاضي سلطة في ذلك؟
بالرجوع إلى التشريع الجزائري، نجد أن المادة 198 من القانون المدني تنص على أنه: « إذا أبرم عقد صوري فلدائني المتعاقدين والخلف الخاص متى كانوا حسني النية أن يتمسكوا بالعقد الصوري ».
يتضح من نص المادة أنه يمكن لدائن أحد المتعاقدين الطعن في صورية العقد، كما يمكن ذلك للخلف الخاص.
و التمسك بالعقد الصوري قد لا يحقق مصلحة الغير الذي يطالب في بعض الحالات بتنفيذ العقد الحقيقي.
أما فيما يتعلق بالعقود التوثيقية المشهرة الناقلة للملكية بارادتين وذلك تحت ستار عقد آخر، كعقد البيع الصوري الذي غالبا ما يكون إخفاء لعقد هبة، مما يؤدي إلى تعارض مصالـح دائني البائع و دائنـي


(1)قرار رقم 148561 الصادر عن الغرفة المدنية للمحكمة العليا بتاريخ 30/04/1997 المجلة القضائية لسنة 1997،العدد 2 ص 47.
(2)د.أدوار عيد، المرجع السابق، ص 168.
المشتري، إذ يكون من مصلحة بعضهم التمسك بالعقد الحقيقي، بينما يكون من مصلحة البعض الآخر التمسك بلعقد الصوري هذا من جهة، و من جهة ثانية فالشهر ليس من شأنه أن يجعل العقد الصوري حقيقيا، إذ لا يكفي الشهر وحده لنقل الملكية بل لابد من وروده على عقد صحيح.
وهذه الحالة نجد أنها مماثلة لحالة صدور البيع الثاني غشا، ومن هنا يمكن الاعتداد بالغش طالما كان الهدف من عملية الصورية هو منع انتقال الملكية للمشتري الأول عمدا وإلحاق الضرربه، وأكثر من ذلك فالبيع الثاني لا وجود له باعتباره صوريا صورية مطلقة(1). لذلك من حق المشتري الذي لم يشهر عقده أن يطعن في صورية هذا البيع ويطالب بإبطاله باعتباره دائنا للبائع بالتزام نقل الملكية وباعتبار أن عقده حقيقيا وليس صوريا.
وكمثال عن الصورية النسبية لجوء مالك العقار إلى إبرام عقد هبة مستترة في شكل بيع صوري، ويتم إخضاع هذا العقد الأخير إلى إجراء الشهر، وهنا يكون من حق دائني البائع المطالبة بعدم نفاذ العقد الصوري لتمكين الدائن التمسك بالعقد الصوري، حيث لا يسري عقد الهبة عليه في هذه الحالة باعتبار أنه تصرف يؤدي إلى إعسار المدين وإفقار ذمته في حالة نفاذه، وعليه فالشهر لا يعتبر عائقا للطعن في العقد التوثيقي المشهر الذي يكون الغرض منه الإضرار بمصلحة دائني البائع أو الخلف الخاص.
وعليه و استنادا إلى كون نظام الشهر يحمي التصرف المشهر ولو كان معيبا، فيكون للدائنين التمسك بالعقد الحقيقي أو الصوري وفقا لمصالحهم ولا يحول الشهر دون ذلك(2).
بناءا على ما سبق يتضح أن للقاضي كامل السلطة في إبطال العقد التوثيقي المشهر إذا ما تم الطعن فيه من ذوي المصلحة، إذ يقدر ما إذا كان التصرف صوريا أو لا، ومن ثمة يبطله، لكن في الواقع العملي يقع القاضي في حيرة من أمره عندما يتمسك دائنو البائع بالعقد الحقيقي ويطالبون بعدم نفاذ العقد المشهر في مواجهتهم ،وبالمقابل يطالب الخلف الخاص للمشتري بالعقد الصوري و يحتجون بالعقد الظاهري المشهر استنادا إلى كون تعاملهم كان مبنيا على ما هو مدون بالسجل العقاري الذي يفترض أنه دليل في مواجهة الغير.
بتحليل هذه الوضعية وموازاتها ومبادئ الشهر العيني، نجد أن قواعد الصورية تتفق ونظام الشهر العيني في تفضيل العقد الصوري انطلاقا من الوظيفة الإعلامية التي يؤديها الشهر –كما سبق بيانه، وعليه فالمنطق القانوني يقضي أنه لا يمكن القضاء على الظاهر بمجرد وجود من يطالب بتحقيق مصلحة خاصة فقط، وذلك حماية لاستقرار المعاملات والأوضاع الظاهرة و تدعيم نظام الشهر العيني لهذا الأمر.
ويبقى هذا مجرد رأي و تفسير مبني على الأسس التي جاء بها نظام الشهر والتي يجب تحقيقها، ورغم ذلك لاحظنا على مستوى التربص الميداني أن القاضي عند تقديره لصورية العقد التوثيقي المشهر

(1)معوض عبد التواب (الشهر العقاري والتوثيق علما وعملا)، ص 134.
(2)موسى نسيمة، المرجع السابق، ص 72.

يقضي بإبطاله دون إعطاء أهمية للشهر، ولدينا في هذا الصدد عدة أحكام من بينها الحكم الصادر عن القسم العقاري لمحكمة البويرة بتاريخ 29/07/2003 تحت رقم 154/03 الذي قضى بإبطال عقد الهبة المؤرخ في 18/01/1994 المبرم بين ……و…… المحرر من قبل الموثق عطوي ناصر والمشهر بالمحافظة العقارية.
إذ يبقى للقاضي كامل السلطة التقديرية في القضاء بإبطال العقد المشهر بسبب صوريته، كما له أن يقرر صحة العقد الظاهر إيمانا منه بحجية الشهر العيني ومساهمة منه في تقوية الوضع الظاهر، حيث تبقى هذه المسألة خاضعة لسلطة القاضي و منطقه الذي يعمل به، ذلك لأن المشرع الجزائري لم يأت بنص في القانون المدني يعالج مسألة تعارض مصالح الغير و حسم الموقف بتفضيل مصلحة الغير الذي يتمسك بالعقد الصوري الظاهري أو العكس كما أنه لا وجود لاجتهاد قضائي يفصل في هذه المسألة عكس القضاء المصري الذي فصل في هذه النقطة وحسم الأمر منذ زمن بعيد في الطعن رقم 206 لسنة 17 ق جلسة 29/12/1949(1). حيث كرّس مبدأ مفاده أن «التسجيل (الشهر) لا يمكن أن يوجد للعقد الصوري آثارا قانونية لم تكن له، فيقف في مضمار المفاضلة مع عقد جدي صحيح صادر من نفس البائع ولو كان غير مسجل».
وهو الأمر الذي تواترت عليه محكمة النقض المصرية إذ بقيت في نفس الاتجاه فأكدت في الطعن رقم 312 لسنة 40 ق جلسة 13/12/1977(2). من خلال ما جاء في حيثيات قرارها :«إذا كانت محكمة الموضوع قد انتهت في حدود سلطتها التقديرية إلى أن التصرف الصادر من المورث إلى بعض الطاعنين لم يكن منجزا لأنه يخفي وصية للأسباب السائغة التي أوردتها ومنها الحكم … الذي قضى باعتبار العقد الصادر عن المورث إلى فريق الطاعنين هو في حقيقته وصية، فإنه لا يكون لتسجيل العقد حال حياة البائع أي أثر في تصحيح التصرف أو نقل الملكية، لأن التسجيل لا يصحح عقدا باطلا ولا يحول دون الطعن فيه بأنه أخفى وصيته».
ويمكن قبول موقف محكمة النقض المصرية نظرا لأخذ المشرع المصري بنظام الشهر الشخصي، في حين القاضي الجزائري نجد أن له سلطة في إبطال العقد الصوري المشهر أو جعله غير نافذ في مواجهة ذوي الشأن عند الطعن فيه، وهو ما يتعارض و مبادئ الشهر العيني دون أن نجد لذلك تبريرا إلا بإرجاع ذلك إلى ذهنية القاضي الذي لم يستسغ بعد مفاهيم الشهر العيني و حجته وكذا عدم وضوح النصوص والفراغات الموجودة بها، وأكثر من ذلك فالأمر بعد مقبولا وعاديا للغاية طالما أنه لحد الساعة لا زال نظام الشهر الشخصي معمول به.
لذلك نقول أنه تبقى للقاضي سلطة تقديرية واسعة في إبطال العقد الصوري المشهر وإعدام آثاره متى قدر أنه صوري والعكس صحيح.

(1)معوض عبد التواب (الشهر العقاري والتوثيق علما وعملا) ص 131.
(2)معوض عبد التواب، المرجع نفسه، ص 131، 132.

ثالثا: العقد الوارد على ملك الغير
إن الشهر في ظل نظام الشهر الشخصي يتم بالنظر إلى أسماء الأشخاص، فلا يمكن بذلك التحري عن صحة امتلاك الشخص للعقار، إذ يتعذر الوصول إلى معرفة المالك الحقيقي، وعليه فسند الشهر لا قيمة له، إذ أنه قد يؤدي إلى إضافة تصرفات شخص إلى شخص، وبالتالي فبيانات الشهر لا توفر الحماية لأنها تتعلق بشهر التصرفات كما هي بما يلحقها من عيوب، لذلك أجازت المـادة 397 من القانون المدنـي الطعن في عقد البيع المشهر إذا ما نصب على ملك الغير بنصها على أنه:«إذ باع شخص شيئا معينا بالذات وهو لا يملكه، فللمشتري الحق في طلب إبطال البيع ويكون الأمر كذلك ولو وقع البيع على عقار أعلن أو لم يعلن بيعه.
وفي كل حالة لا يكون هذا البيع ناجزا في حق مالك الشيء المبيع ولو أجازه المشتري».
وعليه يكون للمالك الحق في رفع دعوى الاستحقاق العقاري والطعن في عقد البيع الوارد على ملكه، إلا أن هذا الطعن - وإن كان يحمي مالك العقار الحقيقي – إلا أنه يؤدي إلى زعزعة الثقة في استقرار المعاملات العقارية، وبالتالي نستنتج أن المادة 397 ق.م يكون مجال تطبيقها في المناطق التي ما زالت تخضع لنظام الشهر الشخصي، الأمر الذي أكدت عليه المادة 27 من الأمر 75/74 والمادة 113 من المرسوم 76/63 السالف الإشارة إليهما.
من هذا المنطلق يصعب تصور احتمال ورود تصرف على ملك الغير في ظل نظام الشهر العيني نظرا لدقة إجراءات الشهر التي تقتضي البحث عن أصل الملكية والتأكد من مطابقة البيانات الواردة في السجل العقاري مع الوثائق المقدمة، إذ أن البيانات الواردة بالسجل العقاري تعبّر عن الحقيقة، كما تكسب الحقوق العينية الحجية المطلقة. ورغم ذلك قد يتصور حدوث ذلك ولو بصفة غير مباشرة، وذلك في حالات المعينة لوجود ظروف خاصة كحالة زوال الملكية بأثر رجعي لسبب من أسباب الفسخ أو الإبطال أو الإلغاء، إذ يصبح المالك كأنه لم يكن مالكا للعقار وبالتالي يزول مركز المتصرف إليه الأخير تبعا لذلك، هذا الأخير الذي لا يمكن اعتباره قد أخطأ، نظرا لشهر العقد واعتماده على ما هو وارد في السجل العقاري من بيانات تؤكد على ملكية المتصرف(1).
ويجب التأكد من خلو التصرف من تعليق الملكية على شرط واقف أو فاسخ لأن الشهر لمثل هذا الأمر يفيد علم المتصرف إليه الأخير بأن الملكية مهددة بالزوال، فإذا قبل ذلك عليه تحمل النتائج المترتبة على ذلك.
ويمكن إدراج حالة رجوع الواهب عن الهبة ضمن التصرف في ملك الغير، فبالرجوع إلى المادة 211 من قانون الأسرة وكذا المذكرة الصادرة بتاريخ 14/02/1994 تحت رقم 626 عن مديرية الأملاك الوطنية، فإن الرجوع في الهبـة مقرر استثناء للأبوين فقط في الهبة التي يرتبونها لأبنائهم بشـروط نصت


(1)موسى نسيمة، المرجع السابق، ص 85.
عليها نفس المادة، وهذا دون حاجة اللجوء إلى القضاء، إذ يكفي التصريح بالرجوع أمام الموثق بالإرادة المنفردة، بمعنى إلغاء الحق بنفس الشكل الذي نشأ به.
إلا أنه في الحياة العملية نجد أن الأب يلجأ إلى القضاء للرجوع في هبته ولنا مثال صادر عن القسم العقاري لمحكمة البويرة بتاريخ 22/05/2001 تحت رقم 129/01 قضى بإبطال عقد الهبة المحرر من طرف الموثق بودار يوسف المؤرخ في ------ والمشهر ---- وإرجاع الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها.
ونرى أنه كان من المفروض قانونا على القاضي أن يقضي بانعدام المصلحة لعدم وجود نزاع لاسيمـا وأنه جاء في حيثيات الحكـم أن المدعي وهب لابنه ثلاثة قطع أرضية ---- ولأسباب عائلية تراجع عن الهبة الأمر الذي وافق عليه الموهوب له (المدعى عليه)، إذ كان على القاضي الفصل بعدم قبول الدعوى لانعدام المصلحة، لأن للواهب الحق في الرجوع بنفس الشكل الذي نشأ به الحق كونه حق إرادي.
استنادا إلى ما سبق ذكره يتأكد مبدئيا إمكانية ورود تصرف على ملك الغير في ظل نظام الشهر العيني ففي هذه الحالة هل يمكن للقاضي إبطال العقد التوثيقي المشهر بسبب وروده على ملك الغير أم أن الأمر يختلف عن الحالتين السابقتين؟
إن الإشكال يكمن في مسألة نفاذ التصرف المنصب عليه العقد في مواجهة المالك الحقيقي أو عدم نفاذه، إذ أنه إذا طعن المالك عن طريق دعوى الاستحقاق وطالب بعدم نفاذ التصرف في حقه، يجب التأكد والتحقق من أن الملكية أو الحق لم ينتقل بعد للغير.
حيث أن مصير المالك الحقيقي مرهون بشهر الدعوى أو عدم إشهارها ومدى تأثير ذلك على حقوق الغير، إذ كلما سارع إلى شهرها طبقت عليه قواعد الشهر ليتمكن من استرداد ملكية العقار، كما أن نفس القاعدة أي أسبقية الشهر تساهم في حرمانه من استحقاق ملكيته إذا ما تم التصرف للغير الذي قام بالشهر قبل المالك الحقيقي.
وعليه فالطعن بدعوى الاستحقاق قد لا تمكن صاحبها من استرداد حقه في جميع الحالات نظرا لتعلق حقوق الغير بالعقار(1)، إذ تدعيما للظاهر الذي يعد من أهم أسس، لشهر العيني، يكون الغير حسن النية أولى بالحماية القانونية إلا أن نظام الشهر –كما سبق بيانه- لا يعتد بمعيار حسن أو سوء النية في شهر التصرفات بمفهوم المبادئ العامة للقانون المدني، بل بوجود أو عدم وجود تواطؤ أو عش فقط، فإذا خلى العقد من هذين العيبين كانت قاعدة الأسبقية في الشهر هي المعتد بها، بمعنى أن التصرف في ملك الغير يعتبر صحيحا وفقا لنظام الشهر العيني طالما أشهر العقد المنطوي عليه.
وبالتالي منح حماية للغير الذي قد يكون سيئ النية على حساب المالك الحقيقي يتناقض والمبادئ العامة للقانون وتبرير ذلك هو اعتماد نظام الشهر القائم على الظاهر وما هو مدون بالسجل العقاري طالما كان خاليا من تواطؤ أو غش(2).

(1)موسى نسيمة، المرجع السابق، ص 86.
(2)د.معوض عبد التواب ( السجل العيني علما وعملا) ص 46، 47.
وعليه نقول أن سلطة القاضي في إبطال العقد التوثيقي المشهر المنصب على ملك الغير مقيدة، حيث أنه إذا قدّم طعن في العقد المنصب على ملك الغير وطالب المالك الحقيقي بإبطال التصرف الوارد في ملكه تكون سلطة القاضي في هذه الحالة مقيدة، برجوعه إلى تحديد وقت شهر الدعوى و تحققه مما إذا تم شهرها قبل انتقال الحق للغير أو بعد ذلك.
ففي الحالة الأولى يقضي بإبطال العقد لوروده على ملك الغير.
بينما في حالة الثانية لا يمكنه القضاء بإبطال العقد، وبذلك لا يبقى للمالك الحقيقي سوى المطالبة بالتعويض كون الملكية انتقلت بالشهر، وبذلك يكون التصرف نافذا في مواجهته.
ونرى في هذا الصدد أن الحماية القانونية للظاهر و تحقيقها للثبات في المعاملات العقارية لا ينبغي أن تكون على حساب المالك الحقيقي وإثراء الغير بدون وجه حق.
وطبقا لما قررته المادة 24 من الأمر 75/74 من حيث أن قرارات المحافظ العقاري تكون قابلة للطعن أمام الجهات القضائية المختصة، كقرارات رفض الشهر أو القرارات الشهر في حد ذاتها كالحالة السابق توضيحها، إذ قد يشهر المحافظ العقاري عقدين توثيقيين واردين على نفس العقار، فهنا يكون من حق المتصرف إليه الأول الذي كانت له الأسبقية في الشهر -علاوة على طلب إبطال العقد التوثيقي الناقل للملكية على أساس أنه تصرف في ملك الغير فإن القانون منحة إمكانية الطعن في إجراء الشهر ذاته وطلب إلغائه الذي يكون برفع دعوى ضد المحافظ العقاري أمام الغرفة الإدارية الواقع بدائرة اختصاصها المحافظة العقارية العامل بها المحافظ الذي أشهر العقد، ذلك أن النزاع يتمثل في دعوى الإلغاء نظرا لكون الشهر يعد قرارا إداريا صادرا عن المحافظ العقاري مستندا في ذلك إلى خطأ هذا الأخير.
إذ المفروض أن الشهر لا يحقق آثاره إلا إذا كانت الوثائق المسلمة للحافظ العقاري صحيحة وخالية من العيوب، حيث يكون للمحافظ الدور الكبير في تجسيد أو عدم تجسيد تلك الآثار بشكل صحيح، إذ بإمكانه رفض شهر بعض التصرفات إذا تبين له عدم صحتها لا سيما إذا فصح أصل الملكية ووجد أن العقد يرد على ملك الغير، فهنا يتعين عليه رفض شهر ذلك العقد، فإذا ما حدث وأن قام بإشهاره دون التفطن إلى كونه وارد على ملك الغير، فإنه يكون مسؤولا عن إجراء الشهر بسبب ارتكابه خطأ كهذا أو أي خطأ آخر، مما يجعل قراره عرضة للطعن فيه عن طريق دعوى الإلغاء.
ولنا في هذا الصدد مثال تطبيقي حي يتمثل في قرار صادر عن الغرفة الإدارية لدى مجلس قضاء الجزائر بتاريخ 18/06/2002 تحت رقم 655/02(1).
ويتخلص موضوع هذا القرار في أن النزاع الذي عرض على الغرفة يتمحور حول إلغاء إجراءات الشهر واستدراك الخطأ الذي اركبه المحافظ العقاري بإشهاره للعقد التوثيقي لمبرم بين السيدة مزي فطومة و السيدين بكار لخضر و بكار مصطفى (عقد بيع ثان) وذلك بغرض إعدام آثار هذا العقد بعد إلغاء الشهر، وبالتالي عدم الإحتجاج به في مواجهة الغير، ذلك أن هذا العقد الأخير تبين أنه أشهر خطأ مما يستوجب إلغاؤه كون العقار محل البيع لم يعد ملكا للبائعة بعد أن تصرفت فيه بعقد بيع أول لفائدة خالف عبد رشيد،

(1)القرار منح لنا في إطار العمل على تحييث بعض قرارات مجلس الدولة.
حيث بذلك تكون قد أنشأت لنفسها بطاقتين عقاريتين مختلفين وهذا بسبب الخلط في اسمها الذي حال دون تمكين المحافظ العقاري من معرفة الخطأ الواقع أثناء عملية الإشهار بسبب حملها للقبين مختلفين.
وحيث أنه بعد التحقيق وبناء على التعليمات الواردة من المديرية العامة للأملاك الوطنية تبين أن الشهر العقاري الواقع بتاريخ 08/07/1990 من طرف المحافظة العقارية لولاية الجزائر على عقد البيع الثاني، قد وقع خطأ تبعا لخلل في مسك البطاقات الخاصة لأملاك الأشخاص.
وبناء على إرسالية مؤرخة في 26/09/1999 تحت رقم 922 فإن المدير العام للأملاك الوطنية قد اعترف بوجود هذا الخطأ من طرف مصالحهم وأمرهم بتسوية وضعية العارض.
وقد انتهت الغرفة الإدارية – رغم هذه الدفوع والمبررات- إلى رفض الدعوى لعدم التأسيس مستندة في ذلك إلى أن الثابت في القضية هو وجود عقدين توثيقيين (عقد بيع) الأول تم أمام السيد كايلي أحمد موثق بتيارت حرر بتاريخ 08/12/1984 مشهر بالمحافظة العقارية للجزائر في 11/12/1984 مجلد 165 رقم 39 بموجبه باعت ملزي فطومة قطعة أرض بمنطقة لامادلين بحيدرة للمدعى، والثاني يتعلق ببيع نفس القطعة الأرضية من قبل نفس البائعة الأولى لفائدة الأخوين بكار محرر من قبل الموثق براكسي بتاريخ 28 و29/06/1986 مشهر بالمحافظة العقارية للجزائر في 08/07/1990 مجلد رقم 44.
وحيث أن العقدين مازالا قائمين صحيحين إلى أن يثبت العكس بإبطال أحدهما من الجهات المختصة كما رأت الغرفة الإدارية أنه ليس من صلاحياتها إلغاء إجراء عقد توثيقي ما يزال قائما وصحيحا وعليه رفضت الدعوى لعدم التأسيس.
وهذا القرار هو محل استئناف أمام مجلس الدولة إلى غاية اليوم لم يتم الفصل فيه بعد.
ويرى بعض القضاة أنه كان بإمكان الغرفة الإدارية الفصل وإلغاء إجراء شهر عقد البيع الثاني، طالما تبين لها خطأ المحافظ العقاري في إشهاره للمرة الثانية نفس العقار أي شهر على شهر، وبذلك تكون مختصة في إلغاء هذا الشهر باعتباره يشكل قرارا إداريا صادرا عن موظف إداري ألاّ وهو المحافظ العقاري، طالما أن العمل الإداري يخضع لرقابة الغرفة الإدارية وحدها، وبذلك كان ينبغي على الغرفة الإدارية أن تقضي بإلغاء إجراء الشهر الثاني إعمالا للمادة 24 من الأمر 75/74 التي تنص على أن قرارات المحافظ العقاري قابلة للطعن أمام الجهات القضائية.
غير أننا نرى أنه في هذه الحالة أي عند إلغاء إجراء شهر العقد الثاني المنصب على العقار سيزول الشهر لكن يبقى العقد قائما طالما لم يطعن فيه، وبالتالي نميل إلى رأي الغرفة الإدارية التي نجد أنها أصابت في تسبيبها، ذلك أن المدعي لجأ إلى الطعن في إجراءات شهر عقد البيع الثاني، وبذلك يكون قد طعن في النتيجة مباشرة باعتبار أي الشهر آخر مرحلة يمر بها العقد التوثيقي وما أثره إلا نقل الملكية، في حين كان عليه اللجوء إلى القضاء العادي للطعن في العقد الثاني باعتباره تصرفا في ملك الغير مطالبا بإبطاله، ومن ثمة إعدامه تماما، مما يؤدي إلى زوال الشهر ضمنيا بعد شهر الحكم أو القرار النهائي القاضي بالإبطال، وعليه لا يترتب أثره في نقل الملكية للمتصرف إليه الثاني دون حاجة إلى الطعن في إجراءات الشهر، وتبقى له إمكانية الرجوع على المحافظ العقاري بالتعويض عن خطئه لا غير – كما سبق الإشارة إليه.

الفرع الثاني : أسباب إبطال العقد التوثيقي المصرح بالملكية (عقد الشهرة)
لقد تبنى المشرع الجزائري هذا النوع من العقود من أجل تطهير الوضعية العقارية للمناطق التي لم تتم فيها بعد عملية المسح العام للأراضي وتأسيس السجل العقاري، ويعتبر هذا العقد محررا رسميا وبالتالي له حجية في الإثبات على الناس كافة. و طالما أن عقد الشهرة حرر بناء على تلقي تصريحات الشهود المتعلقة بالحيازة طبقا للمادة 827 من القانون المدني –كما بيناه في تعريفه في الفصل الأول – فإن تقدير هذه الشهادة يبقى خاضعا للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع ولا معقب عليهم من قبل المحكمة العليا، ورغم ذلك و موازاة مع مبدأ القوة الثبوتية للشهر ذهبت بعض الجهات إلى إعطاء عقد الشهرة حجة أكثر مما منحها له القانون إلى درجة القول أنه لا يقبل الطعن فيه إلا عن طريق التزوير، إلا أن المؤكد أن عقد الشهرة ما هو إلا عقد تقريري وليست له أية حجية إلا وفقا لما منحه القانون، وهو الأمر الذي أكدته الغرفة العقارية للمحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 29/03/2000 تحت رقم 190541 (1)الذي جاء فيه :« إن القرار المطعون فيه الذي قضى برفض دعوى الطاعن الرامية إلى إثبات ملكيته على الأرض المتنازع عليها بحجة أن ملكيتها تعود إلى البلدية ولعدم ثبوت حيازته لها مستبعدا بذلك عقد الشهرة المتمسك به من طرف الطاعن، فإنه أصاب فيما قضى لأن عقد الشهرة حجيته محدودة في تصريحات الشهود التي يمكن إثبات عكسها باعتباره عقد تقريريا».
فهذا القرار قد أكدّ صراحة الصفة التقريرية لعقد الشهرة، وبالتالي يمكن لأي طرف معني إثبات خلاف ما جاء فيه بكافة الوسائل المقررة قانونا، ولعل هذا الأمر هو ما أدى إلى انتشار القضايا المتابعة أمام قسم الجنح المتمثلة في جنحة التصريح الكاذب انطلاقا من الطعن في شهادة الشهود والتشكيك في صدق و صحة تصريحاتهم وعدم توفر صاحب العقد على شروط الحيازة وفقا للقانون المدني، وفي هذه الحالة القاضي الجزائي لا يفصل في هذه القضايا ويطلب من الضحية تقديم القرار المدني النهائي الذي يقضي بإبطال عقد الشهرة، بمعنى أنه يرجئ الفصل فيها إلى غاية الفصل في الدعوى العقارية التي يكون موضوعها إبطال عقد الشهرة، فهي تعد بذلك مسألة أولية تؤدي إلى وقف الفصل في الجزائي إلى غاية الفصل في المدني(2).
وانطلاقا مما سبق ذكره تتأكد حجية عقد الشهرة التي تبقى محدودة وبالتالي يجيز هذا الأمر لصاحب المصلحة المطالبة بإبطال عقد الشهرة أمام القضاء، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن الأسباب الداعية للإبطال ومدى تقدير القاضي لها.
قبل الإجابة على هذا التساؤل نشير إلى نقطة نرى أنها جد مهمة وهو أننا لاحظنا في العديد من القضايا المتعلقة بإبطال عقد الشهرة أنها تنتهي بحكم عادة بل غالبا ما يقضي فيها القاضي بالإلغاء أي القضاء بإلغـاء عقد الشهـرة يدل قول إبطال عقـد الشهـرة، و عند محاولتنا لمعرفة الفـرق أو أهميـة التفرقة

(1)حمدي باشا عمر، حماية الملكية العقارية الخاصة، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، طبعة 2002، ص 33.
(2) أنظر قرار رقم 26248 المؤرخ في 04/07/1983، المجلة القضائية لسنة 1989، العدد 01، ص 362
العملية من حيث التسمية لم نجد للأمر تبريرا قانونيا، بل أن معظم القضاة يجمعون على أن المقصود بإلغاء عقد الشهرة إبطاله لا غير ونفس الآثار تترتب في الحالتين، كل ما في الأمر أن القضاة التبس عليهم الأمر نظرا لحداثة مثل هذه العقود وتميزها من خلال إجراءات إعدادها وتحريرها، وإن كان هذا تبرير القضاة الذين استفسرناهم عن الأمر، إلا أن الأستاذ زودة عمر(1) فرق بين الإلغاء و البطلان إذ يرى أن الطعن في عقد الشهرة يتناول ناحيته الشكلية والموضوعية، فإذا انصب الطعن على الجانب الشكلي تعرض عقد الشهرة للبطلان، أما إذا انصب الطعن على الجانب الموضوعي كعدم توافر أركان الحيازة وشروط صحتها تعرض العقد للإلغاء ويمكن تبرير ذلك بكون خرق القواعد والإجراءات القانونية يرتب بطلان التصرف، وبالتالي طالما أن عقـدة الشهرة يعـم بموجب إجـراءات وشكليـات معينة فإن خرقهـا سيؤدي إلى بطلان العقد إلا أنه في نفس الوقت يمكن القول أن إجراءات الشهر تعد إجراءات إدارية يقوم بها المحافظ العقاري الذي يعتبر موظفا إداريا وعليه فالطعن في مخالفة مثل هذه الإجراءات يعد طعنا في قرار إداريا وبالتالي يصلح عليه مصطلح الإلغاء أكثر من البطلان، بينما إذا تم الطعن في عقد الشهرة في جانبه الموضوعي أي مدى توافر أركان وشروط الحيازة نكون طبقا للقواعد العامة أمام إبطال العقد وليس إلغاء.
ومهما يكن الأمر أو التسمية وطالما لا اختلاف في الآثار المترتبة عن الإبطال أو الإلغاء وبالتالي لا وجود لأهمية في التفرقة من الناحية العملية، فإننا سنتناول فيما يلي أهم الأسباب التي يؤدي إلى إبطال عقد الشهرة.
يتضح من المرسوم 83/352 والمنشور الوزاري المشترك رقم 04513 المطبق له، أن عقد الشهرة يتطلب لإعداده جملة من الشروط –سبق تبيانها في المبحث الثاني من الفصل الأول- لا حاجة لإعادة ذكرها.
وعملا بالمادتين 1 و 2 من المرسوم أعلاه، فإن الموثق هو الشخص الوحيد المؤهل قانونا لإعداد هذا العقد المتضمن الاعتراف بالملكية، هذا الأخير الذي يلتزم بإجراءات قبل إعداد وتحرير العقد وبعده –سبق ذكرها آنفا.
وطالما أن عقد الشهرة ينبغي أن يستوفي الشروط المذكور سابقا، فإن تخلف أي شرط يؤدي إلى المطالبة بإبطاله من طرف المعني –صاحب المصلحة- أمام الجهة القضائية المختصة. وهنا تبدأ سلطة القاضي في الإبطال تتضح، إذ يمكن إرجاع وربط هذه السلطة بمدى توافر هذه الشروط من عدمها، لاسيما وأن عقد الشهرة يعتمد أساسا على أحكام المادتين 827 و 828 ق.م، وعليه يبقى الحائز على حالته وعند تعرضه لمخاصمة قضائية، يتولى القاضي إصدار حكم أو إجراء قبل الفصل في الموضوع طبقا للمادة 61 ق.ا.م و اعتماد المادة 48 منه للوصول إلى القناعة الكاملة بتوافر شروط الحيازة أم لا.
وقد لاحظنا على مستوى التربص العديد من القضايا المطروحة على القسم العقاري المنصبة حول المطالبة بإبطال عقد الشهرة والتي يستعمل القاضي سلطته الكاملة في التحقيق للوصول إلى حقيقة الحيازة،


(1)تعليق على قرار المحكمة العليا الصادر بتاريخ 09/03/1998 رقم 129947 عن الغرفة الإدارية المرجع السابق، ص 16.

وغالبا ما يلغي أو يبطل القاضي عقد الشهرة بسبب عدم توافر الشروط الموضوعية لعقد الشهرة أو لسبب في العقار محل الحيازة أو بسبب عدم احترام الموثق لإجراءات إعداد وتحرير عقد الشهرة.
وسندعم أسباب الإبطال هاته بمجموعة من الأمثلة التطبيقية في هذا الصدد.

أولا: الإبطال بسبب عدم توافر لشروط الموضوعية (أركان وشروط الحيازة بمفهوم المادة 827 ومايليها من القانون المدني)
الحيازة هي سلطة الشخص على شيء معين يتصرف فيه تصرف المالك في ماله(1) يتضح بذلك أن للحيازة عنصرين مادي ومعنوي.
المادي وهو وضع اليد على الشيء أو على الحق طريق السيطرة الفعلية عليه واستعماله والتصرف فيه.
والمعنوي يقصد به ظهور الحائز مظهر المالك أي تبرز نيته في التملك.
ويشترط في هذه الحيازة أن تكون هادئة، علنية ومستمرة دون انقطاع، وكي ترتب الحيازة آثارها، يجب أن تكون خالية من العيوب التي نص عليها المشرع في المادة الأولى من المرسوم 83/352 السابق ذكره والتي ورد ذكرها أيضا بالمادة 808 من القانون المدني التي نصت على أنه:« إذا اقترنت الحيازة بإكراه أو حصلت خفية أو كان فيها التباس فلا يكون لها أثر تجاه من وقع عليه الإكراه أو أخفيت عنه الحيازة أو التلبس عليه أمرها إلا من الوقت الذي تزول فيه هذه العيوب». وعليه فهذه العيوب تتمثل في الإكراه، وعيب الخفاء وعيب الغموض أو اللبس إذ يجب أن تكون الحيازة واضحة لا لبس ولا غموض فيها، ويعد هذا العيب صعب التقدير نوعا ما لأنه يصيب الركن المعنوي لا الركن المادي، إذا لا يمكن تحديد ما إذا كان الحائز يحوز لنفسه أو لغيره كما في حالة حيازة الشريك لمال على الشياع.
إضافة إلى عيب عدم الاستمرار أي عدم انقطاع أعمال السيطرة المادية من الحائز على الشيء لفترات متباعدة حتى لا نكون أمام حيازة مشوبة بعيب عدم الاستمرار.
مع ضرورة توافر شرط المدة، إذ يشترط في الحائز للعقار أن يكون قد حازه للمدة المقدرة قانونا والمقدرة بخمسة عشر سنة وفقا لما تقتضيه المادة 827 من القانون المدني.
وعليه إذا تخلف ركن من ركني الحيازة أو شرط من شروط صحته نكون أمام حالة من الحالات التي تسمح بالطعن في عقد الشهرة وبالتالي إمكانية إبطاله.
وفي هذا الإطار لدينا حكم صادر عن القسم العقاري لمحكمة البويرة – مكان التربص الميداني – صدر بتاريخ 02/01/2001 تحت رقم فهرس 06/01 الذي قضى بإلغاء عقد الشهرة المحرر من طرف الموثق جمعة موحوش بتاريخ 28/05/1991 والمسجل بالبويرة بتاريخ 24/06/1991 والمشهر لدى المحافظة العقارية بتاريخ 09/07/1991 --- وذلك استنادا إلـى عدم ثبوت أن حيازة المدعى عليـه هي


(1)زودة عمر، دروس في قانون الإجراءات المدنية ( موضوع دعوى الحيازة)، ملقاة على طلبة السنة الأولى بالمعهد الوطني للقضاء، سنة 2001/2002.

حيازة هادئة ومستمرة غير متقطعة ولا متنازع عليها لمدة 15 سنة دون انقطاع، وهذا بعد إجراء تحقيق لإظهار الحقيقة تطبيقا لأحكام المادة 61 و ما يليها من قانون الإجراءات المدنية، حيث جاء في حيثيات القاضي أنه:
حيث أنه بالرجوع إلى محضر التحقيق القضائي المؤرخ في 21/11/2000، يتبين أن الشاهد --- المولود --- صرح بعد أدائه اليمين القانونية بأنه يعرف القطعة الأرضية موضوع النزاع منذ سنة 1985 لما قام بشراء القطعة المجاورة لها وأكد أنها عبارة عن أرض بور غير محروثة ولا مغروسة ولم يستغلها لا المدعى ولا المدعى عليه وهو الأمر الذي أكده الشاهد الثاني …
حيث أنه لعدم تقديم المدعى عليه أي دليل يثبت حيازته للقطعة الأرضية موضوع عقد الشهرة المطلوب إلغاؤه، حيازة هادئة ومستمرة غير متقطعة ولا متنازع عليها لمدة 15 سنة بدون انقطاع رغم تأجيل القضية لعدة مرات ومنح المدعى عليه فرصة الحضور و إحضار شهوده لإجراء تحقيق…
حيث وبناء على تصريحات شهود المدعي اللذين أكدا بأن الأرض موضوع النزاع هي عبارة عن أرض بور غير مغروسة ولا محروثة يدل على عدم حيازة المدعي عليه للقطعة الأرضية محل عقد الشهرة، وبالتالي عدم توفر الشروط المنصوص عليها بأحكام المادتين الأولى والثانية من المرسوم 83/352، لذلك يتعين معه إلغاء عقد الشهرة المحرر --- ( وهنا استعمل القاضي مصطلح الإلغاء وليس الإبطال كما سبق بيانه).
فمن خلال هذا المثال تبرز سلطة القاضي الواسعة في تقديره لمدى توافر شروط الحيازة من عدمها لا سيما وأنها تتعلق بواقعة مادية يمكن إثباتها بكافة الوسائل، علما أن هذه الصورة أي هذا السبب في الطعن بإبطال عقد الشهرة منتشر ومطروح بكثرة أمام القضاء.

ثانيا: الإبطال بسبب عدم احترام الموثق لإجراءات تحرير عقد الشهرة
سبق الذكر أن الموثق يلتزم بإرسال ملف إعداد عقد الشهرة لطلب رأي كل من رئيس المجلس الشعبي البلدي ومدير أملاك الدولة المختصين إقليميا، إضافة إلى عمله على نشر طلب إعداد العقد، فإذا تلقى الموثق اعتراضات ممن يهمهم الأمر في المهلة المحددة قانونا، أحالهم على الجهة القضائية المختصة لحل النزاع وفقا لما تقتضيه المادة 8 من المرسوم 83/352، فإن خالف إحدى هذه الإجراءات يكون قد ترك ثغرة تسمح للقاضي بالتدخل وإبطاله لعقد الشهرة المحرر من قبله.
وفي هذا الصدد صدر عن محكمة البويرة في قسمها العقاري حكم بتاريخ 08/02/2000 تحت رقم 50/00 قضى بإلغاء عقد الشهرة المحرر من طرف الموثق عطوي ناصر وذلك على أساس أن السيد الموثق لما قام بإعداد عقد الشهرة بالرغم من الاعتراض الذي قدم أمامه، والذي كان في الآجال المنصوص عليها بالمادة 5 من المرسوم 83/352 يكون قد خالف و خرق الإجراءات المنصوص عليها بالمادة 8 من نفس المرسوم.

ثالثا: الإبطال بسبب طبيعة العقار محل عقد الشهرة:
للقاضي سلطة في إبطال عقد الشهرة إذا ما تبين له أن العقار محل الحيازة من الأملاك الوطنية التي لا يجوز تملكها بالتقادم طبقا للمادة 689 ق.م، وهو ما أكده القرار الصادر عن الغرفة الثالثة لمجلس الدولة بتاريخ 24/04/2000 تحت رقم 193900 (غير منشور) (1)، إذ اعتبـر أن القطعـة الأرضية المراد الاعتـراف بملكيتها عن طريق التقادم كانت محل إدماج في الاحتياطات العقارية للبلدية، وبالتالي فهذه القطعة هي ملك للبلدية وعليه لا يمكن اكتسابها، فقياسا على هذا القرار وسواء كان الملك تابع للبلدية أو الولاية أو الدولة فإنه لا يجوز تحرير عقد شهرة عليها، وعليه فإذا حدث وأن حرّر هذا العقد على مثل هذه الأراضي دون اعتراض من الجهة المعينة سواء لعدم علمها أو لإهمال منها، فهذا الأمر يخوّل المجال للقاضي ويمنحه سلطة إبطال عقد الشهرة إذا ما تبين له ذلك فعلا.

كذلك الشأن إذا تعلق الأمر بعقار موقوف أي من الأملاك المحبسة، فإنه لا يجوز تملكه بالتقادم وبالتالي لا يمكن تحرير عقد شهرة عليه، وهو الأمر الذي أشارت إليه الغرفة العقارية للمحكمة العليا في قرارها المؤرخ في 13/01/1986 تحت رقم 39360 (غير منشور) (2) الذي قرر أن العين المحبسة لا يجوز التصرف فيها بأي تصرف ناقل للملكية بالبيع أو الهبة أو غيرها، لذلك نقض القرار الصادر عن مجلس المسلية، في حين ذهب في اتجاه محكمة بوسعادة، هذه الأخيرة التي قضت بإبطال عقد الشهرة المتضمن الاعتراف بالملكية على أساس التقادم المكسب على عقار محبس.
وينطبق نفس الحكم، أي إبطال عقد الشهرة من قبل القاضي إذا ما ثبت له أن العقد منصب على ملكيات لها سندات مشهرة، إذ أن المقرر قانونا أن الإجراءات المنصوص عليها في المرسوم 83/352 يستبعد تطبيقها أمام وجود سند رسمي مشهر للعقار موضوع النزاع بالمحافظة العقارية، وعليه إذا تبين للقاضي أن عقد الشهرة حرر على أرض لها سند مشهر، فإنه يقضي بإبطاله، وهو ما أشار إليه قرار الغرفة الإدارية رقم 129947 المؤرخ في 09/03/1998 الذي سبق ذكره في الفصل الأول من البحث.
لكن الملاحظ عمليا أن بعض القضاة لا يقضون بإبطال عقد الشهرة لهذا السبب، بحجة عدم وجود نص خاص بالقانون المدني يستثنى هذا النوع من العقارات (التي لها سندات مشهرة ) من الحيازة وإمكانية اكتسابها بالتقادم، وهو الأمر الذي تناولناه و وضحناه بإسهاب في الفصل الأول.
ويبقى عقد الشهرة مثله مثل باقي العقود يجب على من يقوم بها أن تتوفر فيه أهلية التعاقد وإلاّ بطل تصرفه، وبذلك يكون على القاضي التأكد من مدى أهلية المتصرف (القائم بالعقد) وذلك ببلوغه 19 سنة كاملة، وعدم الحجر عليه قانونا حسب ما تقضي به المادة 40 ق.م، فإن تبين له عدم أهليته قضى ببطلان التصرف، وعليه فعقد الشهرة لشخص محجور عليه يعتبر باطل بطلانا مطلقا وهو ما قضى به القرار رقم 181889 المؤرخ في 17/03/1998 (3)الذي أيد قضاة المجلس لما قضوا بإبطال عقد الشهرة على اعتبار أن الواهب كان محجورا عليه و بالتالي لا يجوز له إبرام التصرفات القانونية.

وإن كانت هذه الأمثلة تمثل حالات إبطال عقد الشهرة وسلطة القاضي في تقديرها ولو بعد فوات مدة الأربعة أشهر المنصوص عليها للإعتراض أمام الموثق بموجب المادتين 6 و7 من المرسوم 83/352 .


(1)حمدي باشا عمر (القضاء العقاري في ضوء أحدث القرارات الصادرة عن مجلس الدولة والمحكمة العليا)، ص 278.
(2)حمدي باشا عمر، المرجع السابق، ص 281.
(3)المجلة القضائية لسنة 1998، العدد 2، ص 82.

إلا أنها تبقى على سبل المثال لا الحصر-انتقيناها نظرا لكونها تطرح بكثرة من الناحية العملية لكن هذا لا يعني تقيد القاضي بها، بل له كامل السلطة في مراقبة عقد الشهرة شكلا ومضمونا، إذ يتعين عليه التحقق من أن كل الشروط التي سبق ذكرها متوفرة أهمها إن كان الموثق مختصا أم لا وأن الأراضي تقع في منطقة غير ممسوحة ولم تحرّر عقودها وأنها لا تدخل ضمن الأملاك الوطنية أو الوقفية وإلاّ قضى بإبطال عقد الشهرة.
وعليه لصاحب المصلحة التمسك بتخلف أحد هذه الشروط والطعن في عقد الشهرة ولو لم يكن قد سبق له وأن اعتراض على تحريره أمام الموثق في المدة المحددة بأربعة أشهر التي حددها المرسوم، ذلك أن هذه المدة قررت لتفادي إعداد عقد الشهرة والحيلولة دون تحرير أما إذا فاتت تلك الآجال وحرّر العقد، فإنه يبقى لصاحب المصلحة الحق في اللجوء إلى القضاء والطعن في صحة العقد استنادا إلى أحكام المادة 102 من القانون المدني التي تقضي بأن تقادم دعوى إبطال العقد تكون خلال 15 سنة من تاريخ تحرير العقد بالنسبة للغير وفي ظرف 10 سنوات بالنسبة لأطرافه(1)، وهو الأمر الذي كرسته الغرفة العقارية للمحكمة العليا في عدة قرارات لها، بعد أن كانت ترى سابقا أن عدم الاعتراض خلال مدة الأربعة أشهر يحضن العقد بالتالي عدم إمكانية الطعن فيه أمام القضاء، إذ جاء في قرارها المؤرخ في 29/03/2000 تحت رقم 190541 (2)أن عدم الاعتراض على إجراءات إعداد عقد الشهرة أمام الموثق لا يمنع البلدية من التدخل في النزاع والمطالبة بإبطال عقد الشهرة.
وإن كان – كما سبق لتأكيد عليه – جواز الطعن في عقد الشهرة بعد فوات آجال الاعتراض، إلا أنه يبقى الأصل العام قائما وهو جواز الاعتراض على إعداد عقد الشهرة قبل شهرة، إذ يرفع المعني الأمر إلى الجهة القضائية المختصة ويطالب بوقف إجراءات تحرير العقد لسبب أن طالب عقد الشهرة يدعي حيازة عقار هو ملك للمدعي أو أنه تجاوز حدوده … إلخ، ففي مثل هذه المنازعات يكون للقاضي نفس السلطات إذ له إجراء تحقيق في الأمر، كما له أن يعين خبيرا للتأكد من حدود العقار ومساحته، وإن كان يدخل في ملكية المدعي أم لا … وبذلك يبني قناعته و يقضي بما يراه قانوني.

و لنا في هذا حكم لمحكمة البويرة دائما صادر عن القسم العقاري بتاريخ 15/04/2003 تحت رقم 89/03 قضى برفع الاعتراض المقدم ضد إعداد عقد الشهرة والحكم بإتمام إجراءات تحريره المقدم من طرف المرحوم زينافي علي … وذلك بعد أن عين القاضي خبيرا وتأكد من حقيقة مساحة العقار وأنه لا يدخل ضمن ملكية المدعى عليهم.
في الأخير نخلص إلى أن هذه الأحكام أكدت الصفة التقريرية لعقد الشهرة وبالتالي إمكانية إثبات خلاف ما جاء فيه - لا سيما وأنه ينطوي على واقعة مادية – مما يفتح المجال للطعن فيه ومن ثمة يتدخل القاضي كسلطة فاصلة للنزاع ويقدر صحة التصريحات بواقعة الحيازة أو عدمها ذوي معقب عليه، وبالتالي يقضي بإبطال العقد كلما اختلت أحد شروط تحريره وإعداده موضوعية كانت أو شكلية.

(1)ليلى زروقي (نظام الشهر وإجراءاته في القانون الجزائري)، ص 73.
(2)المجلة القضائية لسنة 2000 العدد 1، ص 151.
ويبقى عقد الشهرة في الوقت الراهن من أهم سندات إثبات الملكية رغم مايثيره من مشاكل و نزاعات، ولعل هذا الأمر ما أدى بالبعض(1) إلى القول أن المرسوم 83/352 لا أساس لوجوده لأن نتائجه السلبية قد طغت على إيجابياته وفتح الباب للغش وسلب أموال الغير بإتباع الإجراءات التي تضمنها المرسوم بدليل أن العديد من هذه العقود تم إلغاؤها بأحكام قضائية، كما أن بعض الولايات اتخذت قرارات تجميد استخراج عقود الشهرة.

المبحث الثاني: رفع دعوى إبطال العقد التوثيقي المشهر أمام القضاء
إن رفع الطعن أمام القضاء للفصل فيه يتطلب – بطبيعة الحال – تحديد الجهة القضائية المختصة للنظر فيه و معرفة إجراءات رفع الطعن أمامها.
فعن الجهة المختصة بالنظر في الطعون بإبطال العقود التوثيقية المشهرة بنوعيها، نجد أن الأمر مختلف فيه ولم يحسم بعد، مما يتطلب منا إفراد مطلب أول من هذا المبحث لتحديد الجهة القضائية المختصة.
أما عن إجراءات رفع الطعون بإبطال هذه العقود نجد أن المشرع لم يأت في القوانين المتعلقة بالشهر العقاري بشروط خاصة لرفع الطعن القضائي ضد العقود المشهرة، وبالتالي نرجع إلى القواعد العامة المقررة لكيفية رفع الدعاوى الواردة بقانون الإجراءات المدنية.
وعليه يجب أن تتوفر الشروط المنصوص عليها بالمادة 459 ق.ا.م في رافع الدعوى ألاّ وهي شرطي الصفة والمصلحة، إضافة إلى أهلية التقاضي شأنها في ذلك شأن أي دعوى قضائية، غير أن الشرط الوارد على الدعاوى العقارية الرامية إلى الطعن في عقد مشهر بأي وجه من أوجه الطعن يتمثل في إجراء شهر الدعوى أي شهر العريضة الافتتاحية للدعوى، وهو ما يجرنا للتساؤل عن أثر قيد الدعوى من عدمه، وبمعنى آخر هل أن شهر الدعوى العقارية يعد قيدا على رفع الدعوى وبالتالي عدم إشهارها يؤدي إلى عدم قبولها ؟ عموما سنجيب على هذا السؤال والذي سبقه من خلال المطلبين التاليين:

المطلب الأول : الجهة القضائية المختصة
إن إشكالية الاختصاص ليست ظاهرة جديدة ولم تبرز نتيجة الأخذ بازدواجية القضاء منذ سنة1996(2)، بل ظهرت حتى في ظل وحدة القضاء من خلال تنازع الاختصاص بين الغرف الإدارية و المحاكـم العادية لا سيما بصدور قانون 81/01 المتعلق بالتنازل عن أملاك الدولة وذلك بمناسبة تطبيق المادة 35 منه التي نصت على أن النظر في النزاعات الناشئة عن تطبيق هذا القانون يكون للهيئات القضائية

(1)أنظر رأي الدكتور معاشو عمار، المنازعات العقارية بين الأفراد فيما بينهم وبين الأفراد والدولة، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والإدارية، السياسية والإقتصادية لسنة 2000، عدد 2، ص 33.
(2)المادة 152 من دستور 28/11/1996، كما استجدت سنة 1996 بموجب قرار صادر عن وزير العدل، في 15/09/96، قسم مكلف بالمنازعات العقارية وهو لا يتمتع باختصاص نوعي بل مجرد تنظيم إداري لتسهيل العمل والفصل في القضايا على وجه السرعة.

التابعة للقانون العام إذ أدت هذه العبارة التي تنازع بين القاضي العادي والقاضي الإداري واستمر في ذلك إلى غاية اجتماع الغرف المجتمعة للمجلس الأعلى آنذاك وقررت اختصاص القاضي العادي الكائن بمقر المجلس.
ولا يزال لحد الساعة التنازع قائم بين الهيئتين القضائيتين في مجال المنازعات العقارية إذا كانت الإدارة طرفا فيها سواء كطرف أصلي أو مدخل في الخصام لا سيما في مجال العقار الفلاحي أين يكثر تواجد الإدارة في مثل هذه التصرفات والعقود، وهذا كله نتيجة النشاط المكثف للدولة الذي ظهر في السنوات الأخيرة في مجال العقارات بفتحها السوق العقارية للخواص و تنازلها عن جزء كبير من أموالها الخاصة.
ونفس المشكل طرح بصدد تحديد القاضي المختص في حالة الطعن بإبطال (أو إلغاء) العقد التوثيقي المشهر إذا ما كانت الإدارة طرفا فيه.
غير أن الاجتهاد القضائي استقر في هذا الصدد، على تخويل سلطة النظر وإبطال العقود التوثيقية المشهرة للقاضي العادي بصفته حامي الحقوق الفردية الناتجة عن العقود التوثيقية، وبذلك يكون القضاء الإداري قد تخلى عن اختصاصه في النظر فيها بالرغم من وجود الإداري كطرف فيها في العديد من الأحيان، لا سيما في عقود التنازل المحررة في إطار القانون 81/01 (1)، إذ بعد صدور قانون التوجيه العقاري رقم 90/25، وطبقا لنص المادة 73 منه أصبحت الوكالة العقارية هي المختصة الوحيدة بتسيير الأملاك العقارية التابعة للبلدية، هذه الأخيرة التي غالبا ما تلجأ إلى إبرام العقود عن طريق الموثقين(2)، وبذلك يكون العقد في شكله توثيقيا، إن كان ذا صبغة إدارية بالنظر لطرفيه (المعيار العضوي).
وقد أكد ذلك مجلس الدولة في قراره المؤرخ في 12/06/2000 تحت رقم 199294 (غير منشور) (3)، والذي جاء فيه « أن العقد التوثيقي تخرج مسألة إلغاءه (وهنا نلاحظ أنه استعمل مصطلح الالغاء وليس الإبطال مع أنه عقد توثيقي وليس إداري) من نطاق صلاحيات القاضي الإداري، مما يتعين إخراج الوالي ومدير أملاك الدولة من الخصام والتصريح بعدم الاختصاص».
وهو نفس ما ذهبت إليه الغرفة الثانية لمجلس الدولة في قرارها المؤرخ في 08/05/2000 الصادر تحت رقم 191983 (غير منشور) (4)، الذي جـاء فيه:«أنه بموجب العريضـة الافتتاحية للدعـوى رفعت

(1) القانون رقم 81/01 المؤرخ في 07/02/1981 المتضمن التنازل عن الأملاك العقارية ذات الاستعمال السكني أو المهني أو التجاري أو الحرفي التابعة للدولة والجماعات المحلية و مكاتب الترقية والتسيير العقاري والمؤسسات والهيئات والأجهزة العمومية.

(2)إن عقود تبادل العقارات هي الأخرى الأصل أن تتم في شكل عقد إداري صادر عن مديرية الأملاك الوطنية إلا أنه قد تتم في شكل عقد توثيقي طبقا للشروط التي يحددها الأطراف، ومع ذلك فإشكال الاختصاص لا يطرح بصددها، وذلك للنص صراحة في المادة 96 من القانون 90/30 المؤرخ في 01/12/1990 المتضمن قانون الأملاك الوطنية على اختصاص القاضي العادي في مجال المنازعات الناتجة عن التبادل، وهو أمر معقول و منطقي استنادا إلى أن عملية التبادل تتم وفقا للقانون المدني بعد إصدار وزير المالية لقرار التبادل.

(3)مجلة مجلس الدولة، لسنة 2002، العدد 2، ص 30.
(4)حمدي باشا عمر، (القضاء العقاري في ضوء أحدث القرارات الصادرة عن مجلس الدولة والمحكمة العليا)، ص 69.
مديريـة الأملاك الوطنية طعنا بالإبطال الجزئي لعقد توثيقي مؤرخ في 29/10/1991 … وأن الطعن بالإبطال (هنا استعملت مصطلح إبطال وليس إلغاء عكس القرار الأول) يهدف إلى الاحتجاج أمام القضاء الإداري بقرار إداري، أي قرار متخذ من طرف سلطة إدارية أثناء ممارستها لسلطاتها المتمثلة في السلطة العامة.
حيث أن العقد علاوة على أنه يهدف إلى المصالح الخاصة يتعلق بالأشخاص الخاصة، فإنه لا يتناسب مع المعايير المذكورة أعلاه للعقد الإداري، وبالتالي فإن تقدير العقد التوثيقي ليس من اختصاص القاضي الإداري.

وكذا القرار رقم 193141 المؤرخ في 08/05/2000 الصادر عن الغرفة الثانية لمجلس الدولة (غير منشور) (1) الذي جاء في حيثياته:« .. حيث استقر القضاء بأن مثل هذا النزاع لا يخضع لاختصاص القضاء الإداري وذلك نظرا لطبيعة العقد المراد إلغاؤه الذي ليس له طابع إداري، وبذلك يكون قضاة الدرجة الأولى الذين لم ينظروا اختصاصهم وفصلوا في القضية هذه يكونوا قد أخطئوا في تقدير الوقائع وفي تطبيق القانون و عرضوا قرارهم بذلك للإلغاء».

وبذلك يكون موقف القضاء الإداري واضح يتمثل في أن الاختصاص يعود إلى المحاكم العادية على أساس أن العقود التوثيقية ليست بقرارات ولا عقود إدارية حتى يتم الطعن في صحتها أمام الجهات القضائية الإدارية.

وإن كان اجتهاد القضاء الإداري مكرس اليوم، إلاّ أن البعض(2) يرى أنه وإن كان منالمستساغ والمتقبل قانونا أن يؤول الاختصاص للقاضي العادي في إبطال العقود التوثيقية المشهرة إذا كان صادرا بين أشخاص من أشخاص القانون الخاص، إلاّ أنه إذا كانت الإدارة طرفا في تعاملها عن طريق الموثق مع الأفراد، فإنه يجب احترام المعيار العضوي المكرس بالمادة 7 من قانون الإجراءات المدنية، خاصة وأن هذه الحالة لم تنص عليها إستثناءات المادة 7 مكرر من نفس القانون، كما أنه لم يرد أي نص تشريعي آخر يستثنى صراحة من اختصاص القضاء الإداري ولاية النظر في الطعون المقدمة من قبل الإدارة بصدد المطالبة بإبطال أو إلغاء العقود التوثيقية المشهرة.
وباعتبار أن عقد الشهرة هو عقد توثيقي مشهر – أخذ من دراستنا حيزا لا بأس به – فإن نفس الحكم السابق يمكن قياسه عليه، بل أن الفكرة تتضح أكثر بصدد هذا العقد كونه حير مثال للعقود التوثيقية المشهرة المثيرة لنزاعات متعددة بالنظر لطبيعة إجراءاته ومجال تدخل الإدارة فيها، إذ – وكما سبق ذكره – فإن الموثق ملزم بإرسال ملف إعداد عقد الشهرة لطلب رأي كل من رئيس المجلس الشعبي البلدي و مدير أملاك الدولة المختصين إقليميا وذلك في ظرف أربعة أشهر – وفقا لما قررته المادتين 06 و 07 من المرسوم 83/352 - المشار إليهما آنفا – إذ يجوز لهذين الأخيرين ولأي كانله مصلحة أن يعترض على إعداد عقد الشهرة أمام الموثق في مهلة 4 أشهر، وأكثر من ذلك يجـوز لهم المعارضة ولو بعـد فوات هذه الآجـال،

(1)حمدي باشا عمر، المرجع السابق، ص 69.
(2)أنظر رأي موسى بوصوف، دور القاضي الإداري في المنازعات العقارية، مقال منشور بمجلة مجلس الدولة لسنة 2002 العدد 2، ص 30.
والأكيد أن النـزاع سيرفع أمام الجهة القضائية المختصة التي قد تختلف تبعا لأطراف النزاع، ويمكن تحديدها بالنظر للطرف المعارض في عقد الشهرة.

1 – فإذا كان النزاع بين شخصين من أشخاص القانون الخاص، كأن يعترض الغير على إعداد عقد الشهرة مطالبا بإبطاله لعدم توفر صاحب العقد على الشرط الموضوعي المتمثل في حيازة العقار أو لأنها مشوبة بعيب من العيوب المؤثرة في صحتها، أو لكون العقار محل الحيازة يعود إلى ملكيته وله سند ملكية مشهر.
فهنا لا جدل ولا اختلاف في كون النزاع يعرض على الجهة القضائية العادية المتمثلة في القسم العقاري بالمحكمة الواقع بدائرة اختصاصها العقار محل النزاع(1)، وذلك باعتبار أن النزاع ذا طابع مدني و طرفيه من أشخاص القانون الخاص وفقا و تطبيقا للقواعد العامة.

2 – في حالة اعتراض رئيس البلدية أو مدير أملاك الدولة على تحرير عقد الشهرة، ففي هذه الحالة يمتنع الموثق عن تحريره، مما يؤدي إلى نشوب نزاع بين صاحب الطلب والإدارة المعترضة، أو عند إتمام إجراءات تحرير العقد وأشهر ثم اكتشفت البلدية فيما بعد أو مدير أملاك الدولة أن العقار محل عقد الشهر يعود إلى أملاك البلدية أو أملاك الدولة التي لا يجوز حيازتها، فإن المفروض أن النزاع في مثل هذه الحالة يعرض على الجهة القضائية الإدارية عملا بالمعيار العضوي المعتمد بموجب المادة 7 قانون الإجراءات المدنية، وذلك كون أحد أطراف النزاع يكون إما البلدية أو مديرية أملاك الدولة المحتجتان بملكية الدولة أو الجماعة المحلية للعقار المراد اكتسابه بالتقادم عن طريق إعداد عقد الشهرة.

وتكون الدعوى من اختصاص القضاء الكامل (Le plein *******ieux) وليس قضاء الإلغاء، لأن اعتراض الإدارة يكون في شكل رأي بالمعارضة على ظهر الملف المرسل إليها من طرف الموثق أو في شكل رسالة تتضمن جوابا، إلا إذا اعتبرنا الرسالة أو الجواب بمثابة قرار إداري كامل الأركان (2) (وهو الأمر الذي لا يمكننا اعتماده بسبب أن هذا المحرر المتخذ من قبل الإدارة لا ينطوي على مميزات وخصوصيات القرار الإداري وبالتالي لا يمكن اعتباره قرارا إداريا) وهو ما ذهب إليه مجلس الدولة في قرار له صادر بتاريخ 24/04/2000 تحت رقم 193900 (3)الذي ألغي من خلاله قرار مجلس قضاء تيزي وزو الذي رفض دعوى المدعين الرامية إلى إبطال اعتراض البلدية في إعداد عقد الشهرة لصالحهم مؤسسا قرار الرفض على المادة 169 مكرر ق.ا.م والتي لا تجيز رفع دعوى إداري إلا بعد الطعن في القرار الإداري، إذ اعتبر مجلس قضاء تيزي وزو عملية الاعتراض تشكل قرارا إداريا بمعنى الكلمة.
لكن مجلس الدولة ألغى هذا القرار إثر استئنافه واعتبر أن دعوى منع الاعتراض هي دعوى تدخل ضمن دعاوى القضاء الكامل وليست دعوى إلغاء.


(1)طبقا للمادة 8 من الأمر رقم 66/154 المؤرخ في 8 يونيو 1966 المتضمن قانون الإجراءات المدنية المحددة للاختصاص المحلي.
(2)أنظر رأي بوصوف موسى، المرجع السابق، ص 31 و 32.
(3) مجلة مجلس الدولة لسنة 2002 العدد 2 ص 32.

غير أن موقف جهات القضاء الإداري تختلف عن هذا الموقف، إذ اعتبرت أن القاضي العادي هو المختص وحده، حتى ولو كانت جهة إدارية هي التي تطعن في صحة العقد، لأن القاضي الإداري غير مؤهل لمراقبة مدى صحة العقود التوثيقية عكس القاضي العادي الذي له صلاحية ذلك دون غيره.
ونعتقد أنه يجب حسم الموقف في أقرب الآجال وذلك بتدخل محكمة التنازع للفصل في الموقفين وتحديد الجهة المختصة في مثل هذه الحالة صراحة، ذلك أنه من الناحية العملية رفضت الجهات الإدارية الفصل في النزاع الذي تكون جهة إدارية طرفا فيه وأعلنت عدم اختصاصها في حين كان يتمسك مجلس الدولة باختصاصه في عدة مرات، وقد جسد وذهب فيما ذهبت إليه الغرفة العقارية بالمحكمة العليا واستقر على ما استقرت عليه أحيانا كثيرة(1) إذ كرس القضاء الإداري حق الدولة في اللجوء إلى القضاء لطلب إلغاء عقود الشهرة إذا نصبت على أملاكها حتى بعد شهرها، ولو بعد فوات مدة الأربعة الأشهر ذلك أنها تمثل مجرد آجال للاعتراض على تحرير العقد وليست آجالا للطعن القضائي، إذ لا يتقادم حق الدولة في المطالبة بإلغاء عقود الشهرة إلاّ بتقادم المطالبة بالحق العقاري المشهر طبقا للقواعد العامة – كما سبق الإشارة إليه آنفا – وبسبب هذا الموقف عمل مجلس الدولة وقضى على العديد من عقود الشهرة المحررة والمنصبة على أملاك الدولة بإلغائها ولو لم يتم اعتراض البلديات و مديريات أملاك الدولة خلال مدة 4 أشهر، إذ اعتبر أن أملاك الدولة غير قابلة للتملك بالتقادم طبقا للمادة 689 ق.م، وبذلك يكون قد أكد من خلال حيثياته و منطوقه الاجتهاد المستقر في هذه المسألة بموجب القرار المؤرخ في 09/03/1989 تحت رقم 129947 السابق ذكره(2).

غير أنه يمكن القول أخيرا أن قرار مجلس الدولة الذي يعتبر اجتهادا قضائيا السابق الإشارة إليه (المؤرخ في 08/05/2000 تحت رقم 193141)هو السائد والواجب الاتباع والذي أقر بخروج مسألة إبطال العقود التوثيقية المشهرة من نطاق صلاحيات القاضي الإداري وبالتالي يختص بها القاضي العادي (العقاري) دون سواه للمبررات السابقة ذكرها.
وفي هذا يكون قد تبنى نفس الاتجاه والموقف الذي أخذ به القضاء الفرنسي(3) والذي منح الاختصاص للقاضي العادي للنظر في السندات والعقود الإدارية مستندا في ذلك إلى البند رقم 16 من معاهدة حقوق الإنسان التي تنص و تحث على أن:« المشرع يوصي المحاكم القضائية بالتمسك بالاختصاص عندما تكون الحقوق الفردية والحريات العامة مهددة»، ففي كل هذا حماية لحقوق الفرد الذي يعذ الطرف الضعيف مقارنة بخصمه المتمثل في الإدارة التي تملك كل السلطات العامة وبالتالي التخوف من وقوفـه و مقاضاتهـا أمام

(1)أنظر القرار رقم 190541 المؤرخ في 29/03/2000 الصادر عن الغرفة العقارية بالمحكمة العليا الذي جاء فيه : « أن عدم الاعتراض على إجراءات الشهر أمام الموثق، لا يمنع البلدية من التدخل في النزاع والمطالبة بإبطال عقد الشهرة …» أرجع إلى مضمون القرار بالمجلة القضائية لسنة 2000 العدد 1 ،ص 151.
(2)في نفس الإطار أصدرت المديرية العامة للأملاك الوطنية تعليمة مؤرخة في 21/12/1999 وجهتها إلى مدراء أملاك الدولة و محافظي الشهر العقاري عبر الولايات لحثهم على التدخل ضد هذه العقود وعدم إشهارها، وطلب إلغائها قضائيا في أي وقت كانت عليه العملية.
(3) CLAUDE GAYARD, la compétence des tribunaux judiciaire en matière administratif, P 15, 16.

القضاء الإداري مما يفقده ثقته في القضاء باعتباره إداريا قد يميل إلى الإدارة أكثر من الخواص وبالتالي كان الحل الأمثل تركه لاختصاص القضاء العادي حتى يتأكد المتقاضون من احترام مبدأ المساواة أمام القضاء ولو كان خصمهم متمثل في سلطة عامة.
وبعد تحديدنا للجهة القضائية المختصة في الفصل في الطعون الرامية إلى إبطال العقود التوثيقية المشهرة، نتساءل عن إجراءات رفع مثل هذه الطعون بالتحديد ما هو الإجراء الذي يميزها عن غيرها من الدعاوى، وهو ما سنبينه في المطلب الموالي.

المطلب الثاني : ضرورة شهر الدعوى العقاري الرامية إلى إبطال
العقد التوثيقي المشهر

رجوعا إلى أحكام و مبادئ الشهر الواردة المرسوم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المتعلق بتأسيس السجل العقاري السابق الإشارة إليه، نجد أن عملية الإشهار لا تقتصر على التصرفات القانونية المنصبة على العقارات، بل تمتد حتى الدعاوى القضائية وذلك بهدف جعل المتعامل في العقار على علم بحالته القانونية.
وقد قرر المشرع الجزائري وجوب شهر الدعاوى العقارية بالمادة 85 من المرسوم المذكور أعلاه التي نصت على :« إن دعاوى القضاء الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقض حقوق ناتجة عن وثائق تم إشهارها، لا يمكن قبولها إلاّ إذا تم شهرها مسبقا طبقا للمادة 14 (1) فقرة 4 من الأمر 74/75 المؤرخ في 12/11/1975 المتضمن إعداد مسح الأراضي العام و تأسيس السجل العقاري.
وإذا تم إثبات هذا الإشهار بموجب شهادة من المحافظ العقاري أو تقديم نسخة من الطلب الموجود عليه تأشير الإشهار».

إعمالا لنص هذه المادة نجد أن شهر الدعاوى العقارية يقتصر على تلك الدعاوى التي ترمي إلى الطعن في صحة التصرف الذي تضمنه العقد المشهر، بمعنى أنه يشترط في الدعوى أن تكون منصبة على حقوق عينية عقارية مشهرة، أما إذا لم تكن هذه الحقوق مشهرة فإنه لا يستوجب الأمر إخضاعها إلى الشهر طالما أن الحق العيني موضوع الخصومة القضائية غير مشهر وهو ما يعمل به المشرع الفرنسي أيضا، إذ قرّر بموجب المادة 30 من المرسوم المؤرخ في 04/01/1955 أن الدعوى غير المشهرة بمحافظة الرهون، تقع تحت طائلة عدم القبول من الجهة القضائية المرفوع أمامها النراع(2).

(1)تنص المادة 14/4: " تلزم الإشارة من أجل مسك مجموعة البطاقات العقارية إلى ما يلي:..وبصفة عامة، كل التعديلات للوضعية القانونية لعقار محدد ومسجل في مجموعة البطاقات العقارية، وسيحدد مرسوم كيفيات تطبيق المادتين 13 و 14 أعلاه".
(2)Philippe Delebecque ، , Philippe similer المرجع السابق، ص 622.

وفي نفس الإطار نصت كل من المادة 9 من قانون الشهر العقاري السوري وكذا المادة 9 من قانون الشهر العقاري اللبناني وبنفس الصيغة على أن :«الحقوق العينية غير المنقولة المرخص بإحداثها بموجب القانون و القصورات العقارية (التقييدات العقارية) و الحجوز وكذلك كل الدعاوى العقارية المتعلقة بعقار أو مال غير منقول في سجل الملكية (دفتر الملكية) ولا تعتبر موجودة تجاه الغير إلاّ fقيدها في السجل العقاري وابتداء من تاريخ هذا القيد»
علما أن شهر الدعاوى العقارية يتم عن طريق التأشير الهاشمي(1).

ويتم إثبات شهر الدعوى أمام القضاة بطريقتين:
-بموجب شهادة تسلم من قبل المحافظ العقاري المتواجد بدائرة اختصاصه العقار المتنازع فيه.
-بالتأشير على العريضة الافتتاحية للدعوى على إشهارها وهو المعمول به عمليا.
وتجدر الملاحظة في هذا الصدد أن الممارسة العملية أفرزت ظاهرة إدخال المحافظ العقاري في الخصومة القضائية بدل إشهار الدعوى القضائية، وهذا نتيجة الفهم السيئ للمادة 85 السابق ذكرها(2).
ومن جهة أخرى يلاحظ أن المشرع الجزائري لم يقيد شهر الدعوى بأجل معين عكس المشرع المصري(3) الذي منح المدعين أجل شهرين لإشهار الدعوى بإدارة الشهر العقاري، فإذا لم يتم إشهارها خلال هذا الميعاد يحكم بوقف الفصل في الدعوى.
والدعاوى التي أوجب المشرع إخضاعها إلى الإشهار على مستوى المحافظة العقارية أوردها على سبيل الحصر لا المثال و تتمثل في :
• دعوى الفسخ.
• دعوى الإبطال.
• دعوى الإلغاء.
• دعوى النقض.
وقد كرّست المحكمة في عدة قرارات محتوى نص المادة 85 المشار إليها أعلاه، إذ جاء في قرارها الصادر عن الغرفة العقارية بتاريخ 26/04/2000 تحت رقم 437194 (4)أنه :"من الثابت قانونا أن الدعاوى القضائية الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقض حقوق ناتجة عن وثائق تم إشهارها، لا يمكن قبولها إلاّ إذا تم إشهارها مسبقا ولما تبين من القرار المطعون فيه الذي رفض دعوى الطاعنة المتعلقة بإثبات حقها في الشفعة شكلا، كونها لم تشهر دعواها طبقا للمادة 85 من المرسوم المشار إليه أعلاه، فإن قضاة الموضوع أخطئوا في تطبيق القانون، لأن أحكام هذه المادة تخص الدعاوى القضائية الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقض حقوق ناتجة عن وثائق تم إشهارها.

(1)لمزيد من التوضيحات أنظر: د/عبد الحميد الشواربي، المرجع السابق، ص6.
(2)حمدي باشا عمر ( نقل الملكية العقارية في ضوء آخر التعديلات وأحدث الأحكام)، ص 123.
(3)مجيد خلفوني، المرجع السابق، ص 42.
(4)المجلة القضائية لسنة 2000، العدد الأول، ص 156 وما يليها.
و الحال أن دعوى الطاعنة تتعلق بالأخذ بالشفعة في بيع العقار المشاع بينها وبين أختها وهي الدعوى التي تخضع لأحكام القانون المدني، مما يعرض القرار المطعون فيه إلى النقض.
علاوة على أن المشرع في مجال المحافظة العقارية والسجل العقاري أخذ بالنظام العيني لا الشخصي، وبالتالي فحلول الشفيع محل المشتري في حق تثبيت حق الشفعة ليس من طبيعة التأثير على فحوى العقد المشهر ذاته من حيث البيانات الخاصة بالعقار، أو الحقوق العينية المترتبة عنه كما هو الشأن بالنسبة للدعاوى التي خصتها بالذكر المادة 85 المشار إليها أعلاه".
وبما أن الطعن في العقد التوثيقي المشهر – محل بحثنا – لن يطرح أمام القضاء إلاّ في شكل دعوى إبطال أو إلغاء وبالتالي يتعين على رافع هذه الدعوى أن يعمل على شهر دعواه القضائية أي تقديم العريضة الافتتاحية أمام المحافظة العقارية وذلك بعد أن يكون قد قام بتسجيلها لدى كتابة ضبط المحكمة ويعمل بعدها المحافظ العقاري على تأشيرها الهامشي في أسفل العريضة وهو المعمول به في الممارسة الميدانية.
وإن كنا قد أقررنا بضرورة شهر مثل هذه الدعاوى إعمالا لنص المادة 85 السابق الإشارة إليه، إلا أنه ورغم صراحة هذا النص الذي يقضي بعدم قبول الدعاوى الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقض حقوق ناتجة عن وثائق تم إشهارها، إلاّ أن موقف القضاء الجزائري متذبذب و متفاوت بشأن إقرار وجوب شهر الدعاوى العقارية من عدمه، إذ انقسم بذلك إلى قسمين لكل منهما مبرراته سنبينها فيما يلي إضافة إلى محاولة إبراز آثار شهر مثل هذه الدعاوى.

الفرع الأول: موقف القضاء من شهر الدعوى العقارية

أولا: الاتجاه الأول
يرى هذا الاتجاه أن شهر الدعاوى العقارية يعد قيدا على رفع الدعاوى المتضمنة الطعن في صحة التصرفات والمحررات المشهرة، وذلك للنص صراحة بالمادة 85 من المرسوم 76/63 على : تحت طائلة عدم القبول بقولها « إن دعاوى القضاء الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقض حقوق ناتجة عن وثائق تم إشهارها لا يمكن قبولها ..»فمع وضوح النص لا يحتاج الأمر إلى تفسير أو تأويل مما يتعين على القضاة التمسك بحرفية النص، وبذلك يجب عليهم رفض الدعاوى العقارية الرامية إلى الطعن في العقد التوثيقي المشهر إذا أخذ شكله أحد هذه الدعاوى ولم يتم شهر العريضة الافتتاحية للدعوى.
وهذا الموقف تبناه القضاء الإداري، إذ صدر عن الغرفة الأولى لمجلس الدولة قرار بتاريخ 12/06/2000 تحت رقم 203024 (غير منشور) (1) أن :«… الدعاوى العقارية والإدارية المتعلقة بعقار والرامية إلى إبطال العقود المشهرة بالمحافظة العقارية يشترط المادة 85 من المرسوم رقم 76/63 المعدل بالمرسوم 93/123 المؤرخ في 19/05/1993، لقبول الدعوى شهر العريضة الافتتاحية مسبقا لدى المحافظ العقارية المشهر لديها العقد وهو شرط لقبول الدعوى».


(1)حمدي باشا عمر، (القضاء العقاري)، ص 152.
وهو نفس الموقف الذي كرسته الغرفة المدنية بالمحكمة العليا إذ تبنت وجوب شهر الدعاوى العقارية الرامية إلى الطعن في صحة التصرفات التي تضمنها العقد المشهر بالمحافظة العقارية وذلك تحت طائلة عدم القبول، وهو ما يتضح من خلال قرارها الصادر بتاريخ 16/03/1994 تحت رقم 108200(1) الذي جاء فيه أنه: «من المقرر قانونا بالمادة 85 من المرسوم 76/63المتعلق بتأسيس السجل العقاري أن دعاوى القضاء الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء إو نقض حقوق ناتجة عن وثائق تم إشهارها، لا يمكن قبولها إلاّ إذا تم إشهارها، ومن تمة فإن قضاة الموضوع بإبطالهم مباشرة عقد البيع الرسمي المبرم بين الطاعن الحالي والمرحومة (ب.ي) مورثه المطعون ضدهم مع أنه مرتكز على عقد صحيح تحصلت بموجبه على الدفتر العقاري ولم تقع أية معارضة مقبولة ضده، فإنهم أساءوا بذلك تطبيق القانون وعرضوا قرارهم للنقض».
وهو ما أخذت به أيضا الغرفة العقارية للمحكمة العليا في القرار رقم 186606 الصادر بتاريخ 24/03/1999 (غير منشور) (2)حيث جاء في حيثياته أنه :"… حيث أن المادة 85 من المرسوم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المعدل والمتمم بالمرسوم التنفيذي رقم 123/93 المؤرخ في 19/05/1993 تنص على أن : الدعاوى الرامية إلى النطق بفسخ أو إبطال أو إلغاء أو نقص حقوق ناتجة عن وثائق تم إشهارها لا يمكن قبولها إلا إذا تم إشهارها مسبقا...
حيث ولما كانت – الدعوى الراهنة –ترمي إلى إبطال عقد الشهرة الذي أعده الطاعن بتاريخ 14/04/1992 أمام الموثق مرارنسي تجاني في إطار المرسوم رقم 83/352 وهو السند الذي تم إشهاره أمام المحافظة العقارية بتبسة كما يتبين من تأشيرة المحافظ العقاري عليه، فإن قضاة المجلس بعدم مراعاتهم لأحكام المادة 85 المذكورة أعلاه والمحتج بها أمامهم من قبل الطاعن لكون المطعون ضدهم كمدعيين أصليين لم يشهروا دعواهم يكونوا قد خالفوا القانون مما يعرض قرارهم للنقض".

ثانيا: الاتجاه الثاني
يذهب هذا الاتجاه عكس الرأي الأول، إذ يرى أن شهر الدعوى لدى المحافظة العقارية لا يعد قيدا على رفعها، لأن القواعد العامة المطبقة والمتعلقة بإجراءات رفع الدعوى لا سيما المادة 459 ق.ا.م تشترط في رافع الدعوى توافره على شروط الأهلية والصفة والمصلحة لا غير، وبالتالي لا مجال لاعمال و تطبيق المادة 85 من المرسوم 76/63 لتعارضه مع القواعد العامة الواردة بقانون الإجراءات المدنية، كما أنه في حالة وقوع تعارض بين التشريع العادي والتشريع الفرعي، يؤخذ بالتشريع العادي كونه أقوى(3)، وبالتالي لا محل لتطبيق نص المادة 85 من المرسوم السالف ذكره هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرى أصحاب هذا الموقف أن شهر هذه الدعاوى قرر لمصلحة رافعها حتى يحمي حقوقه و لأجل إعلام الغير أن العقار محـل
نزاع مطروح أمام القضاء، ولكن هذا لا يعني إلزامه بالشهر، كون أن عدم شهرها لن يرتب آثارا ي غير صالحه ولن تؤدي إلى الإضرار به ولا النفع على المدعي عليه.

(1)المجلة القضائية لسنة 1995، العدد 2، ص 80.
(2)حمدي باشا عمر (القضاء العقاري)، ص 154.
(3)رأي الأستاذ زودة عمر، أستاذ محاضر بالمعهد الوطني للقضاء لمقياس الإجراءات المدنية.
فحسب هذا الاتجاه يجوز للمدعي أن يرفع دعواه الرامية إلى فسخ وإبطال أو إلغاء عقد توثيقي مشهر دون حاجة إلى شهرها، وبالمقابل لا يجوز للمدعى عليه أن يدفع بعدم شهر الدعوى أو إثارة المحكمة لهذه المسألة من تلقاء نفسها(1)، وهو ما ذهبت إليه الغرفة المدنية في قرارها الصادر بتاريخ 12/07/1995 تحت رقم 130145 (غير منشور) (2)حيث جاء فيه :« كما أن عدم شهر الدعوى في المحافظة العقارية لا يترتب عليه أي بطلان إذ أن تطبيق المادتين 13 و 14 من الأمر 75/74 المؤرخ في 12/11/1975 فقد أحال المشرع تطبيق هاتين المادتين على مرسوم --------------.
وبناء على أحكام المادة 14/04 من الأمر المشار إليه أعلاه فقد صدر المرسوم المؤرخ في 25 /03/1976 رقم 76/63 الذي نص في المادة 85 منه على عدم قبول الدعوى إذ لم يتم إشهارها في المحافظة العقارية .
إذ أن اشتراط إشهار العريضة قبل تسجيلها لدى كتابة ضبط المحكمة يعد قيدا على رفع الدعوى قد استحدثه هذا المرسوم.
لكن المشرع قد نص على إجراءات رفع الدعوى و شروط قبولها أمام القضاء في قانون الإجراءات المدنية ولم ينص على هذا القيد بالنسبة للدعاوى العينية العقارية، ومن ثمة يوجد تعارض بين أحكام قانون الإجراءات المدنية وأحكام هذا المرسوم و تبعا لذلك، فإنه إذا وقع التعارض بين التشريع العادي والتشريع الفرعي، فيطرح التشريع الفرعي ويطبق التشريع العادي.
إن قبول قضاة الموضوع للدعوى من دون أن يسبق شهر عريضتها في المحافظة العقارية لا يعد خرقا لأحكام القانون".
ونفس الاتجاه تبنته الغرفة العقارية للمحكمة العليا في قرار لها صدر بتاريخ 25/11/1998 تحت رقم 184451 (غير منشور) (3) إذ رأت أن قضاة الدرجة الأولى قد أثاروا تلقائيا الدفع بعدم شهر الدعوى وصرحوا بعدم قبولها، ولكن حيث أن للأطراف وحدهم الصفة لإثارة عدم القبول الناجم عن الشهر المسبق المنصوص عليه بهدف حماية مصالح الخواص وأنه على إثر استئناف هذا الحكم ألغاه مجلس قضاء الشلف وفصل من جديد بعدم قبول الدعوى طبقا للمادة 85 من المرسوم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 إلاّ إذا تم إشهارها مسبقا.

ورغم تباين موقف القضاء الجزائري إلاّ أننا نرى أن الاتجاه الأول هو الصائب والواجب العمل به، إذ طالما اعترفنا بأحكام الشهر العقاري وقررنا العمل بها ابتداء من وجوب شهر كل التصرفات الواردة على العقار والحقوق العينية الأخرى وغيرها من الحقوق حتى وإن كانت شخصية، فإنه حسب رأينا لا ضير من تطبيق المادة 85 من المرسوم 76/63 والقول بإلزامية شهر الدعاوى العقاريـة الرامية إلى إبطال أو إلغـاء

(1)ليلى زروقي و حمدي باشا عمر، المنازعات العقارية، دار هومة، طبعة 2002، ص 235.
(2)حمدي باشا عمر، القضاء العقاري، ص 153.
(3)حمدي باشا عمر، المرجع نفسه، ص 154.
العقود المشهرة وإلاّ نطق القاضي وحكم بعدم قبولها حسبما تقتضيه هذه المادة الأخيرة ولا نجد في ذلك تناقض أو تعارض مع قانون الإجراءات المدنية، إذ كل ما في الأمر أنه يعد حكم خاص ورد بموجب نص خاص في ظل أحكام معينة، ويتعلق ببعض الدعاوى فقط وبالتالي لا يمكن تعميمه.
وحتى يتوحد القضاء ويعمل بنفس المبدأ أو يرتب نفس النتائج نجد أنه من الضروري أن يصدر اجتهاد قضائي عن المحكمة العليا بغرفتيها المدنية والعقارية لحسم الموقف، لأنه من غير المعقول تقبل فكرة أن نفس الغرفة لها موقفين مختلفين، وذلك مع دعوة المشرع الجزائري إلى إفراد نص خاص يتعلق بهذا القيد يتضمنه قانون الإجراءات المدنية يضيفه إلى شروط رفع الدعوى بغية رفع كل لبس أو غموض ومن ثمة لا يجد القاضي سببا أو ثغرة في القانون تجعله يتذرع بها في قبول أو عدم قبول الدعاوى العقارية غير المشهرة.

الفرع الثاني: آثار شهر الدعوى العقارية
إن شهر الدعوى العقارية يؤدي إلى الحفاظ على الحقوق الثابتة بالشهر تفاديا للفوضى وعدم الاستقرار في المعاملات العقارية إذ أن شهر الدعوى يجعل المتعامل في العقار عالما بحالته علما يقينيا ابتداء من تاريخ شهر الدعوى أو التأشير بها، فإذا ما أقدم على شراء العقار يكون على علم بأنه يقدم على شراء حق متنازع فيه، بإمكانه فقده بعد صدور حكم بشأنه وإعادته إلى من صدر الحكم لصالحه الذي له أن يتمسك بسوء نية الغير الحائز للعقار، علما بأنه لا يمكنه ذلك ولا يكون حجة على الغير الذي كسب حقه بحسن نية قبل شهر الدعوى(1)، إذ من يكسب حقا عينيا على العقار بعد شهر الدعوى إنما يكسبه على احتمال خطر زواله، بينما من كسب حقا عينيا على العقار بعد شهر الدعوى، فإن حماية المشرع له أو عدم حمايته تتوقف على أساس حسن أو سوء نيته فإذا كان سيء النية أي يعلم أو في استطاعته العلم بذلك، فلا مناص أمام سوء نيته من إعمال القواعد العامة في رجعية الإبطال والفسخ بما يزيل حقه زوالا رجعيا.
أما إذا كان حسن النية لا يعلم أو لم يكن في استطاعته العلم بما يتهدد حقه، فإنه لا يتأثر بما حكم به من إبطال أو فسخ، إذ يظل حقه قائما رغم زوال حق سلفه وهذا خروج عن القواعد العامة رعاية لحسن نيته شريطة أن يكون حقه هذا قد تم شهره قبل شهر الدعوى وأن يكون الخلف حسن النية وقت شهر ذلك الحق، وتبقى الصعوبة العملية في إثبات حسن أو سوء النية كونها مسألة داخلية ونفسية.
وهو الأمر الذي يستشف من نص المادة 86 من نفس المرسوم التي تنص على أن :« فسخ الحقوق العينية العقارية أو إبطالها أو إلغائها أو نقضها عندما ينتج أثرا رجعيا، لا يحتج به على الخلف الخاص لصاحب الحق المهدور، إلاّ إذا كان الشرط الذي بمقتضاه حصل ذلك الفسخ أو الإبطال أو الإلغاء أو النقض قد تم إشهاره مسبقا، أو كان هذا الفسخ أو الإبطال أو الإلغاء أو النقض بحكم قانون تطبيقا للقانون»، ولا يترتب على شهر الدعوى العقارية امتناع المحافظ العقاري عن مواصلة إجراءات الشهر للسند المقدم إليه بغرض إشهاره، كـون أن المحافـظ العقاري مهمتـه مستقلـة عن إرادة أطراف الدعوى الذيـن لهم الحق

(1)د/عرب عبد القادر، المرجع السابق، ص 121.

في مواصلة إجراءات الدعوى أو ترك الخصومة والاتفاق على حل آخر لفض نزاعهم(1)، فالأمر لا يعني منع المدعى عليه الذي رفعت ضده الدعوى – محل الشهر – من التصرف في العقار بأي تطرف قانوني كان سواء بالبيع أو الهبة..
وفي نفس الصدد لوحظ أن بعض المحافظين العقارين يمتنعون عن شهر أي تصرف وارد على العقار الذي أشهرت بشأنه الدعوى، الأمر الذي أدى إلى تدخل المديرية العامة للأملاك الوطنية لرفع هذا اللبس وذلك بإصدارها مذكرة (2)وضحت فيها أن شهر الدعاوى شرع بغرض المحافظة على حق المدعي في حالة صدور الحكم لصالحه، لكنها لا توقف إجراء أي تصرف لاحق كما أضافت المذكرة بأنه بالإمكان شهر الأوامر الاستعجالية الآمرة بوقف التصرف اللاحق على العقار محل النزاع، مؤكدة أن الإيقاف يكون لأجل محدود، وبالتالي يتعين على القاضي الفاصل في المواد الاستعجالية تحديد المدة في منطوق الأمر الصادر ولو إلى غاية صدور الحكم النهائي.
يفهم من ذلك أنه لا يجوز للمدعي إيقاف التصرف الوارد على العقار إلا برفعه دعوى إستعجالية يلتمس فيها وقف التصرف إلى حين الفصل النهائي في الدعوى المرفوعة أمام قاضي الموضوع، غير أنه موقف غير مستساغ من الناحية القانونية(3)، إذ لا يمكن منع الشخص من ممارسة حقه في التصرف هذا من جهة، ومن جهة ثانية نجد أن القانون الجزائري أخذ بوقف تنفيذ العقد الرسمي في حالة الطعن فيه بالتزوير فقط وفقا لما أقرته المادة 324 مكرر 6 من ق.م(4).
وعليه يكون المدعي الذي طعن في العقد الرسمي بالتزوير الوحيد الذي يمكنه استصدار أمر استعجالي بوقف التصرف في العقار المتنازع فيه وشهره بالمحافظة العقارية وطبعا فإن الفصل في النزاع سينتهي بصدور حكم أو قرار نهائي الذي يشهر بدوره على مستوى المحافظة العقارية، مما يلغي ضمنيا الإشهار المسبق للدعوى، إذ يقوم المحافظ العقاري بالتأشير بالقلم الأحمر بخط على الإشهار الوارد على العريضة الافتتاحية للدعوى محل الشهر والمقيد بالبطاقة العقارية.
أما في حالة ما إذا لم يتقدم أحد إلى المحافظة العقارية بحكم أو قرار قضائي نهائي بخصوص النزاع محل الشهر، في أجل ثلاثة سنوات من تاريخ شهر الدعوى فإن هذا الأخير يعتبر لاغيا وبالتالي يؤشر عليه المحافظ العقاري بخط أحمر، وهو الأمر الذي وضحته تعليمة صدرت عن مديرية الشؤون العقارية وأملاك الدولة بوزارة المالية بتاريخ 21/04/1988 تحت رقم 02020 موجهة إلى المفتش الرئيسي لشؤون الحفظ العقاري وأملاك الدولة بولاية وهران، وذلك في غياب نص قانوني صريح ضمن التشريع العقاري.

(1)مجيد خلفوني، المرجع السابق، ص 44.
(2)المذكرة الصادرة عن المديرية العامة للأملاك الوطنية بتاريخ 22/03/1993 تحت رقم 385.
(3)أنظر رأي حمدي باشا عمر،( المنازعات العقاري)، ص 238.
(4)تنص المادة 324 مكرر 6 من القانون المدني:«يعتبر العقد رسمي حجة لمحتوى الاتفاق المبرم بين الأطراف المتعاقدة ورثتهم وذوي الشأن، غير أنه في حالة شكوى بسبب تزوير في الأصل يوقف تنفيذ العقد محل الاحتجاج مؤقتا بتوجيه الاتهام، وعند رفع دعوى فرعية بالتزوير يمكن للمحاكم حسب الظروف إيقاف تنفيذ العقد مؤقتا»
وتبقى هذه مجرد تعليمة لا يمكن أن ترقى إلى درجة القانون، وبالتالي فهي غير ملزمة للقضاة، إلاّ أنه في غياب النص ووجود مثل هذا الفراغ القانوني فإننا نرى أنه لا ضير من الاعمال بما جاءت به هذه التعليمة طالما أن المشرع سكت ولم ينظم كيفية تطبيق المادة 85 و نطاقه، فالواقع العملي يجعل من هذه التعليمة تفرض نفسها في التطبيق إذ عادة ما تأخذ الدعاوى وقتا طويلا، ولا يفصل فيها، فهل يبقى بذلك شهر الدعوى المرفوعة أمام القضاء ساري المفعول وبالتالي يؤثر على عدم استقرار حقوق الغير الذين يبقون معلقين بهذا الشهر وبالتالي لا يطمئنوا على معاملتهم العقارية مطلقا، وبنفس المنطق يمكن تصور النزاع الذي حسم وفصل فيه إلاّ أن الحكم النهائي أو القرار النهائي الصادر بشأنه لم يشهر فيها فما مصير شهر الدعوى الأول وما مصير الغير الذي يبقى عالقا بهذا الشهر؟ فهذه الأسباب تجعل المنطق يميل إلى تطبيق ما جاءت به التعليمة السابقة في انتظار تحرك المشرع و حسمه للأمر بنص صريح وقاطع.

الخاتمة
إيمانا مني وعلما بأهمية الموضوع – محل الدراسة – الذي لا أعلم إن كنت قد وفقت أو فشلت في معالجته كما ينبغي نظرا لتشعبه و تبعا لما يثيره من إشكالات لا سيما على المستوى العملي. أمل أن أكون قد ساهمت ولو في إبراز أهم الإشكالات المتعلقة بهذه المسألة من خلال محاولة الإلمام بأهم جوانب الموضوع حتى وإن لم أتوصل إلى نتائج فاصلة و حاسمة للأمر.
فمن خلال ما سبق عرضه اتضح لنا أن الحق العيني غير المشهر لا وجود له ولا يمكن الاحتجاج به كيفما كان، وانطلاقا من الأثر المطهر للشهر فإن الحق المشهر ينتقل إلى صاحبه خاليا من كل الحقوق العينية الأخرى، كما ينتقل بغض النظر عن التصرف الذي أدى إلى شهره فلا عبرة بما إذا كان العقد محل التصرف صحيحا أو معيبا.
إذ الأصل أن هذه العقود تكون قابلة للإبطال، غير أنه يمنع التذرع والاحتجاج بمثل هذه الدفوع في ظل نظام الشهر العيني محافظة على استقرار المعاملات وتدعيما للائتمان العقاري وبالتالي لا يمكن تصور الطعن في العقد التوثيقي المشهر مهما كان سبب ذلك.
وهذا أمر معقول طالما فرّقنا بين العقد (التصرف) الذي قد يكون معيبا، وبين الشهر الذي ينقل الحق العيني لا غير، وعليه لا يكون للقاضي أي دور أو سلطة في ظل هذا النظام في إبطال مثل هذه العقود.
غير أنه من خلال ما تناولناه في الموضوع توصلنا إلى نتيجة وهي أن حجية العقد التوثيقي المشهر محدودة و ليست مطلقة كما ينبغي أن تكون في ظل نظام الشهر العيني، ذلك أن هذه الحجية تزول و تتلاشى تبعا للتصرف محل العقد المشهر، فإذا ما كان معيبا يطعن فيه المتضرر، وبذلك يكون المشرع قد أخذ بالقوة الثبوتية النسبية للشهر لا القوة المطلقة، وذلك بهدف حماية الملكية العقارية للأفراد التي تقتضي عدم الاحتجاج بالعقد التوثيقي المشهر في جميع الحالات التي يكون فيها التصرف معيبا سواء كان ذلك راجع إلى عيب في العقد أو بسبب خطأ المحافظ العقاري الذي قد يشهر حقا خطأ، لذلك نجد أن العقد التوثيقي المشهر يبطل إذا كان مقترنا بغش، وفي هذا الصدد لاحظنا عدم نص المشرع على مثل هذه الحالة، لهذا نرى أنه من الضروري أن ينص المشرع العقاري صراحة على إبطال العقود المنطوية على غش أو تدليس بنص مباشر و واضح حتى يكون مبدأ عاما يشترط لشهر التصرف ويكون محل مراقبة من قبل المحافظ العقاري و من خلال ذلك أبرزنا سلطة القاضي في إبطال العقد التوثيقي المشهر الذي ينطوي على غش وكذلك العقد الصوري الذي غالبا ما يقضي القاضي بعدم نفاذه في مواجهة دائني البائع، ونفس الشيء بالنسبة للعقد الوارد على ملك الغير.
كما بينا سلطة القاضي في إبطال عقد الشهرة لأسباب تتعلق بالشكل كمخالفة إجراءات تحريره أو لأسباب موضوعية تتعلق بمدى توافر أركان الحيازة وشروط صحتها أو تتعلق بطبيعة العقار في حد ذاته، لاسيما إشكالية مدى جواز اكتساب عقار له سند ملكية مشهر عن طريق التقادم المكسب في ظل غياب النص الصريح، إذ كثيرا ما يقوم الموثقون بإعداد عقود شهره لعقارات لها سندات ملكيـة مشهرة، مما يؤدي إلـى ظهور مالكها الذي يطعن فيها، و هنا يكون القاضي في حيرة من أمره، أيبطل هذا العقـد لوروده على عقـار له سند ملكية مشهر أم يبقيه بحجة عدم حظر مثل هذا التصرف بموجب نص قانوني صريح، لذلك ارتأينا دعوه المشرع إلى حسم الموقف بإفراده نصوصا في القانون المدني تتماشى وأحكام الشهر.
كما طرحنا مسألة الخلط في المصطلحات بين مصطلح الإلغاء والابطال إذ لاحظنا كثيرا ما يكون منطوق الحكم يقضي بإلغاء عقد الشهرة لا إبطاله، علما أن هذا المصطلح يصلح في العقود الإدارية فقط أو على الطعن في قرارات المحافظ العقاري المتعلقة بإجراءات الشهر في حد ذاتها وتوصلنا إلى أن المصطلح هو الإبطال لا الإلغاء.
مما قيل آنفا نجد أن للقاضي سلطة واسعة في تقديره لصحة عقد الشهرة من خلال دراسة مدى توافر شروطه الموضوعية والإجرائية من عدمها، وبالتالي له كامل السلطة في إجراء تحقيقات سماعه للشهود أو إجراء خبرات وفقا لما خوله إياه قانون الإجراءات المدنية في سبيل الوصول إلى التقدير الصحيح من ثمة إبطله للعقد إن قدّر وجود عيب يستدعي ذلك.
وفي نقطة أخيرة أثارنا إشكالية تحديد الجهة المختصة للنظر في مثل هذه الطعون المتعلقة بإبطال عقد توثيقي مشهر، واعتمادا على الاجتهاد القضائي المكرس من قبل مجلس الدولة مؤخرا – السابق الإشارة إليه – توصلنا إلى أن القاضي العادي العقاري هو المختص دون غيره، وبالتالي لا مجال للحديث عن القاضي الإداري في مثل هذه الدعاوى، حتى وإن كانت الإدارة طرفا فيها اللهم إلاّ إذا كان الأمر يتعلق بإلغاء قرار من قرارات المحافظ العقاري. مع دعوة القضاء إلى مراقبة مدى شهر الدعوى الرامية إلى إبطال العقد التوثيقي المشهر. وإلاّ قضى بعدم قبولها كجزاء لعدم شهر الدعوى، وهذا الجدية موضوع النزاع الذي قد يؤثر على حقوق الغير العالقة بالعقار محل الدعوى العقارية.
من كل ما سبق نقول أننا حاولنا الإلمام بأهم الأسباب التي تمنع للقاضي فرصة وسلطة ودورا في تقديره لإبطال العقد التوثيقي المشهر أو عدم إبطاله.
ومن خلال دراستنا لم نشعر بأي فرق بين العقد التوثيقي غير المشهر وذلك المشهر، وكأن الكلام عن الشهر وفوائده لا معنا له في ظل قانونفنا الجزائري.
وأخيرا نرى أن الحل يكمن من جهة نظرنا في أمرين اثنين:
أولهما:ضرورة إفراد نصوص عقارية توضح أكثر و تكرس مبادئ الشهر العيني من خلال التنسيق بين القواعد العقارية ذاتها، وبذلك تفادي الثغرات القانونية التي قد تسمح بالتذرع بها سواء من قبل المتقاضين أو من طرف القاضي على حد سواء.
وبالموازاة إعادة النظر في القانون المدني حتى يتماشى و يتلاءم ومبادئ الشهر العيني.

ثانيهما: الأخذ بالكل أو طرح الكل، لأن الجزائر وإن أخذت بنظام الشهر العيني إلاّ أنها في الوقت ذاته لم تحسم الأمر بالنسبة لنظام الشهر الشخصي الذي لا يزال قائما حتى الآن، مما نرى ضرورة تعميمها وإتمامها لعمليات المسح في أقرب الآجال حتى نكون أمام نظام شهر واحد هذا من زاوية، ومن زاوية ثانية فحتى نظام الشهر العيني لم تأخذ به – كما أخذت به التشريعات المقارنة التي انتهجت هذا الأسلوب –بجميع معطياته و متطلباته، لاسيما بالنظر إلى المحافظ العقاري الذي يعد العمود الفقري لقيام نظام الشهر العيني و تجسيـد
مبادئه واقعيا، حيث نرى أن المشرع منحه صلاحيات متميزة ومهمة تتمثل في فحص مدى شرعية التصرفات العقارية المبرمة، وبالتالي رفضه لإشهارها على مستوى المحافظة العقارية إذا ثبت له عدم مشروعيتها أو مخالفتها للنظام العام أو لعيب يشوبها طبقا لما قضت به المادة 105 من المرسوم 76/63، حيث نجد أن هذه المهام لا يمكن القيام بها إلاّ من طرف من له صفة القاضي، وطالما كذلك فالحل يكمن في نظرنا في هذه النقطة بالذات، إذ على المشرع أن يمنح هذه الصلاحيات لقاض بدل موظف كالمحافظ العقاري، وبالتالي يساهم في استئصال المشكل من جذوره وحله أمام المحافظة العقارية مباشرة قبل الوصول إلى القضاء، وبالتالي بطريقة غير مباشرة يكون قد خفف على جهاز العدالة من القضايا التي قد تكون في غنى عنها من جانب، ومن جانب آخر تضمن للمتعاقدين بموجب عقد توثيقي مشهر أو لصاحب العقد المصرح بالملكية المشهر تحصين حقوقهم التي لا يمكن المساس بها بعد إشهارها والطعن فيها مهما كان السبب وبالتالي تستقر المعاملات العقارية ويطمئن الأفراد لعدم المنازعة في ملكياتهم العقارية وحقوقهم العينية المشهرة وبهذا نصل إلى القوة الثبوتية المطلقة للشهر و نكرس و نحقق المبادئ التي يدعو إليها نظام الشهر العيني الفعلي.

انتهى بعون الله و فضله

قائمة المراجع
I - المراجع العامة:
أ-المؤلفات باللغة العربية :
1- د/معوض عبد التواب، السجل العيني علما وعملا، دار الفكر العربي، 1988.
2- د/معوض عبد التواب، الشهر العقاري والتوثيق علما وعملا، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1986.
3- مدحت محمد حسنين، إجراءات الشهر العقاري، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1992.
4- د/عبد الحميد الشواربي، إجراءات الشهر العقاري في ضوء القضاء والفقه، منشأة المعارف الإسكندرية.
5- عرب عبد القادر، المرجع العملي في الشهر العقاري والتوثيق، دار الفكر العربي، 1992.
6- أنور طلبة، الشهر العقاري والمفاضلة بين التصرفات، 1996.
7- د/إدوار عيد، الأنظمة العقارية (التحديد والتحرير، السجل العقاري) طبعة ثانية معدّلة وفقا لأحدث الاجتهادات والآراء الفقهية، 1996.
8- د/توفيق حسن فرج، عقد البيع والمقايضة في القانون اللبناني، طبعة 1973.
9- أ/ليلى زروقي وحمدي باشا عمر، المنازعات العقارية، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، طبعة 2002.
10- مجيد خلفوني، نظام الشهر العقاري في القانون الجزائري، الديوان الوطني للأشغال التربوية، الطبعة الأولى، 2003.
11- حمدي باشا عمر، القضاء العقاري في ضوء أحدث القرارات الصادرة عن مجلس الدولة والمحكمة العليا، دار هومة، طبعة 2002.
12- حمدي باشا عمر، حماية الملكية العقارية الخاصة، دار هومة، طبعة 2002.
13- حمدي باشا عمر، نقل الملكية العقارية في ضوء آخر التعديلات وأحدث الأحكام، دار هومة، طبعة 2002.
14- حمدي باشا عمر، دراسات قانونية مختلفة، دار هومة، طبعة 2002.
ب- المؤلفات باللغة الفرنسية
1-Philippe simler, Philippe Delebecque, Droit civil, les surétes, la publicité foncière, 2 éme édition, Dalloz.
2-Marty Gabriel, Droit civil, les surétes, la publicité foncière, Paris, Sirey 1974.

II - المراجع الخاصة
1-الرسائل الجامعية:
1- موسى نسيمة، حجية العقود المشهرة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق بن عكنون، الجزائر، 1988.
2- صداقي عمر، شهر التصرفات العقارية في القانون الجزائري ، رسالة ماجستير، كلية الحقوق بن عكنون، الجزائر.

2-المحاضرات والمقالات:
أ‌- المحاضرات:
1/ زودة عمر، محاضرات في قانون الإجراءات المدنية ملقاة على الطلبة القضاة للسنة الأولى، بالمعهد الوطني للقضاء، السنة الأكاديمية 2001/2002.
ب-المقالات:
1- أ/زورقي ليلى، التصرفات القانونية الواجبة الشهر والآثار المترتبة عنها، مجلة الموثق سنة 1998، عدد 5.
2- أ/زروقي ليلى، نظام الشهر و إجراءاته في القانون الجزائري، مجلة مجلس الدولة، سنة2002، عدد 2.
3- أمين بركات سعود، آثار القيد في السجلات العينية (دراسة مقارنة)، المجلة القضائية لسنة 1995، عدد2.
4- د/ فيلالي علي، الشهر العقاري في ضوء القضاء الجزائري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية الاقتصادية والسياسية، كلية الحقوق بن عكنون، السنة 2000، عدد 2.
5- د/ معاشو عمار المنازعات العقارية بين الأفراد فيما بينهم و بين الأفراد والدولة، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية، الإقتصادية والسياسية السنة 2000، عدد 2.
6- د/ موسى بوصوف، دور القاضي الإداري في المنازعات العقارية، مجلة مجلس الدولة سنة 2002، عدد 2.
7- بوركي محمد، التوثيق والإشهار العقاري، مجلة الموثق، سنة 1998، عدد 5.
8- حمدي باشا عمر، عقد الشهرة، مجلة الموثق لسنة 2001، عدد4.
9- أ/زودة عمر، تعليق على قرار الغرفة الإدارية رقم 129947 الصادر بتاريخ 09/03/1998، مجلة الموثق، لسنة 1999، عدد 6.
10- عبيد الله مسعود، عدل الموثق وحجية العقد التوثيقي، مجلة الموثق لسنة 99، عدد 6.
11- محمد سباغ، التوثيق والعقود الرسمية، مجلة الموثق لسنة 1998، عدد 5.
12- مقال علاقة القضاء بالتوثيق (لم يشير إلى مؤلفه)، مجلة الموثق سنة1999، عدد 6.
13- رامول خالد، قاعدة الأثر النسبي، مجلة الموثق لسنة 2002، عدد 5.

III-المجلات القضائية:
-المجلة القضائية لسنة 1993 عدد 1 و 2.
-المجلة القضائية لسنة 1994 عدد 1.
-المجلة القضائية لسنة 1995 عدد 1.
-المجلة القضائية لسنة 1997 عدد 1 و 2.
-المجلة القضائية لسنة 1998 عدد 2.
-المجلة القضائية لسنة 2000 عدد 1.

VI – النصوص القانونية والتنظيمية:
1- الأمر رقم 66/154 المؤرخ في 08/06/1966 المتضمن قانون الإجراءات المدنية.
2- الأمر رقم 75/58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 المتضمن القانون المدني المعدل والمتمم.
3- الأمر 75/74 المؤرخ في 12/11/1975 المتضمن إعداد المسح العام للأراضي وتأسيس السجل العقاري.
4- قانون رقم 88/27 المؤرخ في 12/07/1988 المتضمن تنظيم مهنة التوثيق.
5- قانون 90/25 المؤرخ في 18/11/1990 المتضمن التوجيه العقاري المعدل والمتمم بالأمر رقم 95/26 المؤرخ في 25/12/1995.
6- القانون رقم 03/22 المؤرخ في 28/09/2003 المتضمن قانون المالية لسنة 2004، الجريدة الرسمية الصادرة في 29/12/03، عدد 83.
7- المرسوم التنفيذي 76/62 المؤرخ في 25/03/1976 المعدل والمتمم بالمرسوم رقم 84/400 المؤرخ في 24/12/1984 والمرسوم رقم 92/138 المؤرخ في 07/04/1992 المتعلق بتأسيس السجل العقاري.
8- المرسوم التنفيذي رقم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المعدل بالمرسوم 80/210 المؤرخ في 13/09/1980 المعدل بالمرسوم رقم 93/123 المؤرخ في 19/05/1993 المتعلق بتأسيس السجل العقاري.
9- المرسوم التنفيذي 83/352 المؤرخ في 21/05/1983 يسن إجراء إثبات التقادم المكسب وإعداد عقد الشهرة المتضمن الاعتراف بالملكية.
10- قرار وزير العدل الصادر في 15/09/1996 المتمم لقرار 01/04/1994 المتمم لقرار 25/09/1990 المحدد لعدد أقسام المحاكم.

V – المذكرات التنظيمية:
1- مذكرة صادرة عن المديرية العامة للأملاك الوطنية في 22/03/1993 تحت رقم 385.
2- مذكرة صادرة عن المديرية العامة للأملاك الوطنية بتاريخ 14/02/1994 تحت رقم 626.
3- مذكرة صادرة عن المديرية العامة للأملاك الوطنية بتاريخ 29/03/1994 تحت رقم 1215.
4- تعليمة صادرة عن مديرية الشؤون العقارية وأملاك الدولة بوزارة العدل بتاريخ 21/04/1988 تحت رقم 02020 موجهة إلى المفتش الرئيسي لشؤون الحفظ العقاري و الأملاك الوطنية لولاية وهران.
5- تعليمة صادرة عن المديرية العامة للأملاك الوطنية بتاريخ 21/12/1999 موجهة إلى مدراء أملاك و محافظي الشهر العقاري عبر الولايات.



المواضيع المتشابهه
عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
طلب استشارة قانونية للحصول على العقود fatima40202016
0 288 fatima40202016
العقود التوثيقية في القانون الجزائري أمازيغ
1 1979 أمازيغ
أنواع العقود في القانون الجزائري stardz
0 1245 stardz
العقود الادارية في التشربع الجزائري law2012
1 2074 law2012
بحث حول تقسيم العقود Division des contrats ليندا
1 3413 ليندا

الكلمات الدلالية
بحث ، حول ، العقود ، التوثيقية ،


 







الساعة الآن 06:47 صباحا