أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في المحاكم والمجالس القضائية ، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





التطور التاريخي لحقوق الإنسان

السلام عليـــــــــكم محاضرات في حقوق الإنسان الأستاذ : حمدوش رياض كلية الحقوق قسنطينة الجزائر التطور التاريخي لحقوق ..



10-06-2013 05:35 مساء
نوفل
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 14-08-2012
رقم العضوية : 53
المشاركات : 114
الجنس : ذكر
الدعوات : 2
قوة السمعة : 20
المستوي : ليسانس
الوظــيفة : إداري
 offline 



السلام عليـــــــــكم

محاضرات في حقوق الإنسان

الأستاذ : حمدوش رياض
كلية الحقوق قسنطينة الجزائر

التطور التاريخي لحقوق الإنسان
- تطور فكرة حقوق الإنسان و مراحلها التاريخية:
ظهرت حقوق الإنسان عبر مراحل التاريخ المختلفة بدلالات عديدة، إستهدفت جميعها حرية الفرد، و حماية وجوده و رفع مستواه المادي، المعنوي، الصحي و الاجتماعي، ويمكن تتبع مراحل تطور الإهتمام بحقوق الإنسان و حرياته الأساسية عبر مراحل تاريخية ثلاث كالتالي:
 - حقوق الإنسان في العصور القديمة.
 - حقوق الإنسان في العصور الوسطى.
 - حقوق الإنسان في العصر الحديث.
 
أ- حقوق الإنسان في العصور القديمة:
 مرت حقوق الإنسان في العصور القديمة بمحطات عديدة نعرض لها بنوع من التفصيل فيما يلي
و سنتناول معها التغييرات التي وردت على مضمون كل محطة ( المحطات هنا هي نماذج عن الحضارات القديمة).
- حقوق الإنسان في الحضارة المصرية القديمة:
ساد الإعتقاد لدى المصريين القدماء بأن الفرعون ( أعلى هرم في الدولة) كان مفوضا من قبل الآلهة ليعبر عن وجودها على وجه الأرض، مما منحه سلطة مطلقة، إذ اعتبر الفرعون إلها و اعتبرت إرادته قانونا، حيث كان يتصرف بالطريقة التي يريدها و يرغبها و ما على الشعب إلا الخضوع. و بما أن الفرعون ممثل للآلهة التي تتصرف ضمن إطار الحق فكل ما يتفوه به صاحب الجلالة يجب أن يتم و يتحقق فورا. و قد كانت للفرعون وظائف متعددة في مجالات مختلفة، فأما الوظيفة الدينية فتمثلت في تعيين مراتب ودرجات الكهنة الذين يقومون على خدمة الآلهة في المعابد، و أما وظيفته العسكرية فتلخصت في حماية شعبه و بلاده من الأخطار الخارجية فضلا عن الوظيفة السياسية التي إرتكزت على نقطتين هامتين تمثلتا في نشر و تطبيق العدالة بشكل دقيق و صارم بين الرعية و ثانيها توفير الأمن و صيانة النظام في البلاد. و بذلك سير الفرعون شؤون البلاد بصورة مباشرة و بمساعدة وزراء يعينهم و يقيلهم متى أراد وشاء
 فلم يكن هناك مجال لممارسة الحرية الفردية الإجتماعية أ و الإقتصادية أمام الفرعون فهو الذي يحدد دور الأفراد و الفئات في المجتمع و يعين لكل عامل نوعية العمل الذي عليه القيام به
 و الأجر الذي يجب أن يتقاضاه
 و يفرض القيام بأعمال السخرة في مراقبة أقنية الري و إنشاء السدود و غيرها. ولم يكن بوسع أحد القيام بمبادلات خارجية، إذ كان الملك صاحب الإحتكار في التصدير و الإستيراد فهو وحده يملك وسائل ممارسة التجارة الخارجية من أساطيل بحرية أو قوات عسكرية.
أما الأسرة فحظيت بنصيب من التنظيم حيث ارتكزت آنذاك على أعراف و تقاليد أعطت للمرأة حقوقا. فرغم تعدد الزوجات إلا أنها منحت حق الإحتفاظ بملكية ما تقدمه بموجب عقد الزواج
 و في حال وفاة الزوج تنتقل السلطة العائلية مباشرة إلى الأم التي تدير شؤون الأسرة داخل وخارج البيت باستثناء وجود إبن بلغ سن الرشد والذي يقوم بدور رب الأسرة اتجاه أمه وأخواته
 و إخوته،  كما وجد الأطفال نصيبهم من الإهتمام عن طريق إحاطتهم بعناية خاصة و عطف كبير.
و أما عناصر المجتمع الفرعوني فكانت تتمثل في:  (2).
 
- العمال: أوضاعهم كانت صعبة نتيجة لأعمالهم الشاقة باستثناء الحرفيين الذين كان وضعهم الاجتماعي أحسن  بسبب حاجة البلاط و الطبقات الميسورة لخدماتهم.
 - الفلاحون: يعملون لدى الإقطاعيين الذين يتقاسمون معهم المحاصيل و يخضعونهم لأعمال السخرة.
 - الجنود: هما شقان جنود الصف( و هم من المرتزقة) كان الفرعون يمنحهم أراضي صغيرة من أجل زراعتها و استثمارها، و يجوز لهم توارثها مع أبنائهم. الضباط و ينتسبون إلى الأسر العريقة و يتمتعون بوضع إجتماعي جيد.
 - الكتبة: و يحتلون مكانة مرموقة في الدولة و المجتمع، و الكاتب مؤهل لاحتلال أعلى المناصب الإدارية حسب قربه من البلاط و الفرعون.
 - الكهنة: و هي أعلى طبقة، يمارسون تأثيرا شديدا على الفرعون باعتبارهم القيمين المباشرين على خدمة الآلهة و على الشعب المتمسك إلى درجة كبرى بعقائده الدينية المقدسة.
 
- حقوق الإنسان في حضارة بلاد ما بين النهرين:
 ساد الإعتقاد لدى هذه الحضارة بان القانون هو تعبير عن الإرادة الإلهية  التي يكشف عنها الملك أو الكهنة، و بذلك بدأ التشريع المدون مع تقدم الحضارة الإنسانية في بلاد ما بين النهرين. و نأتي هنا على ذكر بعض التشريعات:
 - تشريع الملك أوروكاجينا :  يعود إلى حوالي2400 ق.م و يشير هذا التشريع المنقوش على حجر الآجر أن الملك المذكور قد ألغى نظام تعدد الزوجات و حما اليتيم و الأرملة (1) .
 - تشريع الملك أور-نمو: إكتشف من هذا التشريع  إثنتان و عشرون مادة و يعده الباحثون في تاريخ القانون أقدم قانون مدون في تاريخ البشرية، و ذلك لأنه مبوب وفق الأسلوب الصحيح للقانون، تشير مقدمة هذا القانون إلى أن الإله ننار- إله القمر- إله مدينة أور، قد فوض الملك
أور-نمو لحكم المدينة و وصفه بالملك الورع التقي العادل، الذي جاء للقضاء على الفساد
 و الفوضى و سوء  الإدارة و التجاوز على حقوق الآخرين و بذلك تمتع الناس بحقوقهم  و حريتهم (2) .

 - قانون الملك لبت عشتار البابلي : 1934-1924ق.م خامس ملوك سلالة إيسن، يحتوي هذا القانون على سبع و ثلاثين مادة تمثل ثلث النص الأصلي للقانون الذي تلف ثلثاه، وتناولت مواد القانون المكتشفة شؤون الأراضي الزراعية و السرقة و أوضاع العبيد و الضرائب و الحقوق المالية و الإجتماعية و الإرث (3) .
 - تشريع مملكة أشنونا: إكتشف في ضواحي بغداد، كان باللغة الأكادية(*) على لوحتين من الآجر و قد صدر حوالي سنة 1800 ق.م و بلغ عدد مواده المكتشفة سبعين مادة تناولت الأسعار
 و الأجور و العقود و العقوبات و شؤون الآسرة (4) .
 
4 - شريعة أو قانون حمورابي : أهم التشريعات التي اكتشفت في بلاد ما بين النهرين، هذا القانون الذي سنه حمورابي وجد منقوشا نقشا جميلا على أسطوانة من حجر البازلت نقلت من بابل إلى عيلام حوالي 1100 ق.م فيما نقل من مغانم الحرب و كانت هذه الأسطوانة من بين أنقاض مدينة سوسة التي كانت مقرا للإمبراطور داريوس(*) و كان يحتوي على خمسة أبواب رئيسية هي: التقاضي و أصول المرافعات، المعاملات المالية، الأحوال الشخصية، الأجور و العبيد، و يشتمل هذا القانون على 282 مادة. يخضع هذا القانون جميع المواطنين لأحكامه من موظفين و قضاة   و رجال دين و المواطنين العاديين و العبيد، رجال و نساء على حد سواء وقد تضمن مبدأ التعسف في استعمال الحق الفردي أي أن الحقوق الخاصة  يجب ألا تسبب إضرارا بحقوق الآخرين، ونظم القانون حقوق الأسرة و أوجب العقد في الزواج وإلا كان باطلا وحد من سلطة الزوج على زوجته و منح الزوجة شخصية حقوقية تسمح لها بالدفاع عن حقوقها و بإدارة أملاكها و أموالها و كان باستطاعتها أن تمارس التجارة باسمها الخاص، كما كانت البنات تذهبن إلى المدرسة لتلقي العلم مع الصبيان جنبا إلى جنب، كما تحسنت  أحوال الطلاق حيث ألزم حمورابي الزوج  عند الطلاق بأداء نفقة لها لتعول أطفالها و جعل إليها الوصاية عليهم فضلا عن أداء الصداق لها، و خفف من السلطة الأبوية و حصر حق الحرمان من الإرث بالمحكمة و بهذا لم يعد بإمكان الأب أن يحرم إبنه من الإرث إلا بسبب تقدره المحكمة و تقضي به و نص القانون على أن ينال الأرامل و اليتامى و الفقراء حقوقهم غيرأنه ميز بين المواطنين و الأجانب و بين الأحرار و العبيد في المجتمع البابلي وميز بين المواطنين الأحرار بتصنيفهم إلى فئات إجتماعية متباينة (1) .
 
- حقوق الإنسان في الحضارة الإغريقية:
ترتكز الحضارة اليونانية في تطورها التاريخي على" المدينة" (لذلك سميت بحضارة دولة المدينة) التي كانت تتمتع بسيادة مطلقة على الكائنات و الأشياء. وتستمد سيادتها من النواميس و الشرائع و العادات التي تسمو بالإحترام الذي توحيه و النفوذ الذي تفرضه على كل الإرادات الفردية. و خاصية هذه المدينة اليونانية- أثينا و اسبارطه- هو أنها جمهورية ترفض الملكية الوراثية و تجهل معنى الحكم الفردي، فالجماعية في إدارة الشؤون العامة هي السمة السائدة.
إن التقسيم الطبقي لم يكن واحدا في كل المدن اليونانية فأما اسبارطه فقد تألفت من ثلاث طبقات: المواطنين و الطبقة الوسطى، الفلاحين و أما أثينا فعرفت طبقتين هما المواطنين و الأجانب.
لقد كان المواطنون في اسبارطه يخضعون منذ بلوغهم سن السابعة و حتى سن الرشد، لنظام خاص من التربية و التدريب العسكريين و يبقون في خدمة المدينة كجنود حتى سن الثلاثين و بعد هذا العمر و حتى الستين يتحولون إلى فرقة الإحتياط التي تهب لحمل السلاح دفاعا عن المدينة كلما هددها خطر خارجي أو داخلي و تعيش هذه الطبقة من ريع أراضيها التي يقوم العبيد بزراعتها.
هذه الدولة-المدينة التي كانت تحرم مواطنيها من حريتهم الجسدية و الفكرية و هم أطفالا كانت تمنحهم من جهة أخرى إمتيازات خاصة فالوظائف الأساسية: التشريعية و السياسية و الإهتمام بشؤون العامة هي من حقهم لوحدهم دون الطبقات الأخرى.
أما الطبقة الوسطى التي كانت تنعم بالحرية الكاملة في ميدان النشاط الإقتصادي لم يكن لها الحق في التعاطي بالشؤون السياسية العامة.
 
أما طبقة الفلاحين فكانت أقرب في وجودها إلى طبقة العبيد منها إلى طبقة المواطنين العاديين وكل ما يفرقها في وجودها عن الأرقاء هو إسمها و انتماؤها إلى مواطنية المدينة من الناحية الحقوقية. أما في أثينا فكان الوضع مختلفا، فالمواطنون الأصليون كانوا يتمتعون بكامل حقوقهم السياسية و المدنية ابتداءا من سن الرشد حيث يسمح لهم بالمساهمة المباشرة في شؤون المدينة. وهم لا يخضعون في تربيتهم لأي توجيه مسبق، وليس هناك تمييز بين فرد و آخر في الحقوق فهم جميعهم أعضاء أصليون في المجلس يعبرون عن آرائهم بحرية و مساواة.
أما الأجانب فيتألفون من الأحرار غير العبيد الذين استطاعوا إيجاد كفيل أثيني كي يسمح لهم بالعيش داخل المدينة، و من لم يكن يتمتع بحماية مواطن أثيني كان يعرض نفسه للإمتلاك من قبل الآخرين أو للبيع كرقيق و كان يسمح لهؤلاء الأحرار بممارسة بعض المهن الحرة و التجارة و غيرها.

أثينا الديمقراطية لم تلغي الرق، و كذا اسبارطه التي كانت ترى فيه وسيلة لإزدهار المجتمع فالمواطنون الأصليون مهتمون بالقضايا السياسية التي لا تسمح لهم بتعاطي الأعمال اليدوية، لذا فهم بحاجة للعبيد و الأرقاء لتأدية هذه الأعمال، وقد كان بإمكان هؤلاء العبيد استرداد حريتهم بموجب وصية من أسيادهم، أو عن طريق شراء هذه الحرية أو بقرار من الدولة لمكافئتهم لميلاد المسيح عليه السلام على خدمات قدموها لها، أو لضمهم إلى الجيش كجنود، إلا أنهم و في كل الأحوال عليهم البقاء مرتبطين بأسيادهم حتى في مرحلة انعتاقهم من العبودية (1) .
 
- حقوق الإنسان في روما القديمة: (2).
عرفت روما أنظمة سياسية متعددة (*) خلال حقبتين تاريخيتين هامتين، الحقبة السابقة للميلاد
- وتمتد على سبعة قرون و نصف تقريبا- و الحقبة المتزامنة مع ظهور و انتشار الديانة المسيحية و التي استمرت حتى بداية القرن الخامس الميلادي.
و يعود هذا التقلب في النظام السياسي إلى طبيعة تطور الدولة الرومانية نفسها التي انطلقت في غزوات محدودة إلى المناطق المجاورة قبل أن تمتد في فتوحات كبرى متشعبة الإتجاهات
 و لاسيما ناحية المشرق الذي كانت ثرواته هي أساس قوتها و عظمتها. ومن الطبيعي أن يترافق هذا التطور السياسي مع تبدل هام في المفاهيم و الأنظمة الإجتماعية السائدة، لاسيما و أن روما أدخلت شعوبا متنوعة تحت سيطرتها.

وكان التطور الذي عرفته روما قد شمل ميدانين أساسيين هما المضمون الديني للسلطة، و ثانيها تنظيم الأعراف و العادات التي كانت قائمة على التقليد الشفهي في إطار قوانين مكتوبة.
فالسلطة التي كانت إبان الملكية تتسم بطابع ديني يوكل إلى العاهل مهمة الوسيط بين الشعب
 و الآلهة إلى جانب دوره السياسي، شهدت في عهد الجمهورية فصلا تاما بين ما هو سياسي و ما هو ديني، ووجهت  الدولة باتجاه علماني و أصبح القنصل حاكم الجمهورية يتعاطى فقط بالشؤون المدنية باعتبار أن الشؤون الدينية لم تعد من اختصاصه.
أما على المستوى القانوني فقد أحرزت روما تقدما في حقل التشريع كان نتيجة الصراعات الطويلة بين طبقة النبلاء ( أو الأرستقراطيون ) وبين طبقة العامة. فبالإضافة إلى الرق الذي كان سائدا فيه على غرار المجتمعات المجاورة، كان مجتمع روما ينقسم بشكل واضح إلى طبقتين هما طبقة العائلات القديمة النبيلة التي احتكرت لنفسها السلطة  في مجلس الشيوخ و مجلس الشعب
 و التي لم تكن تمارس أي  عمل آخر خارج إطار هذا الدور السياسي، و طبقة العامة التي تتألف من المواطنين الأحرار الذين كانوا  يقومون بأعباء الإنتاج الاقتصادي في ميادينه المختلفة
 و بدور عسكري يتلخص بالدفاع عن الدولة، و المساهمة في حروبها الخارجية.
 
هذه الطبقة الشعبية ظلت لفترة طويلة تشتكي من عدم وجود حقوق محددة لها. من هنا برزت ضرورة وجود  نصوص واضحة  تحدد هذه الحقوق و يلتزم بها القضاة.
إن أبرز مراحل كتابة القانون الروماني تمثلت بقانون الألواح الإثني عشر في 451 ق.م  و قانون كركلا الصادر في 212 ق.م.
بالنسبة لقانون الألواح الإثني عشر(1). قامت لجنة من عشرة أشخاص وضعت عشرة ألواح قوانين، ثم قامت لجنة ثانية بإضافة لوحين آخرين في 449  ق.م و تتضمن هذه الألواح قواعد موجزة تنظم بعض نقاط القانون و تتناول المسائل الإجرائية في الدعاوى، الإجراءات الشكلية
والإثبات و استدعاء الشهود و الاعتراف و الحكم و تنفيذه...الخ و القضايا العائلية و إجراءات عقد الزواج و الطلاق، و قواعد تحدد شرعية الأولاد و الوصاية عليهم و غيرها. و حقوق فعلية تعالج الملكية العقارية و انتقالها.
أما اللوحان الحادي عشر و الثاني عشر فيركزان على ضمان بعض الحقوق الفردية لاسيما منع إعدام أي شخص لم يحاكم بصورة صحيحة، كما يقيمان تشريعا دستوريا يؤكد على أن القانون الجديد يلغي القديم الذي يعالج القضايا نفسها.
تتمثل قيمة هذه الألواح في كونها حققت القانون بصورة فعلية في الوقت الذي كانت فيه الأعمال القانونية تستمد قيمتها من الإيمان و السحر و الطقوس الدينية، و قد جاء هذا القانون ليؤكد على انطلاق العمل القانوني من نص صريح يحدد الحق و يعترف به(2).
بالنسبة لقانون كركلا فقد أضاف حقا جديدا وهو حق المواطنة الكاملة لجميع الأفراد القاطنين على أراضي  الإمبراطورية،  ولم يبق خارج هذا الحق سوى العبيد.
لذا فإن قانون - كركلا - كان  بمثابة دستور حقيقي للإمبراطورية يرسخ فكرة المواطنة على أساس المساواة بين الأعراق التي تتشكل منها، و قد أصدر القانون هذا الذي ترجم المساواة بين سكان روما و بقية أراضي الإمبراطورية على شكل حقوق أساسية معترف  بها لكل المواطنين مثل الحقوق السياسية( كالترشيح و الإنتخاب)، الحقوق العائلية( أي حقوق و واجبات الزوج و الزوجة و الأولاد)، الحقوق التجارية على مختلف أنواعها، و الحقوق القضائية بما تعنيه من حق إقامة الدعاوى و حق الدفاع أمام المحاكم (3) .
 
ب- حقوق الإنسان في العصور الوسطى:
تطلق عبارة العصور الوسطى على الفترة الممتدة من القرن الخامس الميلادي إلى القرن السادس عشر الميلادي  و تتميز هذه المرحلة بحدثين هامين، و هما ظهور الشريعة الإسلامية و الثاني أن أوروبا في ذلك العصر كانت تعيش أوضاعا خاصة أثرت على مسيرة حقوق الإنسان، لذلك سوف ندرس هذا العنصر من خلال نقطتين: نظرة الشرائع السماوية ثم التجربة الأروبية.

ا- في الشرائع السماوية:
كرس الأساس الديني لحقوق الإنسان الكرامة الإنسانية في الشرائع الدينية السماوية خاصة المسيحية و الإسلام، و لعبت التعاليم الدينية دورا تاريخيا حاسما في إنشاء القواعد القانونية
 و تقدمها. غير أن هذه الديانات حرفت ولم يسلم من التحريف إلاّ الإسلام
 
1- الديانة اليهودية:
إحترمت شريعة موسى عليه السلام الإنسان و منحته حقوقه الأساسية، و احترمت الأسرة
و حقوقها في المجتمع العبري، غير أنها ميزت بين اليهودي و الغريب ومن الأمثلة عن هذا التمييز قضية الحرية و استرقاق البشر، فاليهود لا يسترقون لأنهم عبيد الله الذين أخرجهم من مصر، فلا يباعون بيع العبيد. و قد جاء في سفر الخروج  أن الله كلم موسى بقوله:" إذا اشتريت عبدا عبرانيا فليخدم ست سنين  و في السنة السابعة ينصرف حرا مجانا... و إن باع رجل إبنته آمة، فلا تنصرف انصراف العبيد، و إن لم تعجب سيدها الذي أخذها لنفسه، فليدعها تفتدى، و ليس له أن يبيعها لقوم غرباء" (1). أما غير اليهود فيجوز استرقاقهم بالحرب أو بالشراء و يعاملون بعنف.
 
 2- الديانة المسيحية:
ركزت الديانة المسيحية على كرامة الإنسان و على المساواة بين جميع البشر باعتبارهم أبناء الله  و أوصى المسيح عليه السلام تلامذته أن يعاملوا الناس بمثل ما يحبون أن يعاملوهم به. فكانت دعوته خروجا عن العنصرية اليهودية، و وضعت أسسا لتقييد السلطة التي وجدت لخدمة الإنسان. قال يسوع لتلامذته:" تعلمون أن الذين يعدون رؤساء الأمم يسودونها، و أن أكابرها يتسلطون عليها فليس الأمر فيكم كذلك، بل من أراد أن يكون كبيرا فيكم فليكن لكم خادما(2). و قال أيضا:" أدوا لقيصر ما لقيصر، وما لله  لله "(3).
لقد كانت المبادئ التي رسختها المسيحية ثروة متقدمة في مجتمع يبني علاقاته على القوة  والتمايز الطبقي، فهي دعت إلى المحبة و التسامح بأرقى أشكاله الإنسانية  " أحبوا أعداءكم أحسنوا إلى مبغضيكم، من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضا " و قللت من قيمة ملكية الأشياء، و رفضت النزاعات الناجمة عنها، و وعدت المضطهدين و المعذبين في الأرض المؤمنين بقدسية العقيدة بعالم من نوع آخر غير العالم الذي يعرفونه آنفا. و رسمت حدودا فاصلة بين ما هو ديني و ما هو دنيوي من أجل تنظيم المجتمع الإنساني على أسس واضحة، خاصة فيما يتعلق بالروابط بين الفرد و السلطة. هذا الإيمان بوجوب خلق مجتمع تسوده العدالة و المساواة بين البشر ظهر جليا في سلوك الكنيسة الذي ترك إنعكاسات أخلاقية واضحة.
و على المستوى العائلي أيدت الكنيسة  بقوة التشريعات العائلية كتشجيع الزواج و منع الزنا و تقوية الوحدة العائلية...الخ.
 
و آما على المستوى الإقتصادي و الإجتماعي أقامت الكنيسة على أراضيها حرف مهنية لتشغيل العاطلين عن العمل و المطرودين من أراضيهم، كذلك بناء المستشفيات للمرضى و العاجزين    و دورالأيتام و المشردين. كما بذلت جهود لتحرير العبيد و عتقهم حيث كانت الكنيسة تجمع
وقد أعطت الكنيسة قيمة إجتماعية كبيرة للعمل، حيث عملت على إصدار تشريع يجعل من مسألة العمل في حد ذاتها المدخل الأساسي للإرتقاء إلى المناصب الأخرى، فأصبح العمل مأجورا
 و الحوادث الناجمة عنه يجب أن يتحملها رب العمل و ليس العامل.
غير أن الإمبراطورية الرومانية كرست المسيحية لصالح الأباطرة ورجال الدين فاستعبدوا الشعوب وانتهكوا حقوق الإنسان .
 
3- في الإسلام:
لقد كان الإسلام بمثابة ثورة حقيقية لا مثيل لها في التاريخ الإنساني كله، و كان الإنسان و حرياته و حقوقه فيها هو حجر الزاوية في المجتمع الجديد، حيث جاء بنظام كامل لتنظيم كافة أنواع السلوك الإنساني، فنظم علاقة الفرد بالفرد و علاقته بالمجتمع و كدا علاقة الحاكم برعيته، و بذلك يكون الإسلام قد أعطى أهمية بالغة للإنسان من خلال إبرازه لأهم حقوقه المتمثلة أساسا في المساواة و الحرية. و يقول عن هذا الدكتور علي عبد الواحد"ترجع أهم حقوق الإنسان العامة إلى حقين رئيسيين هما المساواة و الحرية" (1).
و قد ادعت الأمم الديمقراطية الحديثة- مثل فرنسا و بريطانيا- أن العالم الإنساني مدين لها بتقرير هذين الحقين، فذهب الإنجليز إلى أنهم أعرق شعوب العالم، و زعم الفرنسيون أن جميع الإتجاهات وليدة الثورة الفرنسية لسنة 1789 (2) و أنكرت أمم أخرى كالولايات المتحدة الأمريكية و إيطاليا على الإنجليز و الفرنسيين هذا الفضل و ادعته لنفسها و الحق أن الإسلام  هو أول من قرر المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان في أكمل صورة و أوسع نطاق، حيث نظم الإسلام إلى جانب العبادات (علاقات الإنسان بخالقه) و جانب المعاملات (علاقات الإنسان مع الآخرين)، جميع المعاملات الإنسانية  فأعطى لكل ذي حق حقه.
 
الحقوق المدنية و تشمل:
 - الحق في الحياة:  حق فطري يولد مع ولادة الإنسان حيا فلا يمكن لأي كان التعرض لحياته سواء بقتله أو إعدامه أو إبادته ضمن مجموعة بشرية لانتمائها إلى فئة معينة. لقوله تعالى:" من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"(3).
 - الحق في الحرية: حرية الإنسان مقدسة إذ تلازمه باعتبارها الطبيعة الأولى التي يولد بها. لقوله صلى الله عليه و سلم"ما من مولود يولد إلا و يولد على الفطرة" (4) . و ليس لأحد أن يتعدى على حرية غيره و تستحضرنا مقولة عمر رضي الله عنه"متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" و يستثنى من قاعدة الإستعباد تلك الأعمال التي تدخل في إطار الأشغال الشاقة التي يكون قد صدر بحقها حكم محكمة مختصة و كذا الأعمال التي تدخل تحت دائرة الخدمة العسكرية أو تسخير الأشخاص للخدمة في حالات الطوارئ أو الكوارث التي تهدد حياة المجتمع.
 - لا يجوز لشعب أن يتعدى على حرية شعب آخر، و للشعب المعتدى عليه أن يرد العدوان و يسترد حريته بكل السبل الممكنة لقوله تعالى:" و لمن انتصر بعد ظلمه، فأولئك ما عليهم من سبيل" (5) فالإسلام حرم العبودية على الشعوب و أعطاها حق تقرير المصير و منع استعبادها بأي نوع من الإستعباد عسكريا أو إقتصاديا أو ثقافيا و حتى سياسيا.
 
- حق المساواة: يتساوى الناس جميعا في الإسلام فلا ترجح كفة شخص على  شخص آخر لقوله صلى الله عليه و سلم:"لا فضل لعربي على عجمي و لا لعجمي على عربي و لا لأحمر على أسود و لا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" (1)  .
و عندما يتعلق الأمر بتطبيق القانون فلا تطبق الأحكام على أشخاص دون غيرهم من الأشخاص الآخرين، فلا يفلت أي كان من العقاب إذا استوجب الفعل الذي قام به عقابا لقوله صلى الله عليه وسلم:" لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (2).
 - الناس سواء في القيمة الإنسانية إلا بالتفاضل حسب العلم. و يقر الإسلام مبدأ تساوي و تكافؤ الفرص في مستويات الحياة المختلفة لقوله تعالى:" فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و إليه النشور" (3)
 - حق العدالة: من حق كل فرد أن يتحاكم إلى الشريعة الإسلامية و أن يحاكم إليها دون سواها لقوله تعالى:" فإن تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله و الرسول" (4).
 - من حق كل فرد أن يدفع عن نفسه ما يلحقه من ضرر لقوله تعالى:" لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم و كان الله سميعا عليما" (5)  من واجبه أن يدفع الظلم عن غيره بما يملك لقوله صلى الله عليه و سلم:" لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهيه و إن كان مظلوما فلينصره." (6)
 - من حق الفرد أن يدافع عن حق  أي فرد آخر و عن حق الجماعة لقوله صلى الله عليه و سلم: " ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (7)
 - لا يجوز مصادرة حق الفرد في الدفاع عن نفسه تحت أي مسوغ لقوله ص " إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضي حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء" (8)
 - حق الفرد في محاكمة عادلة: البراءة هي الأصل في المتهم تستمر مع الشخص ما لم تثبت إدانة نهائية له.
 - لا يحاكم الفرد ولا يعاقب على جرم إلا بأدلة قطيعة لقوله تعالى:" إن الظن لا يغني من الحق شيئا". (9)
 - لا يجوز تجاوز العقوبة التي قدرتها الشريعة للجريمة لقوله تعالى:" تلك حدود الله فلا تعتدوها و من يتعدى حدود الله فأولئك هم الظالمون"(10) كذلك من مبادئ الشريعة الإسلامية مراعاة الظروف و الملابسات التي إرتكبت فيها الجريمة لقوله ص " ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان  له مخرج فأخلوا سبيله "(11).
  - حق الحماية من  تعسف السلطة: فلكل فرد الحق في الحماية من تعسف السلطان معه. لقوله تعالى:" و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد إحتملوا بهتانا و إثما مبينا" (12)
 
 - حق الحماية من التعذيب: فلا يجوز تعذيب الإنسان كما لا يجوز الضغط على شخص للإعتراف بما لم يرتكبه و كل ما ينتزع بوسائل الإكراه يعتبر باطلا.
 - الحق في الكرامة: إذ لا يجوز إنتهاك عرض و سمعة الفرد. لقوله ص " إن دماءكم و أموالكم  و أعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم  هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"(1) و لقوله تعالى:
" و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب" (2) " و لا تجسسوا و لا يغتب بعضكم بعضا" (3)
 -  حق اللجوء: بكفل الإسلام حق كل فرد مضطهد أو مظلوم أن يلجأ حيث يأمن في نطاق دار الإسلام أيا كانت جنسيته أو عقيدته أو لونه و يحمل المسلمين واجب توفير الأمن متى لجأ إليهم لقوله تعالى:" و إن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه" (4)
 
 
الحقوق الإجتماعية: و تحوي مايلي:

- حق بناء الأسرة: الزواج لكل  إنسان  وهو الطريق الشرعي لبناء الأسرة و إنجاب الأولاد      و صيانة النفس لقوله تعالى:" يا أيها الناس إتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساءا" (5)

- لا يجبر الفتى أو الفتاة على الزواج ممن لا يرغب فيه، جاءت جارية بكر إلى النبي صلى الله عليه و سلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها الرسول صلى الله عليه و سلم(6)

- مسؤولية الأسرة متبادلة بين الزوجين لقوله تعالى:" و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف و للرجال علهن درجة" (7)

- حقوق الزوجة: أن تعيش مع زوجها حيث يعيش لقوله تعالى:" و اسكنوهن من حيث سكنتم"(8)

- أن ينفق عليها زوجها بالمعروف طوال حياتهما الزوجية و خلال فترة العدة إن طلقها لقوله تعالى:" الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم" (9)

- من حقها طلب الطلاق وديا عن طريق الخلع لقوله تعالى:" فان خفتم إلا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما إفتدت به" (10)

 - لها حق الميراث من زوجها لقوله تعالى:" و لهن الربع مما تركتم" (11)

الحريات العامة و السياسية:

 - حق الحرية الدينية: لكل شخص حرية الإعتقاد و العبادة وفقا لمعتقده لقوله تعالى:" لكم دينكم  و لي ديني" (12)
- حق حرية التفكير و التعبير: لكل شخص أن يفكر و يعبر دون تدخل من أحد مادام أنه يلتزم الحدود العامة التي أقرتها الشريعة و لا يجب إذاعة الباطل و لا نشر ما فيه ترويج الفاحشة أو تخذيل للأمة لقوله تعالى:" لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المزجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا. ملعونين أينما ثقفوا اخدوا و قتلوا تقتيلا" (13)
 

- من حق كل فرد أن يعلن عن رفضه للظلم و إنكاره له دون خوف من سلطة متعسفة أو حاكم جائر أو نظام طاغ و هذا أفضل الجهاد، سئل الرسول صلى الله عليه و سلم:أي الجهاد افضل قال: كلمة حق عند سلطان جائر(1)

 - لا حظر على نشر المعلومات و الحقائق الصحيحة إلا ما يكون خطر منها على أمن المجتمع  و الدولة لقوله تعالى:" و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه"(2)

- إحترام مشاعر المخالفين في الدين من خلق المسلم لقوله تعالى:" و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم يرجعون"(3)

 

الحقوق الإقتصادية و الثقافية:

 - حق العامل و  واجبه: أن يكون أجره مكافئ لجهده لقوله ص:" أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه"(4)

 - أن توفر له حياة كريمة تتناسب مع ما يبذله من جهد و عرق لقوله تعالى:" و لكل درجات مما عملوا و لنوفيهم أعمالهم و هم لا يظلمون"(5)

 - أن يكرم و يمنح ما هو جدير به لقوله تعالى:" و قل إعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله والمؤمنون"(6)

 - أن يجد الحماية التي تحول دون غبنه و استغلال ظروفه.

 - حق التربية و التعليم: التربية الصالحة حق الأولاد على آبائهم .

التعليم حق للجميع إناث و ذكور على السواء لقوله ص: " طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة"(7)

 - على المجتمع أن يوفر لكل فرد فرص متكافئة ليتعلم و يتيسر.

 

 تطور حقوق الإنسان  في أوروبا:

بدأ إهتمام الغرب بما للإنسان من حقوق في القرن الثالث عشر ميلادي أي القرن السابع الهجري  لكنها كانت بدايات محتشمة و فيما يلي نستعرض بعض التجارب الغربية في التكفل بحقوق الإنسان:

إنجلترا: يمكن حصر المراحل التاريخية الهامة لنشوء الحريات العامة في المملكة المتحدة أو بريطانيا العظمى في مرحلتين هما:في بداية القرن الثالث عشر مع إقرار الشرعة العظمى أو الماكنا كارتا في 12 جوان 1215 م في القرن السابع عشر مع إقرار ثلاث وثائق دستورية أساسية هي على  التوالي: عريضة الحقوق في 7 جوان 1628م و مذكرة الهابياس كوربوس في عام 1679م و شرعة الحقوق في 1689م .

الشرعة العظمى: الماكنا كرتا
 جاءت هذه الوثيقة نتيجة لثورة النبلاء ضد الملك يوحنا بلا أرض، الذي حكم البلاد بصورة إستبدادية، مما أثار حفيظة الطبقة الأرستقراطية و رجال الدين الذين وقفوا ضده و أجبروه على القبول بمطالبهم الواردة في لائحة  الماكناكارتا في 12 جوان 1215(1) و قد نص العهد على عدم جواز فرض ضرائب لا يوافق عليها المجلس العام للمملكة الذي كان نواة البرلمان البريطاني، و اعترفت هذه الوثيقة بحق الفرد في الأمان و كفالة حق التقاضي و حق الملكية و حرية التجارة و حرية التنقل و أصبح بموجب حق الأمان:" لا يقبض على رجل حر و لا يسجن أو يحجز أو يعامل معاملة غير قانونية أو ينفى أو يساء إليه بأي وجه من الوجوه، ولا توقع عليه عقوبة إلا نتيجة محاكمة عادلة من قبل أقرانه وطبقا للقوانين(2).

فيما يلي ذكر لبعض ما ورد في وثيقة الماكنا كارتا من مواد(3)

 - تنص المادة 1 على أن الكنيسة الإنجليزية ستكون دائما حرة و ستتمتع بكل حرياتها و حقوقها دون أي نقصان خاصة فيما يتعلق باختيار رؤسائها و انتخابهم.

 - تؤكد المادة 13 على أن مدينة لندن و كذلك جميع البلديات و الثغور و المدن و المرافئ الأخرى ستتمتع  بكافة حرياتها في البر و البحر.

 - المواد 15 16 تمنعان على النبلاء  فرض  أموال على رجالهم الأحرار إذا لم تكن معقولة أو إجبارهم  على تقديم خدمات معينة دون موافقتهم.

 - المواد 17 18 تنصان على استقلال القضاء عن العرش و انعقاد المحكمة في مكان محدد، كما

تنصان في حال غياب الملك خارج المملكة على إنشاء محاكم متنقلة عن طريق إرسال قاضين أربع مرات في السنة إلى المناطق ليحكموا في قضايا الناس بمساعدة أربعة من الفرسان.

 - المادة 20 تتناول قضية الغرامة و تناسبها مع الجرم المرتكب و ذلك بالنسبة لجميع الرجال الأحرار و التجار و عامة الشعب.

 - المادة 21 تقول بعدم فرض أية غرامة على النبلاء و البارونات إلا من قبل أندادهم و بحسب

 - المادة 23 تعفي المدن و الأفراد من إقامة الجسور على الأنهار باستثناء ما درجت العادة عليه.

 - المادة 31 تمنع على الملك أو غيره من الحاشية أخذ أخشاب الآخرين لاستخدامها في قصورهم دون موافقة  صاحب الغابة.

 - المادة 35 تتعلق بتوحيد المكاييل و المقاييس و الموازين في كل أنحاء المملكة

 - المادة 40 تقرر إلتزام الملك بعدم بيع أو رفض  أو المساومة على الحق أو العدالة لأي إنسان.
 - المواد 41- 42 تمنح حرية التنقل للتجار و الأشخاص في عموم إنجلترا و تسمح لهم بالدخول  والخروج منها في البر و البحر و في كل الأوقات ماعدا زمن الحرب و من أجل مصلحة

المملكة.

 - المادة 60 تشدد على احترام العادات المذكورة و الحريات التي منحها الملك في كل أرجاء المملكة من قبل رجال الدين و النبلاء تجاه رعاياهم.

و بناءا على ما ورد فيها أضحت الشرعة العظمى مصدرا للعديد من القواعد الضامنة لممارسة هذه الحريات، وأساس للقانون العام في جميع الأقطار التي استعمرها البريطانيون و نشروا فيها مبادئ القانون الإنجليزي.

عريضة الحقوق:

جاءت بعد صراع مباشر بين الملك و البرلمان حيث حاول الملك شارل الأول فرض ضرائب جديدة على الشعب دون الحصول على موافقة البرلمان، و لذلك وجد نفسه في مواجهة حادة مع هذه الهيئة التشريعية التي كانت تتكون من رجال الدين و النبلاء و البرجوازيين. و قد ركزت العريضة على مبدئين أساسيين و هما: إحترام الحرية الشخصية و منع التوقيف الإعتباطي دون محاكمة و عدم فرض ضرائب جديدة دون موافقة البرلمان الصريحة عليها.

وجاءت هذه الوثيقة على الشكل التالي:(1)

" إن اللوردات الروحيين و الشرفيين و الكومونات المجتمعين في هيئة برلمان، يذكرون بكل تواضع جلالة الملك بأنه منذ عهد الملك إدوارد الأول كان قد تم الإعلان بأن الملك أو ورثته لا

يفرضون ضريبة أو مساعدة مالية في المملكة دون موافقة رجال الدين و النبلاء و البرجوازيين و أنه قد تم الإعلان في السنة الخامسة و العشرين من عهد إدوارد الثالث بأن لا أحد سيكون مجبرا في المستقبل و رغما عن إرادته على تقديم قروض للملك، باعتبار أن مثل هذا الإجبار مخالف لفكر و حريات البلاد، و لأن قوانين المملكة تمنع فرض ضرائب أو مساعدات معروفة باسم الهبات الإختيارية، أو أية ضرائب أخرى إلا من خلال أنظمة و قوانين المملكة.

لذلك، نعلم بأن رعاياكم لن يقدموا أي ضريبة أو مساعدة، أو غيرها دون موافقة الأمة التي يعبر عنها البرلمان.

و بما أنكم كلفتم بعض ضباطكم لحماية مثل هذه الأموال بالقوة تحت طائلة التقديم إلى المحاكمة، و التوقيف و السجن أو التهديد بمختلف الطرق الأخرى.

و بما أن الشرعة العظمى نصت على أنه لا يمكن توقيف أو سجن أي شخص، و حرمانه من أملاكه، أو إمتيازاته أو حرياته أو إعتباره خارجا عن القانون، أو نفيه أو إذلاله بأي طريقة أخرى دون حكم صادر عن أقرانه طبقا لقوانين البلاد، و بما أنه قد تم اعتقال العديد من الأشخاص بناءا على أوامر خاصة من الملك دون توجيه أي تهمة محددة لهم.

و بما أنه تم نشر الجنود و البحارة في مختلف المناطق، و أن السكان كانوا مضطرين لاستقبالهم و استضافتهم رغما عنهم، و بعكس قوانين و عادات المملكة التي تمنع اضطهاد الشعب.

لكل هذه الأسباب، فإننا نلتمس من جلالتكم:

أن لا يكون أحد مجبرا في المستقبل على تقديم هبات أو قروض أو  ضرائب دون موافقة من البرلمان.

أن لا يكون أي إنسان معرضا للتوقيف أو السجن أو الإستدعاء أمام العدالة بسبب هذه الأمور.

أن تقوم جلالتكم بإعطاء الأوامر لسحب الجنود و البحارة و منع إضطهاد الشعب بهذا الشكل في المستقبل.

أن تأمروا ضباطكم و وزراءكم للقيام بخدمتكم طبقا لقوانين و أنظمة هذه المملكة على أن يراعوا شرف جلالتكم و ازدهار المملكة."
 

قانون الهابياس كوربوس: (وتعني وجوب إحضار الجسد)  1302 صدر بضغط من الشعب و بتصويت من البرلمان لوضع حد لتصرفات الملك و بعض وزراءه في الإنتقام من خصومهم، خاصة أولئك الذين ساهموا في الثورة على الملك شارل الأول.و مذكرة الهابياس كوربوس هي في الأصل، قانون صدر في عهد الملك إدوارد الأول حوالي عام 1302، ثم استخدم من قبل المحاكم
الملكية كوسيلة إجرائية لزيادة صلاحياتها على حساب

فالمحاكم الملكية و بعد أن أكدت سلطتها على المحاكم المحلية، أرادت تكريس إستقلالها عن

السلطة الملكية، و ذلك عن طريق الأحكام ضد تصرفات المجلس الملكي، و التوقيفات التعسفية التي كان يأمر بها(2)

و قد أصبح هذا القانون أداة دفاع حقيقية عن الحرية الفردية، و القاضي هو محور الإجراء في الهابياس كوربوس، و العريضة توجه له عن طريق المحامي الذي يرفق الطلب بالأسباب التبريرية، و الإثباتات اللازمة، ومن خلال هذا الإجراء يستطيع أي موقوف طلب إعادة دراسة قانونية أو شرعية توقيفه الجزائي أو الوقائي، سواء كان طلب التوقيف صادرا عن سلطة إدارية، أو بموجب نص في القانون العام أو غيره.

إلا أنه لا يمكن استخدام هذا الإجراء إلا إذا تبين بأن الوسائل الأخرى التي تسمح بالتوصل إلى النتيجة نفسها قد استنفدت كليا، أو قد تبين عقمها، و في هذه الحال يصدر القاضي أمرا له قوة القانون إلى  الشخص المسؤول عن عملية التوقيف، و هذا الأخير مجبر على تنفيذ الأمر و تقديم جواب واضح دون لبس أو غموض.

و هناك عقوبات قاسية، مقررة في حالة الجواب الخاطئ عمدا، و على أساس هذا الجواب تتدخل التبريرات التي يجب أن تؤدي إلى إطلاق سراح المعتقل الذي لا يمكن ملاحقته من جديد لنفس الأسباب التي سجن من أجلها.

قانون الحقوق: 1688

تم وضعه على إثر الثورة الثانية التي نشبت في عام 1688 ضد الملك جيمس الثاني ، الذي حاول إعادة الكاثوليكية إلى إنجلترا، و على غرار الحالات السابقة التي تم فيها تقييد السلطة الملكية، تقدم البرلمان من الأمير" وليم أورانج" الذي جاء من هولندا مع زوجته الأميرة" ماري إبنة جيمس الثاني" لاعتلاء عرش المملكة، بهذه الوثيقة التاريخية التي قبل بموجبها الملكان الجديدان تقييد ما تبقى لهما من سلطات دستورية، و تمت الموافقة على هذه الشرعة في 25 نوفمبر 1689(1)

تضم الوثيقة ثلاث عشرة مادة تحدد بوضوح سلطات الملك و صلاحياته في إدارة البلاد.

 - المادة 1 تحرم على الملك حق تعليق أو تنفيذ القوانين دون موافقة البرلمان.

 - المادة 2 تعتبر يأن تهرب السلطة الملكية من تنفيذ القوانين، أو تنفيذها بشكل عشوائي كما كانت عليه الحال في الماضي، هو مسألة غير قانونية.

 - وتمنح بقية المواد على السلطة الملكية التدخل في الشؤون الدينية و حق فرض ضرائب جديدة مهما كان نوعها دون موافقة البرلمان، و تضمن للمواطنين حرية تقديم الفرائض  و الواجبات للسلطة الملكية دون أن تترتب على ذلك نتائج معينة كالسجن أو الملاحقة.

 - المادة 6 تضمن حرية الكلام و المناقشات داخل البرلمان، و زادت من صلاحيات في الميدان المالي، حيث أصبح من حقه تحديد نفقات الدولة و البلاط الملكي سنة بسنة، و لعل هذا الإجراء الأخير كان الأساس في نشوء القاعدة المعروفة باسم سنوية الموازنة.

 الولايات المتحدة الأمريكية :

قدمت الولايات المتحدة الأمريكية في بداية تكونها كدولة فيدرالية مستقلة، وثيقتين أساسيتين في ميدان الحقوق و الحريات الإنسانية و هما:

 أ-إعلان الإستقلال:

تم هذا الإعلان في 4 جويلية 1776 أثناء المؤتمر الذي عقد في مدينة فيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا، و حضره مندوبون عن المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة التي كانت تابعة آنذاك للتاج البريطاني، و في هذا المؤتمر قرر المجتمعون إعلان الإستقلال و الإنفصال التام عن إنجلترا، و تحول كل مستعمرة إلى دولة حرة مستقلة.

إن أهم الأفكار الواردة في هذا الإعلان تتمثل في الأفكار التالية: (2)الناس يولدون أحرارا، و أن الخالق يمنحهم بعض الحقوق التي لايمكن التنازل عنها مثل الحق في الحياة و الحرية و البحث عن السعادة.

أن البشر يقيمون الحكومات لضمان هذه الحقوق و هي حكومات تستمد سلطتها من موافقة و رضى الحكوميين.

في كل مرة تصبح فيها سياسة الحكومة  مدمرة لهذه الأهداف فإنه يكون من حق الشعب تبديلها، أو إلغائها و إقامة حكم جديد على أساس المبادئ التي تضمن له الأمن و السعادة.

و كان قد سبق هذا الإعلان العام لاستقلال المستعمرات، إعلان آخر لولاية فرجينيا في 12 جويلية 1776  تضمن مبادئ عديدة يمكن تلخيصها على الشكل التالي:(1)

- يولد الناس أحرارا و متساوين في الحقوق و الواجبات.

 - حق الملكية هو حق طبيعي.

 - لا امتياز لأحد من المواطنين أو لمجموعة منهم.

 - لكل مواطن الحق في معرفة التهمة الموجهة إليه، و الحق في الدفاع عن نفسه، و لا يدان المتهم إلا بعد قرار جماعي من هيئة المحلفين و لا يمكن حجز حرية أي إنسان إلا بموجب قانون، شرط توافر الأدلة الملموسة ضده.

 - لا يجوز التضييق على الصحافة و مصادرة حريتها.

 - لا يجوز منع حرية الإعتقاد الديني التي يكون للناس حق ممارستها وفق ضمائرهم.

ب- الدستور الفيدرالي:

صدر في 17 سبتمبر 1787 و بدئ العمل بتطبيقه في الأول من جانفي سنة 1787، و منذ صدوره حتى 1971 كان قد تم تعديله ستة و عشرون مرة حيث تناولت هذه التعديلات قضايا مختلفة يمكن إيجازها في مايلي:(2)

 - التعديلات العشر الأولى : صدرت في 1791 بعد أن تبناها الكونغرس دفعة واحدة، و صادقت عليها أغلبية الدول الأعضاء، تتعلق ثمانية منها بضمان الحقوق الشخصية و الملكية الفردية، بينما يتناول التعديلان الآخران صلاحيات الدول فيما يتعلق بشؤونها الداخلية، و الحفاظ عليها من تدخلات الدولة الاتحادية و نظرا لأهميتها الدستورية فقد وصفت هذه التعديلات بقانون الحقوق.

 - التعديل الثالث عشر: يتعلق بإلغاء الرق في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1865.

 - التعديل الرابع عشر: يقضي بتعميم حق الإقتراع على كل مواطني الولايات المتحدة الأمريكية دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو حالة عبودية سابقة و قد صدر في 1870.

 - التعديل السادس عشر: صدر في 1913م و يقضي بمنح الكونغرس حق فرض و جباية الضرائب على المداخيل.

 - التعديل الثاني و العشرين: صدر في 1951م و يمنع إنتخاب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من ولايتين متتاليتين، و ذلك كرد فعل على تجديد انتخاب فرانكلين روزفلت لسدة للمرة الثالثة في عام 1944م.

 - التعديل الثالث و العشرون منح أهالي مقاطعة كولومبيا حق الإقتراع و صدر في 1963م.

 - التعديل الرابع و العشرون : ألغى شرط الحد الأدنى من الضريبة الذي يجب أن يدفعه المواطن لكي يتمتع بممارسة حق الإقتراع صدر في 1964م.

 - التعديل السادس و العشرين: صدر في 1971م ليخفض سن حق الإقتراع من 21 إلى 18 سنة
 


فرنسا:

أهم ما يمكن الحديث عنه بالنسبة لفرنسا فيما يتعلق بحقوق الإنسان هو إعلان حقوق الإنسانو المواطن .

إعلان حقوق الإنسان و المواطن 26( أوت 1789م)(3).

شكل الإعلان الفرنسي ثورة استمدت أفكارها من المفاهيم المتجددة التي كان فلاسفة عصر الأنوار و على رأسهم روسو و فولتير و مونتيسكيو قد طرحوها، و التي ركزت على السلطة و طريقة ممارستها

و الحريات العامة و الفردية التي تساهم بتطور المجتمع.

إن الإعلان الفرنسي يرتدي طابعا فكريا/ مثاليا، يسعى إلى ترسيخ قيم أخلاقية و إجتماعية تسمح للفرد بالتطور و الإنطلاق لتحقيق إنسانيته الكاملة.

يشتمل الإعلان على مقدمة و سبعة عشر مادة، و هو تسوية توصلت إليها الجمعية التأسيسية بعد مناقشتها لحوالي ثلاثين مشروع و نصا آخر، على مدى عشرة أيام من 17 إلى 26 أوت 1789م

تشير المقدمة إلى أن:"جهل حقوق الإنسان أو نسيانها هي الأسباب الوحيدة للمصائب العامة و فساد الحكومات."

 - و تشير المادة الأولى إلى أن الناس " يولدون أحرارا متساوين في الحقوق" و تذكر المادة الثانية بأن حقوق الإنسان الطبيعية غير القابلة للتقادم هي: الحرية و الملكية و الأمن و مقاومة الاضطهاد". و تحدد المادتان الرابعة و الخامسة، الحرية بقدرة المرء على " القيام بكل ما لا يلحق ضررا بالآخرين" و أن كل ما " لا يحرمه القانون لا يمكن منعه" مثلما " لا يمكن إجبار أحد على فعل م لا يأمر به القانون"

 - و تبين المواد السابعة و الثامنة و التاسعة تعسف التوقيفات و العقوبات التي كان يمارسها النظام القديم إذ لا يمكن" إتهام أي إنسان أو توقيفه أو اعتقاله، إلا في الحالات المحددة في القانون، ولا يمكن معاقبة أي إنسان إلا وفقا لأحكام القانون" و أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته  - كما تمنع المادة العاشرة" إزعاج أي إنسان بسبب آرائه الدينية" و تعتبر المادة الحادية عشر بأن " حرية إيصال الأفكار و الآراء هي واحدة من أغلى حقوق الإنسان"

 -  وتتحدث المواد 12و 13و 14و 15 عن تشكيل ووجود قوة عامة لضمان حقوق الإنسان و عن الضرائب و النفقات العامة، و محاسبة الموظفين عن أعمال إدارتهم بينما ترى المادة السادسة عشر بأن" كل مجتمع لا تكون فيه ضمانة الحقوق مؤمنة، و لا فصل السلطات محدد، هو مجتمع لا دستور له إطلاقا"

 - و أخيرا تعتبر المادة السابعة عشر بأن الملكية حق مضمون و مقدس و أنه لا يمكن حرمان أحد منها إلا " عندما تقتضي الضرورة العامة المثبتة قانونيا ذلك، و بصورة واضحة و بشرط التعويض العادل و المسبق"

 - و جاء بعد ذلك الدستور الفرنسي الصادر سنة 1791م ليؤكد الحقوق السابق ذكرها مضيفا إليها رعاية الدولة للأطفال  اللقطاء و مساعدة العجزة من الفقراء، و توفير العمل للأصحاء، و تيسير التعليم لجميع المواطنين و ضمنت الدساتير الفرنسية التي صدرت بعد ذلك هذه الحقوق،

 و لا سيما دستور عام 1946م و دستور عام 1958م المعمول به حاليا.

 

 ج-  حقوق الإنسان في العصر الحديث:
 
تطلق تسمية العصر الحديث على الحقبة التاريخية الواقعة بين بداية القرن 17 و منتصف القرن 20
 و تتميز هذه المرحلة عن سابقتها ببروز إهتمام مكثف بحقوق الإنسان، و إحدى مظاهر ذلك الإهتمام، هو عدد الإتفاقات الدولية التي تضمنت حماية الوجود القانوني للفرد و القضاء على كل محاولة تشبه الإنسان بالسلع.
إن البداية الحقيقية للإهتمام بمسألة حقوق الإنسان في إطار القانون الدولي، كانت بعد الحرب العالمية الثانية، و أما قبل ذلك فكان الفرد بالنسبة للدولة مواطن أجنبي، و هذا بالرغم من أن مرحلة بعد الحرب العالمية الأولى قد عرفت مضامين و إتفاقات خاصة بحقوق الإنسان في إطار منظمة العمل الدولية و وثائق عصبة الأمم.
 

بداية الإهتمام بحقوق الإنسان في القانون الدولي: 

من منطلق أن مجرد النص على الحقوق و الحريات في دستور الدولة و قوانينها الداخلية و وضع الضمانات لحمايتها لم يعد كافيا ليتمتع الإنسان فعلا بحقوقه، بدأت ضرورة الإعتماد على ضمانات دولية أخرى، و التي بإمكانها أن تحقق حماية فعالة لحقوق الإنسان و حرياته. و كانت أولى مظاهر المجهودات التي بدلت من أجل ذلك في القانون الدولي تتمثل في:(1)
إلغاء الرق في كافة أشكاله، و منع تجارة الرقيق، و ظهر الإهتمام بذلك منذ بداية القرن 19 حيث أبرم عدد كبير من الإتفاقيات و المعاهدات الدولية و كانت أولى المواثيق عامي 1814-1815    وهي معاهدة باريس للسلام، و إعلان مؤتمر فيينا 1815و إعلان فروينا 1822 و التي تضمنت مبدأ عاما مفاده أن تجارة الرقيق تتنافى و تتعارض مع مبادئ العدالة الإنسانية، كما تلت بعد ذلك معاهدات تتناول أساس العمل المشترك في البحار لمحاربة تجارة الرقيق و القضاء عليها مثل معاهدات  1831-1833 بين فرنسا و بريطانيا، و معاهدة لندن 1841 و معاهدة واشنطن 1862.

الحماية الدولية للأقليات: و كانت أول خطوة في تلك الجهود ما جاء في مؤتمر فيينا لعام 1815 من التزامات على كل من بلغاريا و رومانيا لصالح الأقليات العنصرية و الدينية، و استطاع الحلفاء تكريس فكرة الحماية الدولية للأقليات في معرض ردهم على مقترحات السلام التي عرضتها ألمانيا عام 1916 فقد شددوا انتباه ألمانيا و الحكومات الأخرى إلى أن السلام غير ممكن ما لم يتم تعويض ما انتهك من حقوق و حريات و ما لم يعترف بمبدأ القوميات و الحياة الحرة للدول الصغيرة .

مكافحة بعض المظاهر الماسة بحقوق الإنسان: لقد شرع في مكافحة التجارة في المخدرات و تعاطيها منذ سنة 1912 حيث أبرمت بخصوصها في تلك السنة عدة إتفاقيات، و في مجال الأمراض و الأوبئة أنشأ مكتب الصحة الدولي لسنة 1906 و أنشأ مكتب مماثل بين الدول الأمريكية عام 1904. هاذين الجهازين دفعا إلى إنشاء منظمة الصحة العالمية، و كان هناك عناية بحماية الملكية الأدبية و الفنية والصناعية للفرد منذ سنة 1883 حيث أبرمت أول معاهدة تهدف إلى تقرير الحماية الدولية لها.

قمع الإتجار في الأولاد والنساء : فقد ظهر في هذا العصر إتجاه يدعو إلى منع الإتجار بالأفراد لا سيما النساء و الأطفال، و قد جسد هذا الإتجاه عدد من الإتفاقيات منها على وجه الخصوص الإتفاقيات الدولية المعتمدة في لاهاي عام 1902 بشأن المضارب بين القوانين و الإتفاقيتين

الدوليتين الخاصة بقمع التجارة بالنساء و الأطفال المعتمدين عامي 1904-1910 بباريس على التوالي في 16 و 04 ماي.
كما إهتم القانون الدولي في هذه الفترة  بالملاحة البحرية حيث أبرمت معاهدة دولية للتعاون الدولي من أجل كوارث الملاحة البحرية في عام 1914 و التي تفرض إلتزامات على السفن في حالة الكوارث.
 
في عهد عصبة الأمم
لقد أنشأت عصبة الأمم سنة 1919 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، و كان الهدف الأول     و الأساسي لهذه المنظمة هو الحيلولة دون اندلاع حرب عالمية ثانية، و هو ما لم تستطع تحقيقه.
و بالنسبة لحقوق الإنسان فلم يتضمن ميثاق هذه المنظمة نصوصا صريحة و قطعية خاصة بتقرير الصفة الدولية لحماية حريات و حقوق الإنسان، غير أن القراءة المتأنية و الفاحصة لهذا الميثاق تبين لنا إشارات عديدة إلى استهداف ضمان بعض الحقوق و هو ما يتجلى في الآتي:(1)
إن النص على ضمان الأمن و السلم في العالم، و الإلتزام بعدم اللجوء إلى الحرب،يمثل الأساس العام لخدمة حماية حقوق الإنسان لأن ظروف الحرب و عدم الأمن مناخ مناسب لهضم حقوق الإنسان و البطش به.
نص عهد عصبة الأمم على إلتزام الدول الأعضاء بتشجيع إقامة تعاون مع منظمة الصليب الأحمر الدولي من أجل تحسين الصحة و الوقاية من الأمراض والأوبئة في العالم، و هذا جانب آخر مهم يتعلق بحقوق الإنسان في مجال العلاج و الوقاية من مخاطر شتى الأمراض و الأوبئة الفتاكة بالصحة.
تضمن العهد نصا بالتزام الدول الأعضاء بمعاملة عادلة للشعوب المستعمرة لا سيما احترام حقوق الشعوب الخاضعة للإنتداب و هو إقرار دولي يحق الشعوب المستعمرة في تقرير المصير، و يعد أهم حق من الحقوق الجماعية للإنسان مرتبط بالحق في الإستقلال و الحق في التنمية و التقدم(2).
 
في ميثاق الأمم المتحدة:
يعد ميثاق الأمم المتحدة، الوثيقة الدولية الأولى ذات الطابع العالمي، التي تضمنت النص على مبدأ إحترام حقوق الإنسان، و يرجع هذا أساسا إلى انتهاء السيطرة الأوروبية، و قيام عالم يتوقف بقائه و استقراره على التعاون السلمي بين جميع الثقافات، و الأجناس و الديانات، كما يتوقف هذا التعاون إلى حد كبير، على احترام حقوق الإنسان المدنية، السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية     و الثقافية(3).
و يرجع السبب الرئيسي و الأساسي في النص على تشجيع احترام حقوق الإنسان و الحريات الأساسية للأفراد ضمن أهداف و مقاصد الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان ،كرد فعل المجتمع الدولي لما خلفته الحرب العالمية الثانية  من انتهاكات حقوق الإنسان ،و صيانة السلم ،وبان الحماية الدولية الفعالة لحقوق الإنسان شرط أساسي للسلم والتقدم الدوليين وقد صدرت عن المجتمع الدولي بيانات ،وإعلانات ومقترحات ،أثبت فيها الإرتباط الموجود بين حماية حقوق الإنسان ، والسلم ، والأمن الدوليين ،منها إعلان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية خلال ميثاق الأطلسي في 14اوت 1941(4)
 
وفي 1جانفي  1942صدر إعلان الأمم المتحدة الذي وقعه ممثلي الدول الستة والعشرين  والتي عبرت فيه الحكومات الموقعة عن اعتقادها بأن  تمام الإنتصار على أعدائها أمر أساسي للدفاع عن الحياة والحرية ، وللحفاظ على حقوق الإنسان  والعدل داخل أراضيها و خارجها.
وفي مؤتمر دامبرتون أوكس عام 1944 ، الممهد لإنشاء منظمة الأمم المتحدة ، فإن الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا وبريطانيا ، الإتحاد السوفيتي ، قد إتفقت على إنشاء منظمة يكون عملها :" تيسير إيجاد حلول للمشاكل الدولية ، إقتصادية ، إجتماعية ، و غيرها من المشاكل الإنسانية ، وتعزيز إحترام الحقوق والحريات الأساسية"وهي المهام التي تقرر أن تهتم بتفيدها الجمعية العامة والمجلس الإقتصادي و الإجتماعي التي خول لها إصدار توصيات ،تخص المسائل الإنسانية(1).
أما مؤتمر سان فرانسيسكو الذي أسفر عن صدور ميثاق الأمم المتحدة في 26 جوان 1945 والنافد بعد التصديق الدولي عليه إعتبارا من يوم 25 أكتو بر 1954 قد أولى عناية بالغة لقضية حقوق الإنسان والحريات العامة للناس كافة (2) .
 
في مواثيق المنظمات الدولية المتخصصة :
إن المنظمات الدولية المتخصصة بصفة عامة هي هيئات نشأت نتيجة إتحاد إرادات عدة دول ، والتي تعمل لدعم التعاون الدولي في مجال متخصص  . من المجالات الإقتصادية والإجتماعية أو الثقافية أو الفنية ، أو تتولى تنظيم أداء خدمات دولية تمس المصالح المشتركة للدول(3) .

منظمة العمل الدولية :

بدأت المحاولات الأولى لإنشاء تنظيم دولي للعمل في أوائل القرن 19 في شكل محاولات غير رسمية يقوم بها الأفراد ، فكان أول ظهور للجنة التشريع الدولي للعمل ، في مؤتمر السلام التمهيدي في 25 جانفي1919. وقد شارك في هذا المؤتمر ممثلون وتختص هذه اللجنة بدراسة وسائل حماية العمل والعمال .

وقدمت هذه اللجنة إلى مؤتمر السلام  مشروع إنشاء منظمة دولية للعمل ، ووافق المؤتمر عليه في 19 أفريل 1919 فأصبح يشكل القسم الثالث عشر من إتفاقية فرساي(المواد من 387-427) تحت عنوان العمل ، وتقرر أن تكون جنيف المقر الرئيسي للمنظمة(4) ..­
وقد كان الدستور الأصلي للمنظمة ، يشكل جزءا من معاهدات الصلح الأخرى والذي جاء في ديباجته أنه لا سبيل لإقامة سلام عالمي ودائم إلا إذا بني على أساس من العدالة الإجتماعية ، وأن ظروف العمل الصعبة تعرض السلام والوئام العالميين للخطر ، وأن تحسين هذه الظروف أصبح أمرا ملحا (5) .
وقد إعتمدت الدورة السادسة والعشرون للمؤتمر العام  لمنظمة العمل الدولية  في فيلا دلافيا في 1944 إعلان بشأن أهداف وأغراض منظمة العمل الدولية . كما أعاد التأكيد على المبادئ الأساسية التي قامت عليها المنظمة والتي منها على الأخص:(6)
1-العمل ليس سلعة .
2-حرية التعبير والحرية النقابية لاغنى عنهما و هذا في سبيل التقدم .
3-أن الفقر أينما وجد يهدد الرخاء في كل مكان .
 
كما أن الإعلان يقضي بأنه لجميع البشر الحق في التمتع بكل من الرفاهية المادية والتقدم المعنوي .دون تمييز بسبب العنصر أو العقيدة أو الجنس وهذا في جو من الحرية والكرامة والضمان الإقتصادي والفرص المتكافئة.
وقد أصبحت منظمة العمل الدولية وكالة تابعة للأمم المتحدة  في  1946 تعتني وفقا لدستورها بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية مثل الحق في التمتع بظروف عمل عادلة وملائمة     والحق في تشكيل النقابات و الحق في الضمان الإجتماعي.
 - من ضمن الصكوك الدولية في ميدان حقوق الإنسان ،والتي أعدتها منظمة العمل الدولية   نذكر :(2).
 - الإتفاقيتين الخاصتين بالسخرة في 28-06-1930(148دولة ) وبتحريم السخرة في 25-06-1930 (130 دولة) وتهدف هاتان الإتفاقيتان إلى تحريم عمل السخرة والعمل القسري بكافة صوره .
 - الإتفاقية الخاصة بتطبيق مبادئ الحق في التنظيم النقابي وفي المفاوضة الجماعية في 01-07-1949 وبدأ نفاذها 18-07-1951 .(138 دولة ).
 - الإتفاقية الخاصة بمساواة العمل والعاملات في الأجر لدى تساوي قيمة العمل  في 19-06-1951 وبدأ نفاذها في 23-05-1953 (136 دولة ).
 - الإتفاقية الخاصة بتوفير الحماية  والتسهيلات لممثلي العمال في المؤسسة  في 23-06-1971 وبدأ نفاذها في 10-06-1973 (64 دولة).
  - الإتفاقية الخاصة بحماية حق التنظيم النقابي وإجراءات تحديد  شروط الإستخدام في الخدمة العامة  في 10-06-1978 وبدأ نفاذها في 26-02-1981. (33 دولة ).
 
ميثاق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة :
منظمة اليونسكو وكالة تابعة للأمم المتحدة يتعلق اختصاصها بالتعليم و الثقافة  و التربية، هدفها كما جاء في الديباجة و في المادة الأولى من ميثاقها التأسيسي هو المساهمة في صون السلم و الأمن بالعمل عن طريق التربية و العلم و الثقافة 3 كما تعمل المنظمة على توثيق التعاون بين الأمم لضمان الإحترام الشامل للعدالة و القانون و حقوق الإنسان و الحريات الأساسية للناس كافة دون تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة. لهذه الغايات تقوم المنظمة ب:(3)
-  تعزيز التفاهم و التعاون بين الدول عن طريق عقد الإتفاقيات.
- تعمل لتنشيط التربية الشعبية و نشر الثقافة بالتعاون مع الدول الأعضاء بناءا على رغبتها في تنمية نشاطها التربوي، كما تقوم  بالتعاون مع الأمم المتحدة لتحقيق التكافؤ في فرص التعليم لجميع الناس دون تمييز، كذلك اعتمدت اليونسكو صكوك دولية لتدعيم حقوق الإنسان من ضمنها نذكر:
 - إتفاقية منع التمييز في مجال التعليم في 14 ديسمبر 1960( و دخلت الإتفاقية حيز النفاذ في 22 ماي 1962م و صادقت عليها 86 دولة). وتحظر الإتفاقية أية تفرقة أو استثناء أو تقييد أو أفضلية ينشأ عنها إلغاء المساواة في المعاملة في مجال التعليم و الإخلال بها.
 - بروتوكول إنشاء لجنة التوفيق و المساعي الحميدة لتكون مسؤولة عن البحث عن أية تسوية لأي مشاكل تنشأ بين الدول الأطراف تتعلق بتفسير الإتفاقية أو تطبيقها، و قد دخل البروتوكول حيز النفاذ في 24 أكتوبر 1968م و صادقت على البروتوكول 30 دولة.
 
 

في ميثاق منظمة الصحة العالمية:
يعود الفضل في إنشاء منظمة الصحة العالمية إلى المجلس الإقتصادي و الإجتماعي الذي دعا مؤتمر الصحة العالمي للإنعقاد الذي إعتمد دستور المنظمة في سنة 1946 فظهرت بذلك هذه المنظمة إلى حيز الوجود في شهر أفريل من سنة 1948 بعد أن قبل دستورها من قبل 26 عضو من أعضاء الأمم المتحدة.
ويبرز هدف المنظمة في بلوغ جميع الشعوب أعلى مستوى ممكن من الصحة(*) و من مبادئها نذكر:(1).
 - التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه: و هو أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة السياسية أو الحالة الإقتصادية و الإجتماعية.
أن صحة جميع الشعوب أمر أساسي لبلوغ السلم و الأمن و هي تعتمد على التعاون الأكمل للأفراد و الدول.

و من أهداف منظمة الصحة العالمية أيضا:(2)
 - النهوض بتحسين التغذية و الإسكان و ظروف العمل.
 - الإرتقاء بصحة الأم و الطفل و تعزيز القدرة على العيش.
 - تعزيز الأنشطة في ميدان الصحة العقلية.
 - مكافحة الأمراض لاسيما الأمراض القابلة للإنتقال.
إلى جانب ذلك المساعدة في تنمية الرأي العام لدى الشعوب بشأن المسائل المتعلقة بالصحة.
وتعمل على تحسين مستويات التعليم و التدريب في المهن الصحية و الطبية و المهن المرتبطة بها وتقوم بحملات على النظام العالمي لمكافحة الأمراض المعدية  ولقد توجت مجهودات المنظمة بخلق برنامج لتوسيع نطاق التلقيح ضد الأمراض سنة 1974، و بالفعل فإن إحصائيات سنة 1990 أثبت أن اكثر من 80" من أطفال العالم قد تم تلقيحهم ضد الأمراض المعدية الخطيرة، و حاليا فالمنظمة تكافح ضد مرض نقص المناعة المكتسبة(السيدا) (*).
 
في الإتفاقيات الدولية العالمية:
بعد ويلات الحرب العالمية الثانية وما سببته من إنتهاكات واسعة و خطيرة لحقوق الإنسان، تقرر إنشاء منظمة الأمم المتحدة.  وبقيام هذه المنظمة أوكل إلى جهاز من أجهزتها ألا و هي لجنة حقوق الإنسان مهمة إعداد نص وثيقة عالمية لحقوق الإنسان. وكان تحقيق هذه الوثيقة نتاج مشترك للعديد من الشخصيات العالمية و على رأسها الأعضاء الرئيسيين للجنة حقوق الإنسان و هم: السيدة إليانور روزفلت من الولايات المتحدة الأمريكية(*). السيد شانغ من الصين نائب رئيس اللجنة- السيد شالز ملك من لبنان مقرر اللجنة- السيد روني كاسن من فرنسا و كذا السيد هنفري من كندا(*). و إلى جانب هذه الشخصيات ساهمت الوكالات المتخصصة و المنظمات غير الحكومية  في تحقيق هذه الوثيقة.
 
في الإتفاقيات الدولية الإقليمية :
نظرا لعدم قدرة الأمم المتحدة على توفير الضمانات الكافية من أجل حماية هذه الحقوق و ذلك لعدة اعتبارات ( نذكر منها على سبيل المثال : مشكلات تتعلق بتعهدات الدول . و أخرى  بالمؤسسات الداخلية و الدولية . أيضا مشكلات تعلقت بالتنافس الإيديولوجي ...الخ) . لذلك بات من الضروري إنشاء منظمات دولية موازية لمنظمة الأمم المتحدة تعمل على الحماية   و التعزيز الدائمين لحقوق الإنسان، و سنقف على  مساهمة هذه المنظمات عند دراسة الإتفاقيات المبرمة في إطارها والتي  نذكر منها :


الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب:(1)
أقرهذا الميثاق  مؤتمر القمة الإفريقي الثامن عشر المنعقد في العاصمة الكينية نيروبي في 28 جويلية 1981، و دخل حيز التنفيذ في 26 أكتوبر 1986 و قد صادقت عليه 45 دولة من مجموع 52 دولة إفريقية(2)
 و قد جمع هذا الميثاق كافة فئات الحقوق في سلة واحدة و علق التمتع بالحقوق المدنية و السياسية على كفالة الحقوق الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية(*)
ميثاق حقوق الإنسان و الشعب في الوطن العربي :
لقد جرت محاولات عديدة داخل  جامعة الدول العربية منذ إنشاءها في سبيل إبرام إتفاقية عربية لحقوق الإنسان و الحريات العامة، و لم يوافق مجلس الجامعة على تأليف اللجنة العربية الدائمة لحقوق الإنسان إلا في 3 سبتمبر 1968 م . و في الفترة ما بين 5 12 ديسمبر 1986 م إجتمع عدد من الخبراء القانونيين العرب في مدينة سيركاوزا بإيطاليا و أعدوا مشروع ميثاق حقوق الإنسان و الشعب في الوطن العربي، و وجهوه إلى جامعة  الدول العربية لدراسته ثم تبنيه و تطبيقه بعد اعتماده في شكل إتفاقية أو معاهدة (3)

و يتكون هذا الميثاق من مقدمة و 65 مادة يمكن تلخيصها في النقاط التالية :(4)
 - الحقوق الفردية ورد ذكرها في  المواد من 1 إلى 41 نذكر : حق الحياة ، الإعتراف بالشخصية القانونية، حماية حرمة الأسرة و المسكن و سرية المراسلات، حق التعليم، حق الضمان الإجتماعي، حق العمل، حق تكوين النقابات و الأحزاب و الجمعيات، حق الإضراب، حق الملكية الخاصة، حق اللجوء، حق المشاركة في إدارة الشؤون الدولة، حق تقلد الوظائف، حق الجنسية، حق الرعاية الصحية، سلامة البدن و العقل، حرية العقيدة و الفكر و الرأي و التعبير، المساواة أمام القانون   و هي كلها حقوق ذات طابع مدني و سياسي و إقتصادي و إجتماعي  و ثقافي ...
 - أما الحقوق الجماعية فجاءت في المواد من 44 إلى 49 أهمها: الحق في بيئة خالية من التلوث، الحق في التوزيع العادل للدخل الوطني، الحق الثقافي للجماعات الأقليات، حق تقرير المصير، حق الأمن الغذائي، حق ممارسة السيادة على جميع الموارد و الثروات الطبيعية، حق التمتع بالأمن و السلم، حق مقاومة الإحتلال الأجنبي ...
 - النص على حالات إستثنائية يمكن للدول أن تتحلل من بعض الإلتزامات المترتبة عن هذا الميثاق كحالات الحرب، و الأزمات الخطيرة و فرض الضرائب ... المواد من 42 إلى 43 .
- تحديد الأجهزة الدائمة المكلفة باتخاذ إجراءات حماية الحقوق و الحريات المنصوص عليها في الميثاق، و هما:
- اللجنة العربية لحقوق الإنسان المواد من 50 إلى 54 .
 - المحكمة العربية لحقوق الإنسان المواد من 55 إلى 61 .
الأحكام الختامية و جاءت في المواد   من 62 إلى 65 و المتمثلة في الآتي :
 - تعهد أطراف الميثاق باتخاذ الإجراءات التشريعية الداخلية الكفيلة باحترام الحقوق و الحريات المنصوص عليها .
 - التعهد بضمان تكفل فعلي و فعال للمتظلمات الصادرة من الأفراد الذين تنتهك حقوقهم .
 - التعهد باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان التمتع الفعلي بالحقوق المعترف بها .
 - التعهد بتنفيذ الأحكام الصادرة لمصلحة المتظلمين .
 - تحديد إجراءات التوقيع و التصديق على الميثاق و كيفيات سريانه و كذلك بيان بعض الإجراءات المتعلقة بالنظام الأساسي للمحكمة، و الميزانية الخاصة باللجنة و المحكمة ... الخ .
هذا المشروع مازال حبيس أدراج جامعة الدول العربية .
 
إعلان حقوق الإنسان في الإسلام:
بالنسبة للدول الإسلامية المنضوية تحت لواء  منظمة المؤتمر الإسلامي عرفت إلى  الآن وثيقتين دوليتين عن حقوق الإنسان في الإسلام، إحداها عالمية غير حكومية، أما الثانية فحكومية لأنها صادرة عن المنظمة ذاتها.

مضمون الوثيقتين :
البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام:
إنعقد المؤتمر الإسلامي العالمي في إطار المجلس الإسلامي العالمي بلندن في شهر سبتمبر 1981 م و أصدر هذا البيان الذي تضمن توضيح أهم حقوق الإنسان المنصوص عليها في القرآن الكريم و في السنة النبوية  و منها  حق الحياة، حق الحرية، حق المساواة، حق العدالة، حق المحاكمة العادلة، حق الحماية من تعسف السلطة، حق الحماية من التعذيب، حق حماية العرض و السمعة، حق اللجوء، حقوق الأقليات، حق المشاركة في الحياة العامة، حق حرية التفكير و الإعتقاد و التعبير، حق الحرية الدينية، حق الدعوة  و البلاغ، الحقوق الإقتصادية، حق حماية الملكية، حق العامل و واجبه، حق الكفاية من مقومات الحياة، حق بناء الأسرة،  حقوق الزوجة، حق التربية، حق حماية الخصوصيات الفردية، حق حرية الإرتحال و الإقامة.
علما أن المجلس الإسلامي العالمي منظمة إسلامية دولية غير حكومية تعمل في مختلف بقاع العالم، و تركز نشاطاتها أكثر في الدول غير الإسلامية بأوروبا و أمريكا و آسيا ....
و عملا لتطبيق مضمون هذا البيان، عقد المجلس الإسلامي العالمي مؤتمرا لحقوق الإنسان في الإسلام بالعاصمة السودانية الخرطوم في شهر جانفي 1993م و انتهى بإنشاء منظمة دولية إسلامية لحقوق الإنسان في العالم كله (1)
 
إعلان منظمة المؤتمر الإسلامي عن حقوق الإنسان في الإسلام:
لقد أنشأت منظمة المؤتمر الإسلامي منذ  4 مارس 1972 م و هي منظمة دولية حكومية عامة قائمة على أساس ديني هو الإسلام، و تعتبر منظمة دولية إقليمية من وجهة نظر القانون الدولي لأنها تضم في عضويتها عددا محدودا من الدول الإسلامية فقط 45 دولة لكن بالنظر إلى شمولية و عالمية الإسلام و اتساع الرقعة الجغرافية التي تقع فيها الدول الإسلامية، و كثرة عدد المسلمين
في العالم، إذ يمكن إضافة هذه المنظمة إلى قائمة الدول العالمية العامة. و في شهر نوفمبر 1990 أصدرت الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي الإعلان المتكون من مقدمة و 25 مادة في شكل إتفاقية أو معاهدة إعتمدت عن طريق التصويت لكن دون اتباع إجراءات التوقيع و التصديق، حتى يتسم الإعلان بالصفة الإلزامية، أما مضمون الوثيقة فيتلخص في الآتي :(2)

- النص على الإعتراف بحقوق و حريات كثيرة للإنسان المواد من 1 إلى 23 و منها : حق الحياة، حق الحرمة، حق الزواج، حقوق المرأة، حقوق الطفل، حقوق الوالدين، حق التربية و التعليم، حق الحرية، حرية التنقل و الإقامة، حق العمل، حق التملك، حق العيش في بيئة نظيفة من المفاسد و الأوبئة، حق الرعاية الصحية و الإجتماعية، حق الأمن، حريات التعبير و الرأي.
 حق الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، حق الإشتراك في إدارة الشؤون العامة في الدولة، حق المساواة بين الناس، حق منع الإستبداد ....

 - تنص المادة 24 من الإعلان على وجوب التقييد بأحكام الشريعة الإسلامية في ممارسة كل الحقوق و الحريات المنصوص عليها .

 - تنص المادة 25 من الإعلان على كون الشريعة الإسلامية مرجعا وحيدا لتفسير أو توضيح أي مادة في هذا الإعلان .

و الملاحظ هنا هو خلو هذا الإعلان من تحديد الأجهزة المكلفة بضمان حماية الحقوق و الحريات الأساسية المعلنة و المعترف بها، و هو ما ينبغي تداركه مستقبلا في حالة إثراء الإعلان و تحويله إلى معاهدة عالمية .




الكلمات الدلالية
التطور ، التاريخي ، لحقوق ، الإنسان ،


 







الساعة الآن 01:34 صباحا