أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في المحاكم والمجالس القضائية ، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





موانع المسؤولية

السلام عليـــــكم موانع المسؤولية مقدمة الفصل الأول : ماهية المسؤولية الجزائية - المبحث الأول : مفهوم المسؤولية الجزائ ..



25-12-2014 03:28 مساء
بحر العلوم المتواصل
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 07-12-2014
رقم العضوية : 1381
المشاركات : 121
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 50
المستوي : ليسانس
الوظــيفة : متربص
 offline 



السلام عليـــــكم

موانع المسؤولية
مقدمة
الفصل الأول : ماهية المسؤولية الجزائية
- المبحث الأول : مفهوم المسؤولية الجزائية
- المطلب الأول : تعريف المسؤولية الجزائية
- المطلب الثاني : أساس المسؤولية الجزائية
- الفرع الأول : المذهب التقليدي
- الفرع الثاني : المذهب الوضعي
- الفرع الثالث : المذهب الحتمية
- المطلب الثالث : أساس المسؤولية الجزائية في التشريع الجزائري
- المبحث الثاني : أركان المسؤولية الجنائية
- المطلب الأول : موجب المسؤولية
- المطلب الثاني : مناط المسؤولية
- المطلب الثالث : صفة المسؤولية
- المطلب الرابع : مدى لزوم العلم بنص التجريم

الفصل الثاني : موانع المسؤولية الجزائية
- المبحث الأول : إمتناع المسؤولية بسبب إنعدام الأهلية
- المطلب الأول : الجنون
- الفرع الأول : تعريف الجنون
- الفرع الثاني : شروط الجنون
- الفرع الثالث : بدون الجنون
- الفرع الرابع : أثار الجنون
- الفرع الخامس : وضع المجنون في الحجز القضائي
- المطلب الثاني : صغر السن
- الفرع الأول : نشأة قرينة عدم مسؤولية الأحداث و طبيعتها
- الفرع الثاني : موقف بعض التشريعات ( التشريع المصري)
- الفرع الثالث : الإجراءات المتخذة ضد الأحداث
- الفرع الرابع : موقف المشرع الجزائري من حالة صغر السن
- المبحث الثاني : إمتناع المسؤولية بسبب إنعدام الإرادة
- المطلب الأول : الإكراه
- الفرع الأول : الإكراه المادي
- الفرع الثاني : الإكراه المعنوي
ملاحظات هامة :
- موقف المشرع من حالة السكر
- مسألة الخلط في القانون


مقدمة :
لا يمكن الكلام عن المسؤولية الجنائية إلا بعد وقوع الجريمة و التي تعترض توافر أركانها الثلاث: الشرعي و المادي و المعنوي.
و المقصود بالمسؤولية الجنائية أن يكون مرتكب الجريمة أهلا لتحمل نتائج فعله و ذلك بتطبيق الجزاء الجنائي المقرر سواء كان عقوبة أو تدبير أمن كرد فعل المجتمع عن تلك الجريمة.
فالمسؤولية الجنائية تقوم على أساس توافر ثلاث عناصر وهــي : الإدراك و التمييز و حرية الإختيار. فالقانون لا يعتد إلا بالإرادة الحرة و المدركة و السليمة إذ هي مصدر الخطر و الذي يهدد المجتمع و الأشخاص و الأموال هناك أسباب على الرغم من وقوع الجريمة إلا أنها تمنع قيام المسؤولية الجنائية . كما هناك أسباب تجعل الفعل مباحا حيث تمحو الصفة الإجرامية عنه فلا تقوم المسؤولية الجنائية أصلا و هناك أسباب تعفى الجاني من العقاب فقط.

و على هذا الأساس يمكن التمييز بين موانع المسؤولية الجنائية و أسباب الإباحـة أو الأفعال المبررة و موانع العقاب .
فلا سبيل إلى محاكمة الجاني الذي إرتكب جريمة إلا إذا كان متمتعا بجدية الإختيـار و العقل و الإدراك ، وعليه فلا يتحمل المسؤولية المكره و المضطر، و الصغير و المجنون ، فهذه الأوصاف كلها تجعل الجاني عديم المسؤولية ، وقد نصت على هذه الموانع جميع الشرائع ، فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى : ﴿إلا من أكده و قلبه مطمئن بالإيمان ﴾ و قوله أيضا ﴿فمن إضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه ﴾ و قوله صلى الله عليـه و سلم﴿رفع القلم عن ثلاث و ذكر الصبي حتى يحتلم و النائم حتى يستيقظ و المجنون حتى يفيق ﴾.

و نحن في بحثنا هذا ستطرق إلى موانع المسؤولية الجنائية، فما هي موانع المسؤولية الجنائية ؟ و ماهي أسباب و شروط قيامها؟


الفصل الأول : ماهية المسؤولية الجزائية
إن تمتع الشخص بمجموعة من الصفات و المؤهلات الشخصية ، التي هي بمثابة حافز في قيامه بجملة من الأعمال
ومن هذه الأعمال ما تخلف إضرار كاثر لها و بالتالي فهذا الشخص الذي هن عن إدراك و إرادة تحمله عبء ما تخلف عنه من نتائج ضارة نتيجة قيامه بأعمال إجرامية أي تحقيق المسؤولية الجزائية.
و نحن بصدد دراسة ماهية المسؤولية الجزائية نقسم هذا الفصل إلى مبحثين أساسيين
- الأول : نتناول في المبحث الأول دراسة مفهوم المسؤولية الجزائية و أساس قيامها
- في حين نتناول في المبحث الثاني دراسة أهم شروط المسؤولية الجزائية



المبحث الأول : مفهوم المسؤولية الجزائية
إن إتيان الشخص بمجموعة من الأعمال هي في نظر القانون منافية له سواء أكانت عصيان أمر من أوامر القانون أو إتيان ما نهى عنه القانون.
و هو بالتالي يعد في نظر القانون جريمة بتوافره بجميع شروطها و من أهم ما توافره الجريمة هو انه أتي الفعل و هو عن علم و إرادة بما يحققه الفعل من نتائج تحدث أضرار بالمجتمع، و هو بالتالي مسؤول عما تحقق من أضرار و هنا نعالج مفهوم المسؤولية الجزائية في مطلبين هامين و أساسيين :
- نتناول في المطلب الأول مختلف التعارف التي تم التطرق إليها
- و تناول في المطلب الثاني أساس قيام المسؤولية الجزائية
و سندرس كل عنصر على حدى :

المطلب الأول تعريف المسؤولية الجزائية
إذا كانت الجريمة هي العمل الخارجي الذي نص عليه القانون و قرر له عقوبة إذا صدر عن إنسان فالمقصود بذلك أن الدولة ترمي بمباشرة حقها في العقاب للمحافظة على كيانها بصفتها دولة و صيانة الأمن و النظام ربوعها ووسيلتها إلى بلوغ هذه الغايات هي إقرار عقوبة لفعل مجرم.
و من الواضح أن نجاح العقوبة في بلوغ الغايات المذكورة رهينة بمدى إدراك من تنزل به لما تنطوي عليه من معاني أحاسيسه بمقدار ما تجلب عليه من الأذى و الألم.
لذلك كان الإنسان الأدمي على فرض متعه بالملكات التي تؤهله للإدراك و الإحساس هو دون غيره من الكائنات المقصود بالعقاب و استحقاقه، أي الذي يصلح وحده لأن يكون محلا للمسؤولية الجزائية و هو بهذا الوصف يمثل الجانب الشخصي للجريمة.
و المسؤولية الجزائية قال عنها البعض (1) « في معناها ألاثم الكامل تعبير عن ثبوت نسبة الواضح الإجرامي للواقعة المادية التي يجرمها القانون إلى شخص معين متهم بها، بحيث يضاف هذا الوضع إلى حسابه فيتحمل تبعيته و يصبح مستحق للمؤاخذة عنه للعقاب» .
و يرى البعض أن للمسؤولية الجزائية مفهومان :
- الأول : و هو مجرد :
واقعي و يراد بالمفهوم الأول صلاحية الشخص لأن يتحمل تبعية سلوكه و هنا نجد أن المسؤولية هي تتعلق بصفة الشخص أو حالة تلازمه سواء وقع منه ما يقتضي المساءلة . أو لم يقع منه شىء و يراد بالمفهوم الثاني تحميل الشخص تبعة سلوك صدر منه حقيقة، و هنا المسؤولية ليست مجرد صفة أو حالة قائمة بالشخص، بل هي جزاء أيضا و هذا المفهوم يحتوي : المفهوم الأول لمجرد لأنه لا يتصور تحميل شخص تبعة سلوك أثاره إلا إذا كان أهلا لتحمل هذه التبعة (2).
وهناك من يجعل المسؤولية الجزائية (3) هي « أهلية الإنسان العاقل الواعي لأنه يتحمل جزاء العقاب نتيجة اقترافه جريمة مما ينص عليها قانون العقوبات، و هو بذلك يميزها عن المسؤولية المدنية التي هي أهلية الإنسان لتحمل تعويض المترتب عن الضرر الذي ألحقه بالغير نتيجة الإخلال بالإلتزام القانون أو التعاقدي ».

------------------
1) د. عبد حميد الشواربي و د. عز الدين الدناصوري. المسؤولية الجنائية في قانون العقوبات، و الإجراءات الجنائية، طبعة 1989. ص 05
2) د. احمد ابو الروسي: القصد الجنائي و المساهمة الجنائية و الشروع و الدفاع الشرعي و علاقة السبيبة دار المكتب الجامعي الحديث طبعة 2001 ص 17
3) د. سمير عالية : شرح قانون العقوبات القسم العام دار المؤسسات الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع طبعة 1998 ص 273

و المسؤولية الجزائية على هذا الوجه ليست ركنا من أركان الجريمة إذا لا تنشأ ألا إذا توافرت ابتداء بجميع أركان الجريمة ، فهي إزاء هذه الأركان حصيلة و اثر لاجتماعها في شخص عاقل مميز ، و يتوافق هذا التحليل مع اشتقاق لفظ المسؤولية فهو مرادف المساءلة أي سؤال الجاني عن السبب في اختياره الجريمة سلوكا مخالفا لما يقضي به القانون، و هو في الواقع سؤال يحمل معنى الاستنكار و اللوم و التهديد بالجزاء على هذا السلوك (1)
« و من المسلم به في الفقه الجنائي الحديث إن صدور القاعدة التجريمية عبارة عن قاعدة قانونية منشأة لعلاقة تمثل الدولة احد طرفيها ، و يمثل الفرد طرف ثاني لعلاقة قانونية تؤهل كال منهما بان تنشأ له حقوق و التزامات متبادلة فالقاعدة تنشأ مباشرة على عاتق الفرد التزاما اصليا غالبا ما يكون موضوعه امتناع عن سلوك أو الامتناع عن تحقيق واقعة معينة حددتها تلك القاعدة في صورة التزام عام و هذا الالتزام من حيث عموميته يشبه ذلك الالتزام السلبي العام المعروف في القانون المدني ، الذي يكلف لصاحب الحق العيني على مال عدم التعرض احد له في المنفعة بذلك الحق العــــام، و تستمد هذا الالتزام مصدره من النص الجزائي في الشق الذي يحدد ما هو محضور».
و المسؤولية أنواع (3) « فقد تكون دينية أو خلقية و قانونية و لا يختلف معنى المسؤولية باختلاف نوعها، فكلها من حيث المجهر سواء، و إنما ينحصر الخلاف بينها في شروطها و في طبيعة او ماهية التبعة التي تلقى على عاتق المسؤول .
و المسؤولية القانونية بدورها صور تختلف باختلاف فروع القانون و من أبرزها المسؤولية الجزائية و المدنية و الدولية و هذه الصور تتفق في أمور و تختلف في أمور، و يقصد من المسؤولية الجزائية صلاحية الشخص لتحمل الجزاء الجنائي الناشئ عما ارتكبه من جرائم و للجزء الجنائي في التشريعات المعاصرة مظهران هما العقوبـة و التدبير الوقائي» .
و على هذا الأساس يمكن تعريف المسؤولية الجزائية بأنها صلاحية الشخص ي تحمل العقوبة أو التدبير الوقائي – التدبير الاحترازي- الذي يقرره القانون كاثر للجريمة التي ارتكبها، غير أن تعريف المسؤولية الجزائية على هذا النحو و إن حاط بكل صورهــا إلا انه يعين على حل مشاكلها و يمكن القول في ظل التنظيم الراهن من كان أهلا لارتكاب . الجريمة فها أهلا لتحمل العقوبة أو التدبير الوقائي لها. و هذا يعني القول أن كل إنسان مسؤول جزائيا، لأن كل إنسان أهلا لارتكاب الجريمة الذي تتوافر فيه صلاحية أو أهلية معينة . و هي الأهلية التي تتركب من العناصر التي يقوم بها أساس المسؤولية الأدبيـة و هي الإدراك و الإرادة.

---------------
1) د. عبد الحميد الشواربي و د. عز الدين الدناصوري نفس المرجع ص 7
2) د. عبد الحميد الشواربي و د. عز الدين الدناصوري نفس المرجع ص 12
3) د. عوض محمد عوض قانون العقوبات القسم العام دار الجامعة الجديدة للنشر طبعة 2000 ص 416

المسؤولية الجزائية في نظر التشريع الجزائري
إن المسؤولية الجزائية هي حصيلة أركان مجتمعه وتؤدي عند ثبوتها – المسؤولية الجزائية إلى خضوع الجاني لجزاء جنائي يقرره القانون و تقرره الدولة بحكم قضائي فالمسؤولية الجزائية هي علاقة بين المتهم و الدولة بعد أن يكون المتهم قد ارتكب فعل مجرم بكل عناصره و بهذا المفهوم تتحدد علاقة المسؤولية بالجريمة فهي ليست جزء منها و إنما هي – المسؤولية الجزائية-إثرها- للجريمة . أو النتيجة القانونية المرتبطة بها. إن من يقدم على انتهاك القانون بارتكاب الواقعة الإجرامية لتحمل تبعة عملـــه و يخضع للجزاء الذي يقرره القانون و توقعه الجماعة بحكم قضائي، فالجاني فقد اقترف الجريمة يكون قد وضع نفسه في مواجهة مع المجتمع بخروجه عن دائرة حقه في استعمال حريته ، مما خول للدولة الرد عليه بتوقيع الجزاء الجنائي بوصفها ممثلة للمجتمع فالمسؤولية الجزائية تعني تحمل الشخص تبعة عمله المجرم بخضوعه الجزاء المقرر لفعله في قانون العقوبات(1).
ولئن بدت هذه الفكرة بسيطة و واضحة ألان فقد خضعت المسؤولية بمخاض طويل استغلت لبشرية كل قريحتها للوصول إلى مفهوم عادل للجزاء و هو المفهوم عادل للجزاء و هو المفهوم الذي كان و لا يزال موضع جدل كبير منذ أقدم العصور و حتى وقتنا الحاضر.
لم تكن المسؤولية الجزائية فكرة مجهولة في القوانين القديمة إذا كانت تحدد بنحو مخالف لما هي عليه ألان ذلك إن القانون إذ ينشأ في بيئة معينة فانه يثابر في معتقداتها ففي حدود المعارف التي تسود تلك الجماعة التي يتم تنظيم العلاقات الاجتماعية فيها.
و عليه فان دراسة المسؤولية الجزائية لا يجب إن تعزل عن إطارها التاريخي في سياق نمط الحياة و طرق التفكير الذين عرف في المجتمعات القديمة حيث شغلت فكرة السلام و الاستقرار للمجتمعات القديمة بفضل اعتقادها الديني و ارتباط الإنسان بالجماعة التي ينتمي إليها و قصور تفكيرها حول طبيعة الخطأ إلى القول بنوع من المسؤولية الجزائية تميزت بالخصائص التالية :
1). الظهر الآلي و الموضوعي للمسؤولية الجزائية :
ساد الاعتقاد في المجتمعات القديمة انه لابد من وجود مذنب و راء كل فعل ضار، يكون مسؤولا عن الضرر الذي حدث فإذا عرف الفاعل سبب الضرر فان رد الفعل سيكون تلقائيا اليا، إذ يكفي أن تتوافر العلاقة السببية بين الفعل و الفاعل لقيام المسؤولية الجزائية بصرف النظر عن توافر الخطأ وعدم توفره في جانب مسبب الضرر و في حدود الرد التلقائي هذا و لم تكن المجتمعات القديمة تهتم بصفات فاعل الضرر الشخصية.
فلم تميز بين الفاعل العاقل أو مجنون أو كبير أو صغير أو حيوان أو إنسان فإسناد الفعل .
------------------------
1) د. عبد الله سليمان شرح قانون العقوبات القسم العام الجزء الأول ديوان المطبوعات الجامعية طبع 1998 ص 235

الضار إلى أي مصدر كان يجعله مسؤولا، فالفعل و الضرر هما ما يميزان المسؤولية ، و لذا فهي مسؤولية موضوعية كل من يسبب ألما يجوز أن يكون حلا للعقاب(1)
و هكذا فقد كان الركن المعنوي أو الجانب الشخصي مهملا تماما في تقدير المسؤولية الجنائية ، حيث لم يكن يعتد بالخطأ، إذ العبرة بالفعل المادي و الضرر الناشئ عنه فحسب.

2) المظهر الجماعي و الشامل للمسؤولية :
« نتيجة للنظرة المادية الصرفة إلى الواقعة الإجرامية فقد كانت النظرة إلى المسؤولية الجزائية أوسع و أشمل مما هو معروف اليوم، بل و تجاوز حدود المعقول لتشمل الحيوان و الجماد و الأموات أيضا، كما في الشريعة المساوية و شرائع اليونان القديمة، و ما كان عند الرومان و الفرس و قد كانت المسؤولية تتوسع لتشمل أشخاصا لا علاقة لهم بالفعل المرتكب كمسؤولية الأسرة كلها – أسرة الجاني أو عشيرة الجاني أو قبيلته عن فعل أحد أفرادها، فلم تكن المجتمعات القديمة تفرق بين شخص و آخر فالجماعة هي وحدة متماسكة يذنب الفرد فيها و تتحمل معه وزره و تطالب بحقه » (2)
و هذا و قد عولجت المسؤولية الجزائية التي نحن بصدد دراستها ضمن المسؤولية الجزائية التقليدية (3) في حين الاتجاهات الحديثة المسؤولية الجزائية قد عولجت في المسؤولية الجزائية الناتجة عن فعل الغير و المسؤولية الجزائية الشخص المعنوي.

المطلب الثاني أساس المسؤولية الجزائية :
إن تحديد أساس المسؤولية الجزائية يعتبر أمرا لاغنى عنه عند رسم الساسة الجنائية و يتناول الأساس الذي ترتكز عليه أحكام القانون الجنائي ، و بالتالي يعاقب المجتمع بمقتضاه فهو الذي يبين الشروط الواجب توافرها لقيام المسؤولية الجزائيــة و هو الذي يحدد رد الفعل الاجتماعي إزاء الجريمة و هل يقتصر على العقوبة أو التدبير الإحترازي أو يمكن الجمع بينهما ؟
و نبرز أهمية تحديد أساس المسؤولية الجزائية بصفة خاصة بالنسبة لطوائف المجرمين الذين يشكل سلوكهم و حالاتهم الخاصة خطورة على المجتمع.
و يوجد في هذا الصدد مذهبان.
- الأول التقليدي : و هو يبني المسؤولية على أساس حرية الإنسان في الاختيار
و الثاني وضعي : و هو يبين المسؤولية على أساس الخطورة الإجرامية للجاني

--------------------
1) د. عبد الله سليمان نفس المرجع السابق 238
2) د. عبد الله سليمان نفس المرجع السابق 238
3) د. لحسن بوسقيعة الوجيز في القانون الجزائي العام الديوان الوطني الأشغال التربوية طبعة 2002 ص 166.

الفرع الأول : المذهب التقليدي :
يرى بعض الفقه (1) إلى أن أساس المسؤولية الجزائية على أساس حرية الإنسان في الاختبار فكل إنسان بالغ عاقل يستطيع التمييز بين المباح و المحظور ، كما يستطيع التحكم في سلوكه فلا يأتي من الأفعال إلا ما يريد ، فإذا ارتكب شخص فعلا ينهي القانون عنه أو امتنع عن فعل يأمر القانون به كان عملا مخالفا مستهجا من ناحية الأدبية و الخلقية و القانونية لأنه تنكب الطريق السوي و سلك الطريق المعوج و كان في وسعه أن يكون خيرا مما كان ، و لهذا فإنه ينبغي أن يسال عما وقع منه و أن يحمل تبعته و لا تنتفي المسؤولية عند أنصار هذا المذهب إلا إذا فقد الشخص قدرته على الإدراك و الاختيار ،لأن عقابه عندئذ سيكون ظلما من جهة و غير مجد من جهة أخرى .
إما أنه ظلم فلان الفطرة السليمة تفترض العقاب من اختلطت عليه الأمور و استوي في وعيه المباح و المحظور كما تنفر من العقاب من لم ينضج أو من عطبت إرادته فبات عاجزا عن الاختيار بحرية بين البدائل الممكن.
و إما أنه غير مجد فلان العقاب غايته الردع و ليس الانتقام ، و هذه الغاية لا تتحقق بعقاب من تجرد من قدرة الادراك أو من حرية الاختيار.
حرية الاختيار – المذهب التقليدي – ولهذا يتفق بعض الفقه (2) في أن تبني المسؤولية الجزائية على أساس حرية الاختيار و مؤداها إن مرتكب الجريمة قد اختار بإرادته الحرة سلوك الطريق المخالف للقانون، فالجاني كان له إن يختار بين السلوك المطابق للقانون و السلوك المخالف للقانون بإرادته الحرة كان مسؤولا عن هذا الاختيار مسؤولية جنائية، و يعني هذا إن مناط المسؤولية هو حرية الإنسان في توجيه إرادته نحو السلوك الإجرامي، فطالما توفرت هذه الحرية الكاملة ، كان الإنسان مسؤولا عن سلوكه و إذا انعدمت حرية الإرادة أو انتقصت وجب القول بانعدام المسؤولية أو تخفيفها، فالإنسان لا يسأل جزائيا إلا في حدود القدر من الحرية الذي توافرت له وقت التصرف الذي وجه إرادته إلى السلوك المخالف للقانون.
حجــــج هذا المذهب : و يستمد أنصار مذهب حرية الاختيار إلى حجة رئيسة مؤداها «إن حرية الاختيار هي الأساس الوحيد الذي يمكن تصوره للمسؤولية الأخلقية أو القانونية و بدون هذه الحرية لن يكون للمسؤولية معنى و لا يمكن أن تستند إلى أساس آخر يدعمه القانون »
بمعنى المسؤولية إنها لوم من اجل سلوك يخالف القانون، و هذا اللوم لا محل له إلا إذا كان في استطاعه مرتكب السلوك المخالف للقانون أن يختار سلوكا آخر لا يخالف القانون، أما إذا لم يكن في استطاعه الفرد تجنب السلوك المخالف للقانون فان مساءلته عن هذا السلوك لا يكون لها محل فضلا عن أن تقرير المسؤولية في هذه الظروف يعد من قبيل الظلم الذي تأخذها اعتبارات العدالة (3)
------------------
1) د.عوض محمد المرجع السابق ص418– 2) د.عبد الحميد الشواربي وعزالدين الدناصوري المرجع السابق ص55
3) د.فتوح عبد الله الشاذلي شرح العقوبات القسم العام.الكتاب الثاني المسؤولية في الجزء دار الهدى المطبوعات 1997 ص 7

كما يستند أنصار حرية الاختيار كذلك إلى إن «الحرية في قانون الإنسان الذي يميزه عن المخلوقات الأخرى و هو يشعر بهذه الحرية التي تمييز إنسانيته وتحدد قدرته على التحكم في أفعاله وأهوائه و يجعل لأرادته الحرة السيطرة على نوازعه و انفعالاته ، لذلك يشعر كل إنسان بحريته في الاختيار و يستقر في ضميره، هذا الشعور باعتباره قيمة إنسانية و أخلاقية توجه قراراته و اختياراته في الحياة، فالإنسان يشعر دائما بقدرته على المفاضلة بين الاختيارات المختلفة ، و يتخذ قراره بناء على هذه المفاضلة ، و ليست المقدرة على المفاضلة و اتخاذ القرار النهائي سولا صدى للحرية عن الاختيار و عدم الخضوع للعوامل التي تضطر الفرد إلى سلوك معين لا تتحكم فيه الإرادة الخاصة بــه، و إذا ما شعر كل إنسان بان أفعاله لا يتحكم فيها سوى حريته و إرادته، استقرت هذه العقيدة في ضمير الجماعة ووجهت نظرتها إلى المجرم باعتباره قد اختار طريق الإجرام، و لذلك كان من الواجب أن يتوافق القانون مع هذا الشعور و أن يجعل أساسا للمساءلـة و معيارا لها أيا كان الجدل الفلسفي حول حرية الاختيار أو الحتمية »

في حين نجد البعض أكد بأن « و بالفعل إن القوانين تفترض حرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجزائية ، وتتطلب للمساءلة القانونية توفر الحد الأدنى من حرية الاختيـار، و تسلم بان هذه الحرية قد يتأثر بعوامل داخلية أو خارجية يترتب عليها امتناع المسؤولية أو تخفيفها» (1).
«و في مجال القانون الجنائي، يتحقق مذهب حرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجنائية مع الوظيفة الاجتماعية لهذا القانون فإذا كان العقاب يهدف إلى الشعور بالعدالة وجب لضمان تحقيق هذا الهدف أن لا يخضع للعقاب الا من يكون سلوكه مستوجب اللــوم، و السلوك لا يكون كذلك إلى حين يكون وليد حرية الاختيار» (2).

الفرع الثاني : المذهب الوضعي :
يرى أنصار هذا المذهب (3) إلى أن حرية الاختيار كأساس للمسؤولية« دعوة لا يشهد على صحتها دليل علمي معتبر و إنما هي وهم عتيق تناقله الأجيال خلفا عن سلف حتى رسخ في الأذهان و عدا من المسلمات و الحقيقة في رأيهم أن سلوك لا يراعي شأنه كافة الظواهر الطبيعية و الاجتماعية لا يقع مصادفا و لا اعتباطا و إنما هو خاضع لقانون السببية ، فالسلوك الإنساني في جملته سواء أكان إجراميا أو لم يكن محكوم بمقدمات إذا توافرت لم يكن من وقوعه بد، فهو ثمرة حتمية للتفاعل بين شخصيته ذات تكوين معين وظروف بيئية خاصة، و لما كان الناس يتفاوتون فيما بينهم من حيث تكوينهم العضوي و النفيس كم يتفاوتون من حيث ظروفهم الطبيعية و الاجتماعيـة فمن
-------------------
1) عبد الحميد الشواري و عز الدين الدناصوري. المرجع السابق ص 55
2) د.فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 08
3) د. عوض محمد المرجع السابق ص 418

المنطق أن يكون سلوكهم في المواقف المتماثلة مختلفا، و قد تطلع بعض الفقه إلى إحاطة كاملة بالتكوين العضوي و النفسي لكل شخص و بكافة ظروفه الخارجية العامة و الخاص، الطبيعية و الاجتماعية لكان بالوسع القطع بنتيجة التفاعل بين هذه العوامل و التنبؤ بنوع السلوك الذي يتحتم على الشخص إتيانها لكن الجهل لكثير من هذه الأمور هو الذي يصور لنا إن الإنسان يتصرف في المواقف المختلفة بوحي من إرادته وحده و على هذا النحو يخلص الوضعيون إلى أن الإنسان ليس له الخيار فيما يأتي و في ما يدع و إنما هو مسوق إلى أن يسلك في كل موقفا مسلكا يستحيل عليه بحكم تكوينـه و ظروفه أن يسلك غيره و هذا لا يعني تسليم الوضعيين بان لجريمة عمل مبرران مرتكبها لا يسأل عنها فالمذهب الوضعي كالتقليدي لا يتغاضى عن الجريمة و لا يتغاضى الجاني من مسؤوليته.
و إذا كان الوضعيون قد حرصوا على نفي حرية الاختيار كأساس للمسؤولية فإنهم قد بحثوا في الوقت نفسه على أساس آخر يتفق مع حقائق العلم من جهة و يتسع من جهة أخرى لمواجهة الجريمة و مكافحتها بكل صورها و أيا كان مرتكبها ، لأن من حق المجتمع و واجبه أن يتصدى لكل ظاهرة تعصف بكيانه أو تعيق تقدمه و تحقيقا لهذا الغرض أدى فقهاء المذهب الوضعي إلى إحلال المسؤولية الاجتماعية محل المسؤولية الأدبية و الخلقية ، و المسؤولية الاجتماعية بطبعها تقوم على الخطورة الإجرامية فالجاني يسال بأنه كشف بفعله عما يكمن في ذاته من خطورة إجرامية تنظر بوقوع أفعال مماثلة منه مستقبلا (1).
و يرى كذلك الكثير من المشتغلين بالعلوم الاجتماعية أن الجريمة ليست ثمرة حرية الاختيار، بل هي ظاهرة إنسانية لابد تحكمها هي الأخرى أسباب مختلفة سواء أكانت الأسباب طبيعية أو عضوية أو نفسية تؤدي إليها حتما، و أن القول بحرية الاختيار لا يمكن أن تكون إلا وهما شخصي سيكذبه للواقع العضوي أو نفسي و المحاولة للهروب والتعمق في دراسة أسباب الجريمة بعد إلقاء اللوم كله على الجاني ، و يرد أنصار هذا المذهب عما اتهمه به خصومهم إلى أن الحتمية تؤدي إلى الجمود و عدم مواجهة الجريمة، باعتبار إنها نتيجة حتمية لا مناهي من وقوعها، و يرون بأن هذا القول فيه خلط بين الحتمية و القدرية.
فليست الحتمية بمعناها الصحيح مثالية الجود و الجمود، بل تدفع دائما إلى العمل و التحري عن الأسباب لمقاومها فتمنع بالتالي نتائجها ، و أن الإيمان بتسلسل الأسباب يجعلها نظرة للجاني كضحية لظروف الاجتماعية الداخلية و الخارجية ، و سبب الخطورة الإجرامية يجب أن يوضح كل من يفرق قاعدة من قواعد قانون العقوبات، و هنا يحق للمجتمع بل من واجبه الدفع عن نفسه اتجاه هذه الخطورة، و لهذا لا يتهم أنصار الحتمية فكرة الجزاء على مسؤولية الجاني الأدبية ، و لكن على أساس اجتماعي قانوني بحت، و بذلك يتجه أنصار المدرسة الوضعية إلى ما تنادي به المدرسة التقليدية، ومن وجوب تقدير الجزاء وفق لدرجة المسؤولية مما يؤدي إلى عدم إمكان اتخاذ أية الاختيار
-------------
د. محمد عوض المرجع السابق ص 419

بالرغم من خطورة هؤلاء على المجتمع ، و ثبوت ارتفاع نسبهم بين مجموع من المجرمين.

الفرع الثالث - مذهب الحتمية – المذهب الحديث-
و هنا يفكر كذلك أنصار هذا المذهب من أن حرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجنائية، و يرون أن الأفعال الإنسانية ما هي إلا نتيجة حتمية لأسباب مؤدية إليها (1).
و عليه فان السلوك الإنساني لا يمكن اعتبار ثمرة لحرية الاختيار، و إنما هو نتيجة للتفاعل بين شخصية لها تكوين عضوي و نفسي معين، و ظروف خارجية قد تكون طبيعية أو اجتماعية، و إذا تم الإحاطة بالجوانب العضوية و النفسية للشخصية الإنسانية و بالظروف الخارجية التي تحيط بتلك الشخصية لكان منى المتيسر التنبؤ بنوع السلوك الذي يتحتم على الشخص إتيانه، و يبدو من هذا التحليل إن نسبة السلوك الإنساني إلى حرية الاختيار، ليس سوى نتيجة لعدم قدرة الباحثين على الإحاطة بكافة جوانب التكوين العضوي و النفسي للشخص، و بكافة الظروف الخارجية التي تحيط به، أي إن حرية الاختيار لا وجود لها و الاستناد إليها كأساس لمساءلة الإنسان عن أفعاله لا يعني أكثر من الجهل بالأسباب الحقيقية التي تدفع الإنسان إلى سلوك معين يستحيل عليه تفاديه.
و تطبيق هذا المذهب على السلوك الإجرامي باعتباره من صور السلوك الإنساني يؤدي إلى القول بأن الجريمة ليست وليدة حرية الاختيار و إنما هي نتيجة حتمية لعوامل داخلية ترجع إلى التكوين البدني و النفسي للمجرم، و عوامل خارجية طبيعية و اجتماعية و هذه العوامل هي التي تدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة و تسوقه إليها على نحو لا يجعل له أي خيار في الامتناع عنها.
فحرية الاختيار ليست لها وجود في مجال السلوك الإجرامي، و مساءلة مرتكب الجريمة على أساس حرية الاختيار هو محض اقتراح لا تدعمه الحقائق العليمة، فالجاني يسال عن الجريمة لا لكونه قد اختار السلوك الإجرامي، بل لأن هذا السلوك سيكشف عن خطورة إجرامية كامنة في الشخص، ينبغي مواجهتها بالتدابير اللازمة لحماية المجتمع.
و إقامة المسؤولية الجزائية على أساس الخطورة الإجرامية يؤدي إلى توسيع نطاق هذه المسؤوليـــة، فهي لا تنتفي بانعدام حرية الاختيار التي لم تعد أساسا للمساءلة ، و لا يشترط في الأعمال الموجبة لها أن ينطبق عليها وصف الجريمة بالمدلول الضيق، و لا يحدد التدبير الذي يواجه الخطورة وفقا لجسامة ماديات الجريمة . وإنما يكفي استئصال الخطورة الكامنة في الشخص الفاعل.
حجج أنصار مذهب الحتمية :
يرى أنصار مذهب الحتمية أن حرية الاختيار هي محض ادعاء ، لا يوجد دليل علمي يؤكد صحته، و ان ما قدم من حجج لتأكيد حرية الاختيار لا يمكن أن تكون له قيمة في مواجهة الحقائق العلمية الثابتة التي تدعم فكرة الحتمية و قد ظهر مما تقدم أن فكرة الحتمية تتلخص في تطبيق قوانين
----------------
1) د. فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 10

السببية على السلوك الإجرامي باعتباره من صور السلوك الإنساني الذي يشن عن هذه القوانين, فالسلوك الإجرامي لا يمكن أن يحدث دون سبب يؤدي إليه. و يؤدي إقامة المسؤولية على أساس حرية الاختيار إلى تجريد فكرة المسؤولية من الطابع العلمـــي و بنائها على محض افتراض.
و يؤدي كذلك أنصار مذهب الحتمية أن التسليم بحرية الاختيار كأساس للسلوك الإجرامي يقود إلى تجاهل البحث في الأسباب التي تهدف إلى ارتكاب الجريمة , بينما يؤدي القول إلى العناية بأسباب الإجرام و محاولة استخلاصها تمهيدا لعلاجها على مستوى الفــرد , و أخيرا فان مذهب الحتمية مما يؤدي إليه من توسيع نطاق المسؤولية من حيث الأشخاص و الأفعال يتضمن حماية المجتمع من الجريمة و مكافحتها في كل صورهــا و أيا كان شخص مرتكبها , فالمسؤولية الاجتماعية لا تمتنع عند انتقاء حرية الاختيار , بل يطبق على مرتكب الجريمة التدبير الملائم الذي يستهدف استئصال خطورته دون أن ينطوي على معنى اللوم أو التأنيب.

المطلب الثالث : أساس المسؤولية الجزائية في التشريع الجزائري .
لا شك أن المشرع الجزائري قد اعترف بحرية الاختياري إقامة المسؤولية الجزائية على هذا الأساس و الدليل على ذلك انه استبعد المسؤولية الجزائية في الحالات التي انتفت فيها حرية الاختيار – فالمادة 47 ق.ع. تنص على « لا عقوبة على من اضطرته إلى ارتكاب الجريمة قوة لا قبل له بدفعها».
و تنص المادة 49 على « لا توقع على القاصر الذي لم يكتمل الثالثة عشر إلا تدابير الحماية أو التربية». (1).
و تفصح مجموع هذه النصوص عن علة امتناع المسؤولية الجزائية (2). في فقدان حرية الاختيار تماما بنص المادة 47 و تقرر امتناع المسؤولية في حالة الإكراه الانتقاء الحرية أيضا , و كذلك تقرر المادة 49 هذه القاعدة بالنسبة لفقدان التمييز و هو صورة من صور فقدان حرية الاختيار .
و يعني ذلك أن انتقاء حرية الاختيار يؤدي إلى امتناع المسؤولية الجزائية , لتخلف الأساس الذي تقوم عليه , و لكن الملاحظ أن حرية الاختيار قيدها المشرع الجزائري أسوة بالتشريعات الحديثة التي وقعت بين مذهب حرية الاختيار و مذهب الحتمية , فالمشرع الجزائري يقرر تدابير امن للمجنون بنص المادة 47 ق.ع. عقوبات بالرغم من امتناع مسؤوليته و ذلك كنوع من أنواع الحماية للمجتمع و لدرء إخطار المجنون , كما يقرر تدابير في حالة امتناع المسؤولية بالنسبة للصبي الغير المميز بنص المادة 49 ق.ع.
فالمادة 47 تنص على « لا عقوبة على من كان في حالة جنون وقت ارتكاب الجريمة و ذلك دون الإخلال بأحكام الفقرة 02 من المادة 21 ».
---------------------------
1) قانون العقوبات الجزائري.
2) د. رضا فرح شرح قانون العقوبات الجزائري الأحكام العامة للجريمة . ش.و للنشر و التوزيع طبعة 1976 ص368..

و المادة 21 ق.ع. تنص على «الحجز القضائي في مؤسسة نفسية في وضع الشخص بناء على قرار قضائي في في مؤسسة مهيأة لهذا الغرض و ذلك بسبب خلل في قواه العقلية قائم وقت ارتكاب الجريمة أو اعتراه بعد ارتكابها » (1) و تصنيف الفقرة 02 بان هذا القرار يصدر مهما كان الحكم , سواء كان بالإدانة أو بالعفو أو بالبراءة , و في حالة الحكم بالبراءة يجب أن يثبت مساهمة الجاني أو المتهم في أفعال الجريمة.

يبدو موقف المشرع الجزائري واضحا (2) أيضا في الأخذ بمذهب حرية الاختيار المقيدة فيما ينص عليه بالاعتراف بالمسؤولية المخففة عند إنقاص حرية الاختيار في الفقرة 03 من المادة 49 بقولها : على «و يخضع القاصر الذي يبلغ سنه من 13 إلى 18 عاما لتدابير الحماية أو التربية أو لعقوبات مخففة » (3) .

و نلخص من ذاك إلى القول بان المشرع الجزائري يعترف بحرية الاختيار كأساس للمسؤولية , و لكنها حرية مقيدة تستتبع وضع تدابير وقاية للحالات التي تقوم فيها هذه المسؤولية أو في حالة انتقاصها.
----------------------------------------------
1) ق.ع.ج.
2) د. رضا فرح. نفس المرجع ص 369
3) ق.ع.ج.


المبحث الثاني : أركان المسؤولية الجزائية :
لكي تتحقق المسؤولية الجزائية لا بد من حدوث واقعة توجبها و من وجود خص معين يتحملها, فأما الواقعة الموجبة شرطها أن تكون جريمة , أما المسؤولية فيلزم فيه ركنان أو شرطان , الأول أن يكون أهلا لتحمل المسؤولية و الثاني أن يكون هو مرتكب تلك الجريمة , و في الفقه فضلا عن ذلك يوجد خلاف حول العلم بقاعدة التجريم و ذلك في مدى اعتبار العلم بقاعدة التجريم ركنا أو شرطا في المسؤول.
كما نعالج صفة المسؤولية و هو الجاني دائما كشرط ثالث و نعالج أخيرا شرط مدى لزوم العلم بنص التجريم.

المطلب الأول : موجب المسؤولية – وقوع الجريمة شرط لازم
فالجريمة هي موجب المسؤولية , فلا يتصور البحث عن قيام المسؤولية إلا إذا كانت هناك جريمة وقعت و أن تكون الجريمة مستوفية جميع أركان قيامها , لأنه إذا اختلف الركن المعنوي فلا عبرة بالفعل المرتكب و لو كان غير مشروع في ذاته , لأن موجب المسؤولية هو الجريمة.
وإذا استوفت الجريمة جميع أركانها فلا عبرة بجسامتها و لا بمداها و لا بصورة الركن المعنوي فيها. « و توافر هذه الأركان لا يعني بضرورة أن الجريمة قد تحقق وجودها قانونا , ذلك أن الجريمة ليست مجرد نشاط مادي و نفسي ادر عن شخص معين , و إنما في الوقت نفسه تقدير أو وصف قانوني يسيغه المشرع على نشاط هذا الشخص (1) ».
و هذا يقتضي ابتداء أن يكون الشخص خاضعا لقانون العقوبات , و الأصل في قانون العقوبات أنه محكوم بمبدأ الإقليمية , فهو يسري على كل من يرتكب فعلا يعد مخالفا للقانون سواء كان وطنيا أو أجنبيا , و لا يمتد إلى ما يقع في الخارج من جرام حتى و لو كان ذوي الأصل الوطني هم مرتكبو هذه الجرائم . «و على الرغم من وضوح هذه القواعد فقد اختلف الرأي في مدى خضوع بعض المعنيين في الدولة لقانون العقوبات و يشمل المعنيين بحصانة سياسية و كذلك الصغار و المجانين » (2).
فبالنسبة للطبيعة القانونية لأفعال المتمتعين بحصانة سياسية فالبعض يرى أنهم لا يلتزمون بأوامر العقوبات و لا بنواهيه لأنهم غير مخاطبين ألا بأحكامه, و لذلك تخرج أفعالهم عن مجال القانون و ليس للقانون أي شأن بها و لا حكم لها فيه و عليه فإن – القانون - يمتنع عن وصفها قانونا بأنها جريمة ».
----------------------------
1) د. عوض محمد المرجع السابق ص 427.
2) د. احمد أبو الروس المرجع السابق ص 74.

و هذا قد انتقد هذا الرأي .نظرا لأنه يفتقد للسند القانوني ,والصحيح في هذا أن المتمتعيـــن بالحصانة السياسية ملزمين كغيرهم بقانون العقوبات وخاضعون لإحكامه سواء كانت صفاتهم مستندة من التشريع الداخلي أو من القانون الدولي. وإذا ارتكبوا أفعالا تنطبق على نص من نصوص التجريم . أي أفعال تخالف القانون فان هذه الأفعال تعذ من الجرائـم.
كما رأى احد فقهاء القانون الدولي (على أن المتمتعين بحصانة دبلوماسية هذه الحصانة لا تعفيهم من الخضوع لقانون العقوبات وإنما تحميهم من اتخاذ إجراءات جنائية ضدهم).(1)
كما أن الحكمة التي اقتضت تقرير الحصانة لا تسمح بتكييفها على نحو ما ذهب إليه الراى المنتقد .فالراجح في فقه القانون الدولي إن الحصانة تقررت أساسا للوفاء بمتطلبات الوظيفــــة الدبلوماسية اى تمكينا لشاغلها من القيام بالمهام المنوطة بذلك دون اتخاذ اى إجراء يعرقل من عمله أو تحط من قيمتــه.
وهذه الضمانة_الحصانة الدبلوماسية_لا تقضى توفير إعفاء الدبلوماسيين من الخضوع لأحكام قانون العقوبات.ولو قيل بذلك لكان ذلك إعطاءهم ومنحهم فرص ارتكاب ما هو محضور قانونا.(2)
والصحيح أن المتمتعين بحصانة سياسية ملزمون كغيرهم بقانون العقوبات وخاضعون لإحكامه
وإذا ارتكبوا أفعالا محظورة فان أفعالهم تعد جزاءا .أما حصانتهم فهي إجرائية ينحصر أثرها في الحيلولة دون اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم (3) كالقبض والتفتيــــش و الاستجواب و المحاكمة .
أما بالنسبة للطبيعة القانونية لأفعال الصغار والمجانين. فيذهب رأى على أنهم مخاطبون بقانون العقوبات وخاضعين لأحكامه وليس فيهم ما يحول إلى اعتبار أفعالهم جرائم أي أن شرط موجب المسؤولية متوفر لديهم.(4)
بينما يرى جمهور الفقهاء (5) بان أفعال الصغار و المجانين لا تقع عليها الصفة الإجرامية أي لا توصف قانونا أنها جريمة.ولو كانت فعلا محضورا ومخالفا للقانون .ويستند بعض القائلين بهذا الرأي على أن هؤلاء الأشخاص لا يخضعون أصلا لحكم قانون العقوبات ويستدل البعض الأخر إلى تخلف ركن من أركان الجريمة وهو الركن المعنوي .ومن الفقهاء من يبنى الحكم على الأساسين معا.

1)د. عوض محمد.......المرجع السابق.ص 429.
2)د.عوض محمد.......المرجع السابق.ص430.
3)د.احمد أبو الروس......المرجع السابق.ص45.
4)د.سمير عالية..........المرجع السابق.ص281.
5)د.عوض محمد.........المرجع السابق.ص431.

فالقائلين بان المجانين و الصغار لا يخضعون لقانون العقوبات نظرا لأنهم غير قادرين على فهم وإدراك مضمون لقانون العقوبات من جهة.وعاجزين عن القيام بالالتزامات و الواجبات التي يفرضها عليهم من جهة.أما القائلين بان الجريمة تختلف وتفتقر للركن المعنوي ونظرا لعدم تمتع الصغار والمجانين للركن المعنوي وقوام هذا الأخير هو الإدارة.وإدارتهم غير معتبرة في القانون.فلا يصح إعطاء الصفة الإجرامية لهذه الأفعال التي يقوم بها هؤلاء الأشخاص.

وما ذهب إليه الفقه غير صحيح لان يصلح ان يكون الصغير فعل الصغير والمجنون جريمة في نظر القانون .وان كان كل متهم لا يسال جنائيا عن فعله فذلك لأنه غير أهل لتحمل المسؤولية لا لان فعله لا يعد جريمة.(1)

--------------------------------
1) د.سمير عالية المرجع السابق.ص282.


المطلب الثــــاني : منــاط المسؤوليــــة :
باعتبار أن المسؤولية عبء لا يقوى أي شخص على حمله , و إنما يتحمله من كان أهلا لذلك, و لذلك فليس من المنطق أن يرتكب خص و هو يتمتع بكافة قواه العقلية فعلا يعد في نظر القانون جريمة ثم لا يسأل عنها لأن التلازم غير مطرد بين ارتكاب الجريمة و تحمل مسؤوليتها , أي بين ارتكابها و تحمل العقوبة المقررة لها , و الأهلية التي هي مناط المسؤولية لا تكتمل إلا باجتماع أمرين و هما التمييز و حرية الاختيار.

أولا : التمييـــــز :
« يقصد بالتمييز هو اللفظ الأكثر استخداما تشريعا و فقهاء بوجه عام , و لكن هناك من التشريعات من يعتمد على لفظ الإدراك , و منهم من يستعمل لفظ الشعور , و اللفظ الغالب و الأدق هو لفظ التمييز (2).
و يقصد بالتمييز و هو قدرة الشخص على فهم ماهية سلوكه و تقدير ما يترتب عليه من نتائج. » (3).

كما يقد بالتمييز قدرة الشخص على إدراك القيمة الاجتماعية لسلوكه , أي مدى ما ينطوي عليه هذا السلوك من ضرر أو خطر على حقوق الغير , و بالتالي مدى توافقه أو تعارضه مع مقتضيات الحياة الاجتماعية و لما كان التمييز بطبيعته أمرا يتفاوت لدى الناس من حيث وقت ثبوته و من حيث مراتبه , فكانت وجهة نظر التشريع الجزائري بمقتضى المادة 49 من قانون العقوبات على أنه : «لا توقيع على القاصر الذي لم يكتمل الثالث عشر ة إلا تدابير الحماية أو التربية » فمن خلال نص المادة و ما تطرق إليه الشارع الجزائري فجعل س التمييز من 13 سنة فما فوق , أي أن الذي لم يكتمل سن من 13 سنة فهو عديم التمييز و بالتالي عديم الإدراك و هنا تقام المسؤولية الجزائية على من يفتقد للتمييز. (4)

------------------
1) د. أحمد أبو الروس المرجع السابق ص 76
2) د. عوض محمد المرجع السابق ص 438
3) د. سمير عالية المرجع السابق ص 282.
4) د. عادل قورة محاضرات في قانون العقوبات - القسم العام – الجريمة – ديوان المطبوعات الجامعية طبعة 1994 ص 145.

و عليه فإذا ارتكب شخص هو صغير السن – عديم التمييز – الذي لم يكتمل سن معينة فعلا يعد في نظر القانون جريمة أي لا يجوز الحكم عليه بأي عقوبة أو تدابير منصوص عليها في القانون و إنما يحكم عليه بتدابير أخرى كالتوبيخ و التدريب المهني , و الالتزام بواجبات معينة , و الاختيار القضائي و الغذائي في إحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية و الإيداع في إحدى المستشفيات الخاصة (1).

و الإنسان لا يبلغ مرحلة التمييز طفرة واحدة , بل لا بد من مراحل حياة يقطعها الإنسان حتى يتحقق له التمييز , و متى بلغ مرحلة التمييز فهو متمتع في نظر القانون الجزائي بالقدرة على التمييز و أصبح مسئولا أمام القواعد الجزائية , سواء يعلم بالقانون الجزائي أو يجهله لأنه من توافرت لديه القدرة على الوعي و التمييز أصبح مسئولا على أي فعل يعد في نظر القانون جريمة (2).

و لا يشترط لاعتبار الشخص مميزا , يحيط علمه بحكم القانون في فعله , و لا أن يكون ذلك في مقدوره , و هذا الرأي مجتمع عليه , و من الفقهاء من يعلله بأن العلم بالقانون مفترض , فلا تقبل دعوى الجهل به, و هذا التعليل ينطوي عليه ضمنا بلزوم العلم بالقانون كشرط في التمييز
و من الطبيعي أن يكون الشخص قد بلغ سن التمييز , لكي لا يعذر لجهله , فإدراكه العقوبة أو معرفة النص الجزائي الخاص بالأعمال المحظورة ليس من شروط المسؤولية الجزائية , و كل ما هو مطلوب للمسائلة أن يعني – أن يكون مميزا – أنه أمام فعل المحضور اجتماعيا كان فيه مختارا فوجه أرادته نحو فعله أو عدم فعله و غلبة إرادته على الفعل المحضور فهو بذلك مسئولا و مستحقا للعقاب و على أساس ما تقدم إذا انتقى الوعي و الإدراك انتفت معه المسؤولية إذ لا يعقل أن يسأل شخص عن أفعال تصدر منه لا يستطيع أن يعد أو يدرك نتائجها , فالمجنون الذي يرتكب الفعل المكون لجريمة القتل لا يمكن توقيع العقاب عليه , و إن كان من الجائز أن ينزل به التدبير الاحترازي (3).

ثنيا : حرية الاختيار :
إذا كان المرء عاقلا مميزا , فإن عليه أن يوجه إرادته توجيها سليما , يتفق و مرامي القانون , و لا يتحقق ذلك إذا كان حر الاختيار , فحرية الاختيار هي مقدرة المرء على توجيه إرادته الوجهة التي يريد , فلا يكفي أن يكون قادرا على العلم بمختلف الأمور , بل يجب أن يكون بوسعه توجيه إرادته حسب عمله , و لهذا فإن شرطا الإدارة المعتبرة قانونا هما : التمييز و حرية الاختيار (4).
--------------------------------
1) د. أحمد أبو الروس المرجع السابق ص 76.
2) د. سمير عالية المرجع السابق ص 282.
3) أحمد أبو الروس المرجع السابق ص 76
4) د. عبد الله سليمان المرجع السابق ص 236.

و اشتراط حرية الاختيار يتلاءم مع وجود القانون ذاته , فالشارع يوجه خطابه إلى الكافة للقيام بعمل معين أو الامتناع عنه , و ما لم يملك المخاطبون بالقانون حرية القيام بهذا العمل أو الامتناع فلا قيام للقانون لأنه لا التزام بمستحيل , و لذلك فإن المخاطبين بالقانون يجب أن تتوفر لديهم حرية الاختيار(1).

ثــالثا مراتب الأهلية :
و الأهلية الجزائية تقوم على التمييز و حرية الاختيار , و كلا الأمرين قدرة , تقبل التدرج و تتراوح بين الكمال و النقصان , و قد استجاب قانون العقوبات بصفة جزائية لحكم الواقع , و باعتماده على عامل السن قسم الأهلية على ثلاثة أقسام (2) قسم يتمتع بالأهلية الكاملة و قسم يتمتع بالأهلية الناقصة. و قسم لا أهلية له. كما تم بيانه فإن المشرع اعتمد على عامل السن وحده في هذا التقسيم.

أما الحالة العقلية فقد اختلفت نظرة التشريعات إليها , فمنها من يسلم بإمكان تدرجها , و قد تناولت التشريعات حكم الجنون و العاهة العقلية , تعرض إلا لغرض واحد و هو فقد الشعور و الاختيار بسببهما
و هو ما يدل على أن المشرع يقسم الناس من هذه الناحية إلى كامل الأهليــــــة و عديمها(3).
من التشريعات المعاصرة ما بنص على تدرج الأهلية تبعا للحالة العقلية و تكون بذلك مسؤولية كل شخص حسب التدرج أي مسؤولية كل شخص مناسبة لنوع الأهلية.

-----------------------------
1) د. أحمد أبو الروس المرجع السابق ص 77.
2) د. عوض محمد عوض المرجع السابق ص 447.
3) د. عوض محمد عوض المرجع السابق 447.


المطلب الثالث: صفة المسئول- المسؤول هو الجاني دائما-
القاعدة أن التشريعات الجنائية الحديثة أن الإنسان لا يسال بصفته فاعلا أو شريكا إلا عندما يكون لنشاطه دخل في وقوعه من الأفعال التي نص القانون على تجريمها. سواء كان ذلك فى القيام بالفعل أو الامتناع الذي يجرمه القانون.

وإذا كان من المتصور في منطق العقل والقانون أن يرتكب الجريمة شخص لا يسال عنها لعلة فيه.فالعكس غير متصور وفقا للقاعدة السابقة إذ لا يمكن أن تتعدى المسؤولية مرتكب الجريمة إلى سواه مما لم يسهم فيها بوصفه فاعلا ولا شريكا.

ورأت العصور السابقة بل وشهدت جموحا في هوى الحكام واختلالا في موازين العدالة وانتهاكا لتلك القاعدة فكانت مسؤولية المجرم آنذاك لا تنحصر في الشخص المجرم .بل تتعداه لي أفراد أسرته إمعانا في الزجر والإرهاب أو تحقيقا لمآرب أخر .وخصوصا الجرائم التي تمس الشخص الحكيم فكانت تنزل عقوبات على أسرة المجرم بكاملها .ومن هذه العقوبات مصادرة الأموال وقتل الأبناء وحتى الفسق بنسائها.(1)

ير أن هذا الخلل كان عارضا ويمكن القول بوجه عام أن الفكر القانون المسؤولية تعلق منذ طفولته بقاعدة شخصية المسؤولية للاعتبارات السابقة.

- مدى التزام المشروع بقاعدة شخصية المسؤولية :
تشير كتب الفقه وإحكام القضاء إلى عدد من النصوص القانونية توحي بان فيها شذوذا يتعلق بإحكام المسؤولية .وقد اشتملت بعض التشريعــات على هذه النصـوص " ولا سيما التشريعـــات ذات الطابع الاقتصادي .فهي تعاقب رئيس تحرير الجريدة أو المحرض المسئول بصفته فاعلا أصليا للجرائم التي ترتكب بواسطة .وتعفيه من المسؤولية الجزائية في حالتين:
-إذا ثبت النشر حصل دون علمه وقدم منذ بددا التحقيق كل المعلومات التي تساعد على معرفة المسئول.
-وكذلك إذا ارشد إثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة وقدم كل ما لديه من المعلومات والأوراق لإثبات مسؤوليته. وقدم فوق ذلك انه لو لم يقم بالنشر لعرض نفسه لخسارة وظيفته في الجريدة أو بضرر جسيم أخر"(2).

----------------------------
1)د.عوض محمد..........المرجع السابق.ص442.
2)د.احمد ابو الروس.......المرجع السابق.ص78.
2)د.احمد ابو الروس.......المرجع السابق.ص78.


و هناك من التشريعات 1 تقضي على أن يكون صاحب المحل مسؤولا مع مديره القائم على إدارته على كل ما يقع في المحل المخالفات لأحكام القانون من التشريعات من تجعل كل من يكون مستغل المحل و مديره و المشرف على أعماله فيه مسؤولين معا عن أية مخالفة لأحكام تعد في نظر هذه التشريعات جريمة.
و هناك نصوص أخرى مماثلة في القوانين الخاصة للبنوك و الائتمان و الوكالات التجارية و عقد العمل، و الجامع بين كل تلك النصوص إن العقاب فيها يقع على أشخاص معينين نتيجة لارتكاب غيرهم جرائم لها صلة بنشاطهم 2.


و قد كانت وجهة نظر الفقه و القضاء في تحديد طبيعة و أساس المسؤولية في الأحوال السابقة، فمنهم من يرى أنها مسؤولية مفترضة في الحقيقة، و الواقع أقامها المشرع حتى يفلت من العقوبة أصحاب المصلحة الحقيقية في العمل إذا ما اخل إتباعهم بالإجراءات المفروضة بحسن سير و حماية المصلحة العامة.
و من الفقهاء من يرى ان الافتراض يقتصر على القصد الجنائي وحده تيسيرا لإثباته فلا يقبل من المتهم أن يقيم الدليل على انتفائه .
و منهم من يتوسع في تحديد الافتراض فيجعله شاملا للجريمة بركنها المـادي و المعنوي و أساس مسؤولية الشخص هنا أن من باشر الفعل المادي خاضع لرقابته على نحو يفترض مع الشارع أنه لو أحسن الرقابة ما وقع الفعل المعاقب عليه.
و منه من يرى أن المسؤولية هنا هي مسؤولية مادية أو موضوعية مناطا ثبوت الصفة، ككون الشخص مالك أو مستغلا أو مديرا و حدوث الواقعة الإجرامية من الغير يؤدي إلى القيام المسؤولية بغير حاجة إلى ثبوت الخطأ أو افتراضه.
و يرى البعض3  أن المسؤولية في الأحوال السابقة ليست من قبيل المسؤولية
عن فعل الغير. بل هي مسؤولية عادية مبناها سلوك و الخطأ شخصيا. فالقانون في هذه الأحوال يلزم شخصا معينا يراقب نشاط غيره و يحيطه بالظروف التي تحول دون أن يقظى هذا النشاط إلى جريمة.
فإذا قل بهذا الالتزام فامتنع عن الرقابة فامتناعه جريمة ركنها المادي هو الامتناع إما ركنها المعنوي فهو العمد إذا اتجه إرادته الحرة إما إخلال بهذا الالتزام.

---------------------------
1د. أحمد أبو الروس. المرجع السابق ص 79.
2د.عوض محمد المرجع السابق ص 444.
3د. عوض محمد المرجع سابق ص 445.

كما قد يكون الخطأ نتاج من غيره عمد أي إذا لم يوجد إرادته الحرة إلى ذلك رغم قدرته على الوفاء بالتزامه.

و بالتالي فالتزام المسؤول هنا هو التزام بتقديم الدليل على أن إستنفذ كل الوسائل الممكنة لمنع وقوع المخالفة، و أن وقوعها كان أمرا لا صلة له فيه، و لا قبل له برده، و بذلك تنتفي مسؤولية الإفتقاد و عدم وجود جريمة نظرا للتخلف ركنها المادي و هو المادي و هو الإمتناع.(1)
----------------
1) د. أحمد ابو الروس المرجع السابق ص 80


المطلب الرابع : شروط مدى لزوم العلم بنص التجريم
يذهب الرأي السائد في الفقه و المجتمع عليه في أن العلم بنص التجريم عنصر في القصد الجنائي ، و من الفقهاء من يعتبر هذا العلم شرطا لنفاذ القانون و سريان أحكامه على المخاطبين به و منهم من يعتبر العلم و القانون شرطا لثبوت المسؤولية.

الفرع الأول : العلم بنص التجريم عنصر في القصد الجنائي :
فالقصد الجنائي إذا اشتمل على علم الجاني بأن فعله يعد في نظر القانون جريمــة و معاقب عليه. فلابد أن يكون الجاني هو إرادة مخالفة القانون، أي أن تكون إرادة الاعتداء على حق يحميه القانون، و لا يمكن تصور وجود إرادة إلا إذا كان الفاعل عالما بالقاعدة التي خالفها.
و هناك من الفقهاء (1) لم يفرقو بين العلم بنص التجريم و العلم بغيره من عناصر القصد سواء من حيث نوع العلم و طريقة إثباته، حيث يكون القصد الجنائي للفاعل مختلف في حالة إذا لم يكن عالم بنص التجريم ، أو اثبت جهله أو غلطة فيه ، فان القصد الجنائي يكون متخلف. إلا أن القائلين بهذا الرأي ونظرا لأنهم قدروا عدم إثبات العلم بنص التجريم لعناصر القصد أنه ينجم عنه عدم تطبيق القانون في الكثير من الأحيان ، و بالتالي تفوت الأهداف المرجوة منه و بذلك تم تقييد أرائهم نظرا للنتائج الضارة عنه، حيث سلكوا مسالك عدة فمنهم من افترض العلم بالقانون افتراضا، و لا يمكننا نفيه حتى إقامة الدليل على عكسه ، و آخرون من يخفف و جعل نفي العلم في أحوال ضيق بعضهم فيها و قصرها على حالة القوة القاهرة ، بينما توسع البعض فجعلها شاملتا لكل حالة يكون الجهل فيها مغتفرا، و منهم من اعتبر الإخلال بتحري العلم كالعلم الحقيقي في مقام القصد ، و منهم من تجاوز العلم بنص التجريم، و اكتفى بالعلم بدلالة الفعل ، و هذا الرأي مشوب بعيتين :
فهو مشوب بالتناقض هذا من جهة و إن أساسه فاسد من جهة أخرى. ففي ما يخص التناقض فالقائلين بهذا الرأي يجعلون من شرط لزوم العلم بنص التجريم شرط لازم، في حين أنهم يستغنون عن العلم الحقيقي بما لا يعد علما، فافتراض العلم أو القدرة عليه أو الالتزام به هذا لا ينفي تخلف العلم و إذا أقام القصد رغم انتفاء العلم فهذا دليل على عدم لزومه .
أما فساد الأساس فاشتراط العلم بنص التجريم يقتضي التسليم ابتداء بان هذا النص عنصر في الجريمة و هو غير مسلم به ( غير صحيح ) فالنص هو العمدة في تحديد مايعد جريمة و هو الذي يحدد كذلك أركانها و عناصرها و لهذا لا يمكن اعتباره عنصر فيها ووضعه في منزلة سواء مع العناصر التي يحددها و يضفي عليها في مجموعها وصف الجريمة.
----------------
1) د. عوض محمد المرجع السابق ص 454
و لهذا نخلص إلا أن العلم بنص التجريم غير لازم لقيام القصد أصلا.

الفرع الثاني : العلم بنص التجريم شرط لنفاذه
ذهب رأي في الفقه إلى أن العلم بالقانون شرط لنفاذه و سريان إحكامه على أن مخاطبين به بالقانون خطاب من المشرع على الناس يلزمهم باجتناب أفعال أو إتيانها لاعتبارات تقضيها المصلحة العامة و لا يتسنى للناس أن يضبطوا سلوكهم وفق أحكام القانون إلا إذا علموا به علما فعليا و صحيحا فالعلم شرط للنفاذ و السريان . غير أن هذا الرأي يستطرد مع ذلك فيقرر بأن المشرع قد رأى أن تحقق العلم الفعلي للكافة مستحيل في ذاته، فضلا عن صعوبة إثباته يفرض حصوله. ولما كان سريان القانون على الكافة أمر توجيه المصلحة العليا للجماعة فقد استعاض المشرع عن العلم الفعلي بالعلانيــة ، و جعل وسيلتها نشر القانون في الجريدة الرسمية ، و على ذلك لم يعد العلم الفعلي شرطا لسريان القانون المخاطبين به، ولم يعد حافزا لأي منه فردا كان أو جماعة أن يتذرع الجهل لأحكام القانون و لو أحاطت به ظروف قاهرة جعلت علمه بالقانون مستحيلا مادامت العلانية –متمثلة في النشر- قد نققت و يذهب هذا الرأي إلى أكار العلاقة بين العلم و العلانية ، فالعلانية ليست قرينة على توافر علم الكافة، و لا علمهم بالقانون صار مفترضا افتراضا قانونيا ، لا يقبل إثبات العكس ، و لأنهم أصبحوا ملزمين بالعلم بالقانون، و لكنها واقعة قانونية يترتب عليها و سريانها أما العلم الفعلي أو الحكمي فقد أصبح الآن أغير مطلوب و لا لازم (1) . و الذين يعنينا في هذا الرأي أساسه و هو أن العلم بالقانون شرط للالتزام لأحكامه و قد تطرقت الشريعة الإسلامية إلى هذا الرأي حين جعلوا العلم شرطا في التكليف فقالوا أن الحكم في الشرعيات لا يثبت إلا بعد العلم به و أن التكليف بالحكام فرع العلم بها، حجة الشرعين في ذلك أن التكليف من جانب المشرع نشأ عنه التزام في جانب المكلف و هذا يوجب علمه بما يراد ألزماه به لان التكليف تكليف بما لا يطاق (2).
و الحكم القانوني- باعتباره خطابا من المشرع- يصبح نافذا بحسب الأصل و يلزم المخاطبين به بمجرد أعلامهم به ليتحقق علمهم فعلا، و ليس من المقبول أن يصدر المشرع قانونا ثم يجعل نافذة رهنا بمشيئة الأفراد أي بتحصيلهم العلم به، لآن القول بذلك يجرد القانون من صفة العمومية و هي ابرز خصائصه إذا يقتصر سريانه عندئذ على من علم به دون من لم يعلم و إنما المقبول أن يكفل المشرع للمخاطبين بالقانون ثم يأخذهم في أحكامه دون امتداد بعلمهم أو بجهلهم و لو صح أن العلم بالقانون شرط لنفاذ أحكامه و الالتزام بها لادى ذلك إلى اعتبار ما يحضره القانون من الأفعال مباحا إذا ارتكبها الجاهل لأحكامه وهذه النتيجة لا تستقيم.
----------------
1) د. عوض محمد المرجع السابق ص 456
2) د. عوض محمد المرجع السابق ص 458

و من أجل هذا فباعتبار العلم بقانون العقوبات مبحثا من مباحث سريانه و شرط للعمل بأحكامه منهجا غير سديد لأن الإعلام بالقانون هو حفاظ النفاذ و ليس العلم بــه و الإعلام نشاط عام يهدف إلى كفالة العلم و لكن لا يضمن تحققه للجميع. أما العلم فنشاط فردي يختلف حظ الناس منه لاختلاف ظروفهم و درجة حرصهم.

الفرع الثالث : العلم بنص التجريم شرط لثبوت المسؤؤلية :
يذهب بعض الفقهاء إلى أن الجهل بنص التجريم لا ينفي القصد الجنائي و لا يحول دون قيام الجريمة و لكنه يعفي من المسؤولية الجزائية إذا كان جهلا مغتفرا، و إذا كان مدلول هذا الرأي يقصد بالمسؤولية بمفهومها الدقيق فمؤداه ان العلم بالقانون شرط لثبوت المسؤولية ، و هذا الرأي يفضل سابقيه بغير شك ، فهو من جهة يعتبر الجهل غير مؤثر في نفاذ القانون و لا في التزام الجاهل بأحكامه، و هو من جهة أخرى يعتبر الجهل غير مانع من قيام القصد الجنائي. إلا أن الرأي مع ذلك غير مقبول فيما يؤدي إليه من اعتبار العلم شرطا لقيام المسؤولية ذلك انه يكفي لقيام المسؤولية تحقق موجب و هو الجريمة و توفر الأهلية اللازمة وقوامها التمييز و حرية الاختيار أما اشتراط العلم فهو إضافة لما تقتضيه المقام ، لان التزام الشخص بأحكام القانون و تكاليفه و خضوعه لاجزيته ليس مرهونا بعملي. و إذا كان العلم لا يعد شرطا لثبوت المسؤولية ، فالجهـل و هو نقيضه لا يصلح سببا لنفيها سواء كان جهلا مغتفرا أو غير مغتفر.

الفرع الرابع : موقف التشريعات المعاصرة من العلم بنص التجريم :
قاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون مقررة بنصوص صريحة في عديدة من التشريعات المعاصرة (1) و مستفادة ضمنا من بعض النصوص في تشريعات أخـرى ، و هناك تشريعات سكتت تماما عن ذكر القاعدة أو الإشارة إليها و مع ذلك فالفقــــه و القضاء يسلمان بها باعتبارها بديهية لا تحتاج إلى نص يقررها.
و التشريعات التي نصت على القاعدة تباينت مواقفها فمنها طائفة أكتفت بذكر القاعـدة و لم تورد قيدا عليها، فلم تصرح بأن للجهل أثرا يحد منها.
و منها طائفة تحفظت فاعتدت بالجهل المعتبر، و أما عن حكم الجهل فقد جعلته بعض التشريعات مانعا من العقاب ، و جعل البعض الآخر سببا للتخفيف أو الإعفاء و اعتبره البعض نافيا للمسؤولية ، و البعض سببا لتحقيقها، و من التشريعات ما يسمح باعتباره مانعا من قيام القصد الجنائي، في حين أن بعض التشريعات – التشريع المصري- لم يكن لها نص صريح يقرر القاعدة و لكن استنادا إلى بعض نصــوص هذا التشريـــــع

----------------
1) د. عوض محمد المرجع السابق ص 460

نجد أنه ينشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها ، و يعمل بها بعد شهر من اليوم الثاني لتاريخ نشرها ، إلا إذا حددت لذلك ميعاد.

أما الرأي الراجح فقها وقضاءا أن الجهل بالقانون لا يعتد به ، غير أن الاتفاق على المبدأ دون الخلاف في طبيعته ، فهل يعتبر هذا المبدأ إستثناءا من أصل هو وجوب فالعلم أو فروعا من أصل هو عدم نزوله.

و بما سبق فإن العلم بقانون العقوبات غير لازم لاعتبار الفعل مجرما بالنسبة لفاعله و لا لقيام قصده و لا لثبوت مسؤولية ، و يتأدى من ذلك أن الجهل بالقانون في كل أحواله غير معتبر سواء في ذلك ما يغتفر و ما لا يغتفر و يترتب على ذلك أن ما يقرره الفقه من ضرورة الإعتداء بالجهل في حالة القوة القاهرة التي تجعل العلم مستحيلا تمام الاستحالة ليس إلا اجتهادا يحوزه السيد القانوني، و هو في إقتصاره على هذه الحالة دون سائره لأن الجهل المغتفر ينطوي على تحكم ، و ليس في التشريع و لا في الفقه المقارن نظرية عامة واضحة المعالم تحدد بإطراد دور العلم بنص التجريب و بين أمر الجهل المعتبر و أحواله بل أن إختلاف الحكم في هذه الأمور واضح.


الفصل الثاني : موانع المسؤولية الجزائية

لعل ابرز دور القانون أنه يسعى إلى تحقيق العدل و المساواة في المجتمــــع و لحماية المجتمع يسعى إلى تحديد المسؤوليات حيث أنه كل شخص ارتكب فعل اضر به الغير ليحمله لمسؤولية ، إلا أن هناك بعض الحالات التي يرتكب فيها الشخص أفعالا إلا أن القانون ينبغي عليه المسؤولية و الحالات المشابهة و هذا لمعالجة الفصل نتطرق إلى دراسة موانع المسؤولية الجزائية في مبحث الأول من حيث إنعدام الأهلية و الثاني من حيث إنعدام الإرادة.

المبحث الأول : موانع المسؤولية الجزائية بسبب إنعدام الأهلية
لما كان الشخص مفروض عليه القيام بمجمل الأعمال شأنه بقية الأفراد ، فكان مسؤولا عما يحدثه من ضرر نتيجة قيام بأفعال نظرا لأنها مخالفة للقانون.
و نتيجة لذلك فلا تكون هذه المسؤولية إلا إذا كان الشخص يتوافـــر علــى الإدراك و الإرادة.
لكن نجد أن هناك أشخاص من يقومون بجرائم، ولكن توفر لهم الحماية بعدم العقاب، أو هو ما يسمى بموانع المسؤولية الجزائية و نتطرق لدراسة هذا المبحث في المطالب الأتية بيانها :

المطلب الأول : الجنون :
إن من الحالات التي تنعدم فيها المسؤولية الجزائية هي حالة الجنون ، و هي الحالة التي يفتقد فيها مرتكب الجريمة أثناء قيامه بفعله للإدراك و التميز.
و نتطرق إلى دراسة هذه الحالة بالتفصيل

الفرع الأول : تعريف الجنون :
تنص المادة 47 ق ع على مايلي : " لا عقوبة على من كان في حالة جنون وقت ارتكاب الجريمة و ذلك دون الإخلال بأحكام الفقرة 02 من المادة 21.(1)

1. تعريف الجنون أو عاهة العقل:
يقصد بالجنون بالمفهوم الطبي (2) انه المرض الذي يصيب المخ و نعطله من النشاط العادي، فيدفعه إلى مسار مغاير لأصله بأرض الواقع. فيشل الملكات الذهنية كليا أو جزئيا، مؤبدا أو مؤقتا". و يعني التأبيد استمرار فقد المصاب بالجنون لحالة رشده. أما التأقيت فإنه يعني تخلل حالات عطل للملكات الذهنية كحالات إفاقة يعود فيه الجنون إلى رشده.
و يعرفه البعض (3) على أنه " كل آفة تعتري الإنسان فتؤثر على أجهزته أو قواه التي تهنمن على إدراكه أو اختياره فتفسد أحدهما أو كلاهما سواء كانت هذه الآفة أصلية أو عارضة سواء تمثلت في مرض عقلي أو عصبي أو نفسي أو عضوي".
و يرى البعض (4) أن الجنون يقصد به " اضطراب في القوى العقلية يفقد المرء القدرة على التمييز أو على السيطرة على أعماله " . و البعض الآخر جعل الجنون هو " من كان في حالة تفقده الوعي و تجعه غير قادر على التمييز في أفعاله".
و من خلال التعاريف السابقة التي تطرقت إليها معظم التشريعات فالجنون و العاهة العقلية هما اللذان يجعلان من الجاني فاقد الشعور و الاختيار و بالتالي يفقد صاحبه مناط المسؤولية الجزائية التي تعتمد على حرية الاختيار و التمييز.
----------------
1) قانون العقوبات الجزائري
2) د عبد الحكم فودة- الموسوعة الجنائية الحديثة .التعليق على قانون العقوبات –المجلد الأول ،دار الفكر و القانون بالمنصورة ، طبعة 2002-ص 436
3) – أحمد ابو الروس المرجع السابق ، ص 82
4) د عبد الله سليمان ، المرجع السابق ص 311

أما سائر الأمراض و الأحوال النفسية التي لا تفقد الشخص شعوره أو إدراكه و حرية اختياره فلا تعد من قبيل ذلك ، و بالتالي لا تنعدم بها المسؤولية الجزائية (1)
و قد خول القانون الجزائي القاضي الجزائي الفصل فيما إذا كان المتهم تحت تأثير اضطراب نفسي أو عصبي نفساني وقت ارتكاب الجريمة، و من ثم فإن تحديد فقدان حرية الاختيار و الإدراك مسألة وقائع متروكة لتقدير قضاة الموضوع.
و الجنون بمفهومه العام يشمل كل نقص في الملكات الذهنية فهو يشمل كل حالات الأمراض النفسية و العصبية التي تلحق بالمرء و تضعف عقله. فسواء تعلق الأمر بغتة أي نقص في نضج الإدراك ، أو بآفة في الشعور كالهستيريا أو النورستانيا أو يخلل في وظيفة الإرادة كما في الصرع و في جنون الفكرة المتسلطة، فإن ما يتم مراجعته بين كافة صور الجنون هو أن الإرادة تنعدم حريتها فيكون صاحبها مقهور نفسيا و داخليا إلى سلوك معين لا توجد لديه القدرة على تحاشيه " (4).

و وفقا لنص المادة 47 من ق.ع.ج. التي جعلت الجنون كل حالات اضطراب القوى العقلية التي يزول بها التمييز و حرية الاختيار ، و ذلك فقد جعل بعض الفقه (5) فمن حالة الجنون حالات أو أمراض عقلية أخرى تعدم المسؤولية الجزائية و هذه الأمراض العقلية هي :
1. العته و العلة الشديدة و هو مرض يصاب به المريض، و هو أن يقف النمو العقلي عند سن الطفولة غير المميزة، و لا يتعداها فيظل فاقد الإدراك و التمييز.
2. جنون الشيخوخة : و هو مرض يصيب بعض الأشخاص في سن الشيخوخة نتيجة لتصلب الشرايين و ضعف خلايا المخ، و يبدو فيه المرض و قد فقد كل اهتمامه بالعالم المحيط به .
3. جنون العظمة : و فيه يكون المريض تحت سيطرة أفكار متسلطة يعتقد معه أنه عظيم أو أنه ضحية اضطهاد كسمو شأنه، و يتعرض المريض به للهلوسة و التخيلات السمعية البصرية .
4. الفصام العقلي : فتسيطر على المرض أفكار معينة تلح عليه و يعاني من شعور بالاضطهاد، و يكون بذلك مصابا بحالة تفكك في تفكيره فلا تنسق أفعاله و لا تتسم بالتماسك أو الاتزان، و يسمى بالفصام أي التفكك في العقلية فالملكات الذهنية التي يتمتع بها تكون عاطلة.

-----------------
1 د. أحمد ابو الروس المرجع السابق ص 82
2 د. احسن بوسقيعة المرجع السابق ص 169
3 د. عبد الله سليمان المرجع السابق ص 311
4 د. رمسيس بهنام، النظرية العامة للقانون الجنائي دار منشأة المعارف للنشر طبعة 1997. ص 1059
5 د. عادل قورة المرجع السابق ص 148

5. الصرع : فيصاب المريض بنوبات يفقد فيها وعيه و ذاكرته، و لا يسيطر على الحركات الإرادية لأعضائه في نوبات يفقد فيها المريض رشده.

و يضيف البعض الآخر (1) إلى جانب الحالات السابقة اليقظة النومية، فيقوم المصاب بها من نومه و يأتي أفعالا لا يشعر بها.

و بذلك فتدخل ضمن حالة الجنون كل العلل العقلية التي تؤدي بصاحبها إلى فقدان الوعي و التمييز ، و هذا الرأي يتناسب مع مقتضى نص المادة 47 ق ع ج التي تتكلم عن حالة الجنون ترجعنا إلى نص المادة 21 ق ع التي تتكلم عن الخلل العقلي مما يوصي لنا بأن القانون يتكلم عن الحالتين بمعنى واحد، و مع ذلك فالشخص الذي يصاب بمرض من هذه الأمراض ، و لكهن مع ذلك لا يفقد قدرته عللا وعيه و إرادته فإنه لا يعد مجنونا و لا تسقط مسؤولية عن أعماله الإجرامية (2).

" في حين لا يدخل ضمن هذا المفهوم ( الجنون بمعناه الرابع) التنويم المغناطيسي حيث لا تبعد المسؤولية عن الشخص الذي ارتكب جريمة تحت تأثير تنويم مغناطيسي إلا إذا أثبت أن منومه قد سلب منه حريته وقت ارتكاب العمل الإجرامي ، و انه لم يكن إلا وسيلة سلبية لإرادة الغير.

كما لا يدخل السكر و تناول المخدرات ضمن مونع المسؤولية لسبب فقدان الوعـي، و من ثمة يعاقب بالعقوبات المقررة قانونا كل من ارتكب جريمة و هو في حالة سكـر أو تحت تأثير مادة مخدرة تناولها عن علم و إرادة. أي أنه بعد السكر و تأثير المخدرات من الظروف المشددة للجريمة كما هو الحال في جرائم القتل أو الجرح الخطأ.
كما قضت كذلك المادة 66 من القانون رقم 01 .14 المؤرخ في 14/08/2001 المتعلق بتنظيم حركة المرور عبر الطرق و سلامتها و أمنها(3).
---------------------
1 د. احسن بوسقيعة المرجع السابق ص 169
2 د. عبد الله سليمان المرجع السابق ص 311 . 312
3 د. احسن بوسقيعة المرجع السابق ص 169 . 170

و نجد أيضا من مصطلحات الجنون المتداولة، الجنون المستمر و الجنون المتقطع. فقد ذهبت معظم التشريعات إلى التفرقة أو إلى أن الجنون قد يكون مستمرا كما قد يكون متقطعا. فبالنسبة إلى الجنون المستمر و باعتباره يفقد التمييز الإدراك فهو بالتالي يمنع من قيام المسؤولية الجزائية.

أما بالنسبة للجنون المتقطع فالرأي الراجح أنه إذا اقترفت الجريمة في الإفاقة فيبقى الفاعل مسؤولا جزائيا و إن كانت حالته تدعو إلى الرأفة (1)

الفرع الثاني : شروط الجنون :
يترتب على الجنون إنعام المسؤولية الجزائية فيعفي المجنون من العقوبة، ولا تتخذ بأنه إلا تدابير علاجية تتمثل في وضعه في مؤسسة نفسية متخصصة.
و حتى يكون الاعفاء من العقوبة كاملا ينبغي توفر الشروط التالية :

1- فقدان المجنون للوعي و الاختيار
إن مسالة امتناع المسؤولية الجزائية و عدم معاقبته أمر متوقف على أثر حالة المجنون على الوعي المصاب به و إرادته كانت العلة متوافرة وامتنع قيام المسؤولية الجزائية على المجنون (2)

و هذا ما عبر عنه بعض الفقه(3) فاشترط من أن يكون جنونا قائما أي أن يكون الاضطرابات العقلي من الجسامة بحيث يعدم الشعور و الاختيار كليا، وهذه المسألة موضوعية يرجع تقديرا لقضاة الموضوع خلال إجرائهم لخبرة طبية.

أي أن صلة عدم مسألة الشخص المجنون مرتبطة ارتباطا وثيقا بفقده للشعور و الاختيار.
و منه فان الجنون الذي يقتصر تفعيله على إضعاف الوعي و الاختيار لا يصلح لان يكون مانعا من موانع المسؤولية الجزائية.(4)

و هذا ما تكلم عنه المشرع الجزائري على انعدام الأهلية للاضطراب العقلي-حالة الجنون
-ولا يتكلم على حالة نقص الأهلية، فمن الناس من يصاب بإضطراب عقلي ينقص من إدراكه فيكون شبه مجنون كالخص المصاب بالهستيريا و الصم و البكم.
1 د. سمير عالية المرجع السابق ص 460.
2 د. سمير عالية المرجع السابق ص 460.
3 د. احسن بوسقيعة المرجع السابق ص 171.
4 د. فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 108

فمثل هؤلاء الأشخاص يعدون مسؤولون جزائيا و هذا ما نص عليه المشروع التمهيدي لقانون العقوبات الجزائري سنة 1997 بنصه:"من كان مصابا وقت ارتكاب الجريمة باضطراب نفساني أو عصبي انقص وعيه أو عرقل سيطرته على أفعاله......
يكون مسؤولا جزائيا عن أفعاله".(1)
و يتضح من ذلك أن فقد الشعور أو الاختيار هو علة امتناع المسؤولية الجزائية،
إذا كان الفقد بسبب الاضطراب العقلي أو الجنون.

كما أن قاضي الموضوع هو الذي يقدر مدى ما توافر للمتهم من تمييز و حرية
الاختيار عند ارتكاب الفعل، و ما إذا كان يكفي لمساءلته عن الجريمة المرتكبة أو أنه دون القدر اللازم لذلك، و يلجأ القاضي في تحديد مدى تمييز و حرية اختيار المتهم عند إتيان فعله إلى أهل الخبرة الفنية (الخبرة الطبية) و في المقابل يكون الشخص الذي هو تحت الاضطراب العقلي الجزئي مسؤولا مسؤولية جزائية و بشكل مخفف رغم فقد الشعور و الاختيار النسبي أو الجزئي.

2- معاصرة الجنون لارتكب الجريمة :
فقد أشارت معظم التشريعات على هذا الشرط-شرط معاصرة الجنون لارتكاب الجريمة-وهو أمر منطقي فحتى تقام و تؤسس مسؤولية الجاني أو مرتكب الجريمة فلا بد من تحديد عدة أمور وقت ارتكاب الجريمة.
و بالتالي لا أثر للجنون السابق على إرتكاب الجريمة إذا ثبت أن الجاني كان مصابا بالجنون و لكنه شفي منه قبل إرتكاب الجريمة(2) .
كما أقر البعض (3) على أنه إذا أصيب المتهم بالجنون عقب إرتكاب الجريمة فإن ذلك لا يؤثر في إنعقاد مسؤوليته الجزائية عن الجريمة، و لا أهمية لسابق إصابة المتهم بالجنون طالما ثبت أنه كامل الإدراك أو التمييز و حرية الإختيار وقت إرتكاب الجريمة.
كما إستقرت معظم التشريعات على أنه لا يحقق الجنون أثره في منع المسؤولية الجزائية إلا إذا كان فقد الشعور و حرية الإختيار لأن الجنون قد عاصره لحظة إرتكاب الجريمة .

1 د. أحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 171.
2 د. عبد الله سليمان المرجع السابق ص 312 .
3 د . أحمد أبو الروس المرجع السابق ص 83 .

و يترتب عن ذلك أن المتهم الذي فقد الشعور و حرية الإختيار بسبب إظطرابه العقلي أو الجنون قبل إرتكاب الجريمة، يسأل عن هذا الفعل المنافي للقانون و المضر بالمجتمع متى ثبت أنه كان قد شفي تماما من الجنون، و أصبح متمتعا بكل تمييزه و إختياره وقت إرتكابه الفعل الإجرامي (1).

هذا إذا كان المجنون مستمرا أما إذا كان متقطعا و إرتكب المتهم الجريمة أناء إصابته بالنوبة ( الجنون المتقطع ) إمتنعت المسؤولية الجزائية عنها (عن فعله المجرم قانونا) ،أما إذا إرتكب المتهم الجريمة خلال فترة الإفاقة الكاملة تحققت مسؤولية الجزائية عنها .

و نظرة المشرع الجزائر(2) يفي معاصرة الجنون لإرتكاب الجريمة هو ما يستشف من حكم المادة 47 ق. ع "و قت إرتكاب الجريمة " . فلا أثر للجنون في المسؤولية الجزائية إذا طرأ قبل إرتكابها و لا أثر له فيها أيظا إذا طرأ بعد الجرمة.
و متى إتضح وجود الجنون من جهة و ثبتت معاصرته لحظة إرتكاب الجريمة من جهة أخرى إستبعد العقاب بالتالي و كنتيجة حتمية أيا كانت الجريمة المرتكبة و إنما حق التدبير الوقاءي إذا كانت الجريمة جناية أو جنحة عقوبتها الحبس.
أما إذا كانت العقوبة منسوبة إلى مجنون المخالفة لا يحكم عليها بالحبس و إنما يحكم عليها بالبراءة(3)

الفرع الثالث : ثبوت الجنون :
بإعتبار أن الجنون هو حالة تنعدم فيها المسؤولية الجزائية فلا شك أنه ليس بأمر من السهل إثباته و ثبوت الجنون عن عدمه حالة واقعية يمكن إرجاعها على ذوي الخبرة و الإختصاص لتقرير و جودها أو عدم وجودها، و تمييز حالة المرء العاقل من المرء المجنون. و لا شك أن القاضي الموضوع هو المختص في تحديد مدى توافر شروط إمتناع المسؤولية الجزائية للمتهم لإصابته بالجنون، فعليه أن يتحقق من وجود المرض لدى المتهم وقت إرتكاب الجريمة (4)
كما أقر بعض على أنه للقاضي الإستعانة بالخبراء في علم الطب العقلي في فحص المتهم و الفصل في حالته العقلية.

1 د. فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 110.
2 د. عبد الله سليمان المرجع السابق ص 171.
3 د. رمسيس بهنام المرجع السابق ص 1066 .
4 د. عبد الله سليمان المرجع السابق ص 144 .

و إذا تبين بعد الفحص الطبي – علم الطب العقلي- و تم إثبات أن المتهم ليس مجنونا وكان يتصنع الجنون مثلا، فهنا مسؤولية قائمة و يعاقب بالعقوبة المقررة قانونا دون تخفيف. أما إذا اتضح أن المتهم مجنون حقيقة فانه يلزم التثبت من أن جنونه هذا كان قائما وقت ارتكاب الجريمة لان هذا الشرط استبعد العقاب.
أما الجنون المتقطع ولان القانون الحالي لا يضع له حكما خاصا لا يترتب على ثبوته سوى تخفيف العقوبة أو وقف تنفيذها.(1)
و القول بوجود الجنون أو تخلفه أمر موضوعي يبقى لقضاة الموضوع الفصل فيه (2)(أنظر ملحق 1)

الفرع الرابع : آثار الجنون :
إن امتناع المسؤولية الجزائية في المجنون بفقده للشعور و الاختيار عند قيامه بمختلف الأعمال ينتج عنه أثار نتيجة قيامه بعمل منافي للقانون، و لذالك وجدت عدة اثار للجنون نذكرها فيما يلي :
أولا : أثر امتناع المسؤولية للجنون المعاصر :
يترتب على حالة توفر الجنون المفقد للوعي و لإرادة وقت ارتكاب الجريمة امتناع المسؤولية الجزائية واستحالة توقيع العقاب سواء كانت الجريمة جناية أو جنحة أو مخالفة أو كانت عمديه أو غير عمديه. و مع ذلك فقد تم تقريره بعض التدابير الاحترازية على الجنون و ذلك حماية للمجتمع.
و بذلك فالمجنون الذي يقترف جناية او جنحة مقصودة عقابها الحبس سنتين و قضي بعدم مسؤوليته للجنون حجز في مأوى احترازي بموجب فقرة خاصة في حكم الإعفاء أما إذا كانت الجنحة غير المقصودة أو كان عقابها الحبس أقل من سنتين قضي حجز الفاعل في المأوى الاحترازي إذا ثبت أنه خطر على السلامة العامة، ويستمر الحجز إلى أن يثبت شفاء المجنون بقرا ر تصدره المحكمة التي قضت بالحجز و يمكن أن تفرض المراقبة على المحجوز عن تسريحه.(3)

و أثار امتناع المسؤولية شخصية فهي تقتصر بالشخص الذي توافرت فيه شروط امتناع المسؤولية الجزائية دون غيره ممن ساهموا في الجريمة فاعلين كانوا أو شركاء، فعدم مساءلة من كان فاقد الشعور و الاختيار لا تحول دون غيره ممن ساهموا معه في الجريمة فاعلين كانوا أو شركاء، فعدم مساءلة من من كان فاقد الشعور و الاختيار لا تحول دون مساءلة من ساهم معه (مع المجنون) في ارتكاب الفعل.
-------------------
1 د. رمسيس بهنام المرجع السابق ص 1065 .
2 د. لحسن بوسقيعة المرجع السابق ص 169
3 د. فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 112.

و يلاحظ أيضا أن امتناع المسؤولية الجزائية كأثر لتوافر الجنون لا يتحقق إلا إذا كان فقد الشعور و الاختيار غير راجع لإرادة الجاني(1)، و يعني ألا يكون لإدارة الجاني دخل في حدوث فقد الشعور و الاختيار ولا حدوث الأثر المترتب عن فقد الشعور و الاختيار أما إذا كان للمجنون دخل في إعدام الإرادة و الإدراك فإنه يكون من غير مقبول إعفاء المتهم من المسؤولية الجزائية عما يرتكبه من أفعال، سواء في ذلك المسؤولية العمدية أو غير العمدية و يحدث هذا الفرض مثلا في أحوال التنويم المغناطيسي فمن يقبل أن ينومه الغير تنويما مغناطيسيا مع علمه بأن من قام بتنويمه سوف يوجه أثناء الغيبوبة إلى ارتكاب الجريمة يسأل عن هذه الجريمة، كما يسأل عنها من قام بتنويم الفاعل و توجيهه إلى ارتكاب الجريمة و تكون الجريمة عمدية في حالتين.
كما يمكن أن يسأل المصاب بعاهة عقلية مسؤولية غير عمدية إذا أهمل في اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع الوقوع الفعل و هو تحت تأثير العاطفة، ويحدث هذا بالنسبة للشخص المصاب عاهة متقطعة تتخذ صورة نوبات دورية تفصل بينهما فترات إفاقة مثل اليقضة النومية أو الصرع، فمن هو مصاب بمثل هذه العاهة و لم يأخذ الاحتياطات اللازمة التي تكون في استطاعته منع وقوع أضرار أثناء إصابته بالنوبة يسأل من هذا الفعل مسؤولية غير عمدية و مثال ذلك اليقظة النومية أو الصرع و الذي يترك قرب فراشه أو في متناول يده أسلحة أو مواد ضارة ثم يستعملها في ارتكاب جريمة قتل أو اعتداء على سلامة الجسم أو نحو ذلك أثناء فقده للوعي و الاختيار النوبات.(2)

ثانيا : أثر الجنون الطارئ بعد ارتكاب الجريمة :
يرى البعض أن الجنون إذا طرا بعد ارتكاب الجريمة لا يكون له أثر في المسؤولية الجزائية(3) لان المتهم لا يكون قد فقد الشعور أو الاختيار وقت إتيان الفعل و من ثمة تظل المسؤولية الجزائية قائمة، و من ثمة فان فقد الشعور أو الاختيار بعد ارتكاب الجريمة له تأثير في الإجراءات المتخذة في مواجهة مرتكب الجريمة، لان اتخاذها في مواجهته يفترض إدراكه لها حتى تنتج الأثر الذي يرجوه القانون منها و هو ما لا يمكن تحققه إذا كان المتهم فاقد التمييز.
و لذلك فتزامن من الجنون مع الجريمة لا يعني أن ليس للجنون أثر لو وقع بعد ارتكاب الجريمة فما هو تأثيره لو وقع بعد ارتكاب الجريمة ؟
هناك عدة افتراضات منها :
---------------------------------------
1 د. فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 112 و مايليها
2 د. فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 113
3 د. فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 119.

• الجنون الطارئ بعد الجريمة و في أثناء المحاكمة :
تقتضي بعض التشريعات (المادة 339 قانون الإجراءات الجزائية المصري) على أنه "إذا ثبت أن المتهم غير قادر على الدفاع عن نفسه بسبب عاهة طرأت في عقله بعد وقوع الجريمة يوقف رفع الدعوى عليه أو محاكمته حتى يعود إلى رشده".
و يجوز في هذه الحالة لقاضي التحقيق أو القاضي الجزئي بطلب النيابة العامة أو المحكمة المنظورة أمامها الدعوى إذا كانت الواقعة جناية أو عقوبتهما الحبس و إصدار أمر بحجز المتهم في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية إلى أن يتقرر إخلاء سبيله.
"ولكن المحاكمة المتهم حين يعود إلى رشده شرطها ألا تكون الدعوى العمومية ضده قد سقطت بمضي مدة تقادمها على الوقت الذي أوقفت فيه بسبب الجنون واقفة لسريان مدة تقادم الدعوى، و لا يجوز إيقاف الدعوى بسبب جنون المتهم دون اتخاذ إجراءات التحقيق المستعجلة أو اللازمة و التي لا يتعين أن تكون في مواجهة المتهم كالمعاينة و التفتيش و سؤال الشهود".(1)
و إذا تمت محاكمة المتهم و أدين بالعقوبة تعين أن تستنزل من مدة العقوبة المدة التي قضاها تحت الملاحظة أو في الحجز.

الجنون الطارئ بعد الحكم النهائي :
قبل التطرق إلى الجنون الطارئ بعد الحكم بلادانة نتطرق إلى الجنون الطارئ أثناء المحاكمة، و في حالة يوقف الجنون المحاكمة و تبدأ فترة الانتظار أو ينتظر حتى يشفى المتهم مجنونه، فلا يجوز محاكمة من لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو الحكم على من لا يفهم العقاب (2 أما بالنسبة للجنون الطارئ بعد الحكم النهائي فيرى البعض(3) و طبقا لنص المادة(487 ق إ ج المصري) بأنه إذا أصيب المحكوم عليه بعقوبة مقيدة للحرية بجنون، وجب تأجيل تنفيذ العقوبة حتى يبرأ و يجوز للنيابة العامة أن تأمر بوضعه في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية.
و في هذه الحالة تستنزل المدة التي يقضيها في هذا المحل من مدة العقوبة المحكوم بها. و المقصود بالعقوبة المقيدة للحرية و التي يوقف الجنون تنفيذها طبقا لهذه المادة عقوبة الأشغال الشاقة و السجن و الحبس أما العقوبة المالية أي الغرامة، فلا يوقف الجنون تنفيذها على أموال الجنون إنما لا يجوز تنفيذ الغرامة عليه بطريق الإكراه البدني و تنفيذ المصادر يعتبر ملكا للدولة فور النطق بها" وكان تنفيذ الإعدام يوقف في حالة الجنون – المحكوم عليه – غير ان المرسوم بقانون رقم 116 لسنة 1952 ألغى ذلك الإيقاف فصار غير حائل دون تنفيذ الإعدام له "
-----------------------------------
1 د. رمسيس بهنام المرجع السابق ص 1067
2 د. عبد الله سليمان المرجع السابق ص 313
3 د. رمسيس بهنام المرجع السابق ص 1067
4 د. رمسيس بهنام المرجع السابق ص 1067

الفرع الخامس وضع المجنون في حجز قضائي :
إذا ثبت الجنون المتهم أو أي خلل عقلي يمنع مسؤوليته وقت وقوع الجريمة أو أن يكون المتهم قد أصابه خلل عقلي بعد اقترافه الجريمة فانه يجوز للقاضي أن يأمر بوضعه في الحجز القضائي كتدبير أمن وقائي بموجب نص المادة 21 من ق ع ج(1) في نصها :
"الحجز القضائي في المؤسسة نفسية هو وضع الشخص ناء على قرار قضائي في المؤسسة مهيأة لهذا الغرض بسبب خلل في قواه العقلية قائم وقت ارتكاب الجريمة أو اعتراه بعد ارتكابها.
يمكن أن يصدر الأمر بالحجز القضائي بموجب أي حكم بإدانة المتهم أو العفو عنه أو ببراءته أو بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى غير أن في هاتين الحالتين الأخيرتين يجب أن تكون مشاركته في الواقع المادية ثابت يجب إثبات الخلل في الصادر بالحجز بعد الفحص الطبي".
ما يفهم و يلاحظ من نص المادة 21 أعلاه أن حق إصدار الحكم بالحجز القضائي هو من اختصاص القضاة"أي سلطة التقديرية للقاضي"لا يجوز أن يوضع المتهم أو المحكوم عليه في الحجز القضائي بناء على قرار إداري و هذا احتراما للحريات الشخصية المنصوص عليها في الدستور باعتبار أن القاضي هو الحارس
الأمين لتلك الحريات و حاميا للعدالة الاجتماعية فقد أوجب القانون ثبوت أن يكون المتهم المحكوم عليه بالبراءة أو عدم وجود وجه لإقامة الدعوى قد ثبت اشتراكه المادي في الواقعة الإجرامية، و من جهة ثانية فقد أوجب القانون أن يخضع المتهم المراد وضعه في الحجز القضائي يأمر بالتدبير دون اللجوء إلى الفحص الطبي لإثبات الخلل العقلي و هنا نلاحظ إعادة المشرع ضرورة إخضاع المتهم للفحص الطبي و إلزام القاضي بذلك و عليه فيجب علينا القيام بالعناية الكاملة و للازمة التي تدعوا إليها حالته العقلية فالمقصود هنا هو معالجته كمريض لا معاقبته كمجرم.
و من زاوية ثالثة فتطبيقا للقواعد فإننا نرى أنه لا يجوز أن يوضع المجنون المبرأ تلقائيا في الحج القضائي ولو بحكم قضائي و بعد إجراء فحص طبي إذ لم يكن يخشى منه ارتكاب الجرائم فهنا توقيع التدبير هو بدافع الخطورة الإجرامية التي يوجد عليها و بغياب هذه الخطورة فلا مجال لتوقيع التدابير.
و أخيرا إذا أردنا أن نعطي دراسة مقارنة بين رؤية القانون الفرنسي و الجزائري كمانع المسؤولية فنقول على خلاف القانون الفرنسي الذي جعل من المجنون مانع من الموانع المسؤولية بقوله: "لا جناية و لا جنحة إذا كان المتهم في حالة جنون أثناء ارتكاب الفعل".(2)
فإن المشرع الجزائري اعتبر حالة الجنون مانعا من موانع العقاب وليس مانعا من موانع المسؤوليةالجزائية فالمجنون مسؤول عن أفعاله لكن لا يمكن معاقبته لكون العقوبة لا تجدي ولا تفيد بشيء و بالتالي فإن القاضي يحكم بإدانة المجنون المرتكب للجريمة و يمتنع عليه النطق بالعقوبة بل يعفيه منها طبقا للمادة 47 ق ع ج.
--------------------------------------
1. قانون العقوبات الجزائري رقم 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006
2. د لحسن بوسقيعة، المرجع السابق،ص 169.

كما يمكن لنا نبرر أهمية الفحص الطبي على المتهم قبل وضعه في الحجز القضائي وذلك لنسبة الحقائق العملية التي يتميز بها طب الأمراض العقلية.
يذكر الفرنسي"هنري باروك" في كتابة"رجال مثلنا" و هو واحد من أبر الأطباء الفرنسيين قصة تشخيص مرض لدى الشباب التقى به من الأطباء في البرتغال أثناء انعقاد مؤتمر الأمراض العقلية يقول:"باروك بشأن هذه الحالة أن 18 طبيبا الذين كلفوا بتشخيص الحالة المرضية التي عرضت عليهم، نصفهم قال بوجود عرائض مرضية و بعضهم الآخر أقر بسلامة تامة للقوى العقلية للشاب المفحوص فقد نصادف أيضا حالات مثيلة لهذه الحالة في واقعنا عندما يكلف القاضي خبراء في طب الأمراض العقلية بالقيام بخبرات و تقع في تضارب حاد بعد إعطاء فكرة و لو وجيزة حول أول مانع المسؤولية و هو الجنون و ما يمكن قوله أن معظم و غالبية التشريعات جعلته مانعا من الموانع المسؤولية و العقاب .

و رغم أن المشرع الجزائري و لم يتطرق إليها إلا أم ما نلاحظه أن الجنون كحالة مرضية يتعرض لها الشخص وراثيا أو بعد ارتكابه للجريمة أو قبلها يبقى الجنون مانعا للمسؤولية (1) ، لأن لا هدف من معاقبة مهم لا يعرف معنى العقاب و لا معنى المسؤولية و لا تخطر بباله فكرة الذنب و الخطيئة و يبقى الحجز القضائي إجراء وقائيا تفاديا من إرتكابه لجرائم أخرى يخضع فيه المريض للعناية المركزة و عسى أن يعود إلى حالته الطبيعية كبقية الأشخاص ليفهم معنى المسؤولية و العقاب .
و نستخلص أن الشخص الذي يصاب بمرض من الأمراض العقلية والعصبية و لكنه مع ذلك لا يفقد قدرته على وعيه إرادته فإنه لا يعد مجنون و لا تسقط مسؤوليته عن أعماله الإجرامية كما أنه لا يجوز إحتجاج بمرض و لو كان موجودا إذا لم يكن هناك صلة بين هذا المرض و الجريمة التي ارتكبها فالمريض بجنون السرقة مثلا ليس له أن يحتج بجنونه إذا اقترف جريمة القتل إذا لبدا حتى يصبح احتجاجه و اعتبار مرضه سببا لامتناع المسؤولية أن تكون هناك علاقة بين مرضه و بين الجريمة التي اقترفت .


25-12-2014 03:30 مساء
مشاهدة مشاركة منفردة [1]
بحر العلوم المتواصل
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 07-12-2014
رقم العضوية : 1381
المشاركات : 121
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 50
المستوي : ليسانس
الوظــيفة : متربص
 offline 
look/images/icons/i1.gif موانع المسؤولية
المطلب الثاني : صغر السن .( الحدث)
من المسلم به أن الطفل يولد معدوم الوعي و الإدراك و بعد مدة من الزمن تبدأ ملكاته الذهنية و النفسية بالنمو شيئا فشيئا حتى ينضج و يكتمل نموه العقلي بعد مضي السنين العديدة .
و تراعي القوانين الوضعية هذه الحقيقة فلا تحاب الأحداث عن خطئهم الجنائي كما تحاسب الكبار البالغين.و تختلف التشريعات في تحديد السن معين يعد المرء بعد بلوغه مسؤولا عن أعماله الإجرامية تبعا للسياسة الجنائية التي تنتهجها في هذا الميدان، فأغلب التشريعات تعتبر أن الطفل الذي لم يبلغ السنة السابعة معدوم التمييز و لا يحاسب على أي فعل يرتكبه فنجد المادة 20 قانون العقوبات العراقي و المادة 237 قانون العقوبات اللبناني و المادة 94 قانون العقوبات الأردني ، و بذلك يتضح أن التشريعات ورجال القانون و إن اتفقوا على مبدأ انعدام الإدراك لدى الصغير إلا أنهم قد اختلفوا في تقدير السن التمييز و الإدراك لديه .(1)

الفرع الأول – نشأة قرينة عدم مسؤولية الأحداث و طبيعتها
إن إطار ارتكاب الجريمة من قبل الطفل يتجاوز إطار القانون الجزائي لكون تصرفه يخضع للطبيب ، أكثر من خضوعه للقاضي فهو فعل خطير بالنسبة للمجتمع لأن الجنوح الأحداث بعد بذرة إجرام الغد و يتطلب ذلك تدخل المجتمع ليس فقط من أجل العقاب بل من أجل العلاج لأن الجريمة تعد رد فعل عن مرض أكثر عمقا و يجب علاجه للوقاية من العود فالجانح يكون مضطربا بسبب صدمات معنوية مؤثرة فهو يتألم .
أو بآلام سابقة عن عوارض جسمية أو ذهنية ، لكون تطور شخصيته و تكوينها سببها نقص في الحنان أو العناية من قبل الأولياء فالطفل عاش في محيط فاسد ،ومن غير العدل نسبة لجريمة إليه بالرغم من ارتكابه لها بإرادته و في حالة وعي أي بصفة مقصودة ، فالمهم هو النظر إلى الضرر عن من صدر و من كيفية القضاء عليه بواسطة العلاج .
أما إذا بحنا في الطبيعة قرينة عدم المسؤولية فهي قرينة مطلقة للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 13 سنة و بسيطة بالنسبة لأحداث من 13 إلى 18 سنة .
و عليه فهي مطلقة بالنسبة لأحداث أقل من 13 سنة و لا يمكن إثبات العكس مدلولها من قبل أي شخص و بالتالي لا يمكن توقيع عقوبة على حدث حتى و إن كان ميلا إلى الر ، فالقانون لا يسمح إلا بتوقيع تدابير الحماية أو ماعدا أو مراقبة ، و هي بسيطة من جهة أخرى في مواجهة الأحداث من 13 إلى 18 سنة إذ يمكن إثبات العكس مدلولها عندما تجعل الظروف و الشخصية الحدث ذلك ضرورة في النظر القضاة.
بعد ذلك تحليل البسيط نطرح الإشكال الأتي فما موقف القوانين الوضعية من قاصر و هل أخذت هذه التشريعات بقرينة عدم المسؤولية؟ و ماهو سن الرشد الجنائي في كل منهم ؟
----------------------
1 د . سمير عالية المرجع السابق ص 417.

الفرع الثاني – موقف بعض التشريعات من حالة صغر السن (الحدث)
تأخذ التشريعات الوضعية عامة سواء العربية و الغربية بما أخذت به الشريعة الإسلامية من حيث اختلاف المسؤولية الجزائية للأحداث باختلاف مراحل أعمارهم، و الرأي الغالب في هذه القوانين هو تقسيم عمر الإنسان إلى أنواع بحسب السن و أن احدث يمر بثلاثة مراحل مميزة و مغايرة عن بعضها تميزا كافيا، ولو أنه يصعب تحديد كل مرحلة تحديدا دقيقا وذلك حسب نظرية كل مشرع وطني على حدى ففي المرحلة الأولى يكون الصبي صغيرا و يفترض فيه عدم قدرته على فهم ماهية العمل الجنائي و عواقبه و هذا الأمر منطقي و واقعي و من ثم فلا مسؤولية عليه إطلاقا.
و قد حدد القانون المصري هذه المرحلة بسبع سنوات (1) و كذلك الحال في الهند وانجلترا و في إيطاليا. و قد حددت المادة الثانية من المادة المذكور أعلاه هذه الحالات:
- إذا وجد متسول و يعد من أعمال التسول عرض السلع أو خدمات تافهة أو القيام بألعاب بهلوانية أو غير ذلك مما لا يصلح موردا جديا للعيش.
- إذا مارس جمع أعقاب السجائر و غيرها من الفضلات و المهملات.
- إذا قام بأعمال تتصل بالدعارة أو الفسق أو بإفساد الأخلاق أو القمار أو المخدرات أو نحوه بخدمة من يقومون بها.
- إذا لم يكن له محل إقامة مستقر أو كان يبيت عادة في الطرقات أو في أماكن أخرى غير معدة للإقامة.
- إذا خالط المعارضين للانحراف أو المشتبه فيهم أو الذين اشتهر عنهم سوء المسيرة
- إذا اعتدى من الهروب من معاهد التعليم أو التدريب.
و ما يلاحظ على نص المادة الثانية من هذا القانون أن المشرع خرج عن قواعد العامة التي تحدد الطفل بالعمر و اعتبر الظروف الاجتماعية و الاقتصادية التي يعيشها هذا الصغير عامل من العوامل التي ترتب تطبق التدابير الوقائية فهي من جهة تحمي الطفل من التشرد و التسول و غيرها من الصفات القبيحة ومن جهة أخرى تحد من الظواهر الاجتماعية السلبية داخل المجتمع و من الجهة القانونية تهدف إلى إصلاح الطفل و تهذيبه و إبعاده من دائرة الخطر التي في غالب الأحيان تؤدي به إلى انحراف
و ارتكاب أبشع الجرائم من أجل تحقيق أهداف لا تتناسب مع القيمة التي ارتكب من أجلها السلوك الإجرامي كما يتضح من النص بالإضافة إلى ما سبق من المشرع المصري وحد في المعاملة بين الأطفال المجرمين و الأطفال المنحرفين فقرر لهم نفس التدابير أو أخضعها في الحالتين لنفس الأحكام، و قد قسم القانون عمر الطفل إلى ثلاث مراحل :
تبدأ الأولى بالميلاد حتى سن السابعة يتجرد فيه الحدث من الإدراك و التمييز و بالتالي يتجرد فيها من أية مسؤولية جزائية، و إذا كان من المستحيل أن توقيع التدابير عليه.2)
----------------------
1- سمير عالية. المرجع السابق ص417
2- د. جلال ثروت نظم القسم العم في قانون العقوبات.دار الهدى للمطبوعات طبعة ص556

أما المرحلة الثانية تبدأ من السابعة وتنتهي ببلوغ الخامسة عشر تنزل بالطفل تدابير فقط، أما المرحلة الثالثة فتبدأ بتجاوز الخامسة عشر وتنتهي ببلوغ الثامنة عشر فتوقع فيها العقوبة "بعد استبعاد الجسيم منها"، كما يجوز أن تنزل به تدابير إذا قدر القاضي أنها أكثر ملائمة في إصلاح الطفل وتقويمه والسبب في هذا التقييم حسب تقديرنا المتواضع أن الحدث في المرحلة الأولى يكون مجرد من التمييز والإدراك إذ يستطيع إيذاء نفسه بنفسه، أما عن المرحلة الثانية فلم يكتمل نموه بعد مما يعني أن أهليته الجزائية بالتكليف لا زالت ناقصة وهذا يصبح من الملائم الاقتصار على التدابير الوقائية العلاجية دون العقوبة التي قد تلحق الضرر بنفس الجاني، إذا كان الحدث في المرحلة الثالثة قد اكتمل نموه إلا أنه لا يزال ناقصا وجسدا، ومن هذا استبعد المشرع العقوبات بالتدابير الاحترازية.

الفرع الثالث: الإجراءات المتخذة ضد الأحداث
كما يلاحظ أن العبرة من تحديد السن، هي بوقت ارتكاب الفعل الإجرامي تطبيقا للقاعدة العامة من وقت قيام الجريمة وتحديد المسؤولية عنها إنما هو وقت ارتكاب الفعل الإجرامي.
كما أن التقويم الذي يتبع في تقدير سن الحدث هو التقويم الميلادي وقد نصت المادة 95 من قانون الطفل على أنه: "لا يعتد في تقدير سن الحدث بغير وثيقة رسمية، فإذا ثبت عدم وجودها يقدر سنه بواسطة خبير"، أهم التدابير المقررة للطفل الذي لم يتجاوز خمس عشر سنة هي التوبيخ وعرفته المادة 102 من القانون الطفل بأنه: "توجيه المحكمة اللوم والتأنيب على الطفل عما صدر منه وتحذيره بألا يعود إلى مثل هذا السلوك مرة أخرى". ومعنى هذا أن التوبيخ لكي يكون مؤثرا يجب أن يكون صادرا من القاضي أثناء جلسة المحاكمة.
أولا التسليم:
وقد عرفته المادة 103 من قانون الطفل بأنه: "تسليم الحدث يكون إلى أحد أبويه أو إلى من له الولاية أو الوصاية عليه، فإذا فلم يتوفر في أيهما الصلاحية للقيام بتربيته سلم إلى من يكون أهلا لذلك من أفراد أسرته...".
ثانيا الالتحاق بالتدريب المهني :
حددت المادة 104 من قانون الطفل معنى هذا التدبير فقالت: "إن المحكمة تتعهد بالحدث إلى أحد المراكز المخصصة لذلك، أو إلى أحد المصانع أو المتاجر أو المزارع التي تقبل تدريبه ولا تحدد المحكمة مدة لهذا التدريب على ألا يريد بقاء الطفل في جهة يلقنه سلوكا والتزاما. بالعمل إلى جانب القائمين على التدريب مما ينقل إليه الإحساس بالواجب والمسؤولية وهو من جانب آخر يعلمه حرفة أو مهنة تؤهله لاحتراف عمل شريف".
ثالثا الالتزامات بواجبات معينة :
ينطوي هذا التدريب على مجموعة من الواجبات يختار منها القاضي الواجب المناسب وقد بينتها المادة 105 من قانون الطفل فقالت: "الالتزامات بواجبات معينة يكون بخطر ارتياد أنواع من المحال أو بفرض الحضور في أوقات محددة أمام أشخـــاص أو هيئات معينة، أو بالمواظبة على بعض الاجتماعات التوجيهية ويكون

الحكم بهذا التدبير لمدة لا تقل على ستة أشهر ولا تزيد عن ثلاث سنوات"، وقد أضاف المشرع المصري بالإضافة إلى التدابير السالفة الذكر تدابير أخرى كإيداع في أحد مؤسسات الرعاية الاجتماعية للأحداث، الاختيار القاضي، الإيداع في المستشفيات المختصة، وقد أعطى القانون القاضي سلطة إطالة مدة التدبير أو إنهائه أو تعديله أو إبداله وذلك طبقا لما إذا كانت حالة الخطورة لا زالت قائمة و أنها انتهت أو أن مواجهتها تقتضي إبدال تدبير بتدبير.

رابعا الإشراف القضائي على التنفيذ :
يخضع تنفيذ التدابير لإشراف قاضي الأحداث واليه ترفع التقارير المتعلقة بتنفيذ التدبير فله أن يزور بنفسه أو بواسطة ندب أحد خبيري المحكمة، المؤسسات التي تنفذ فيها التدابير مرة كل ثلاث أشهر على الأقل المادة 134 من قانون الطفل، كما خول القانون المراقب الاجتماعي الإشراف المباشر على تنفيذ تدابير التسليم والإلحاق بالتدريب المهني وألزمه برافع إلى المحكمة تقارير دورية عن الحدث الذي يتولى أمره والإشراف عليه حتى يكون الإشراف على تنفيذ التدابير –في النهاية- ، لقاضي الأحداث "المادة 135 من قانون الطفل" وهذا الإشراف القضائي ضمانه قوي لحسن تنفيذ التدابير وفيه برعاية للحدث وتقدير لهذا تقدمه في برنامج الإصلاح، ولا سيما إذا كان مودعا في مؤسسة اجتماعية وعلاجية ومن ثم فهو الوسيلة الفعالة للبث في استمرارية التدبير أو النهاية.

خامسا تعدد الجرائم :
نعلم أن قاعدة عاملة في شأن تعدد الجرائم، مفادها أن تعدد العقوبات بتعدد الجرائم أما بخصوص التدابير فإنها لا تتعدد بتعدد الجرائم وإنما يتخير القاضي تدبيرا كي يطبقه في هذه الحالة على الحدث، أخذ في اعتباره العوامل التي أفضت إلى إجرامه والأسلوب الأمثل في إصلاحه وتأهيله وعلى هذا نصت المادة 119 بقولها: "إذا ارتكبت الحدث الذي لا يزيد منه خمس عشر سنة جريمتين أو أكثر وجب الحكم عليه بتدبير واحد مناسب...".

سادسا إيقاف التنفيذ :
نصت المادة 158 من قانون الأحداث على أنه: « لا يجوز الأمر بوقف تنفيذ التدابير المنصوص عليها". وحكم هذا النص بديهي والقواعد العامة تعني أنم إنما التدبير وضع كي يوجه الخطورة الإجرامية أو الانحرافية لدى الحدث فإن تقرر فلا بد أن ينفذ.

الفرع الراب ع: موقف المشرع الجزائري من حالة صغر السن (الأحداث) :
نصت المادة 49 من ق ع ج ما يلي : لا توقع على القاصر الذي لم يكمل الثالثة عشرة إلا تدابير الحماة أو التربية.
ومع ذلك فإنه في مواد المخالفات لا يكون محلا إلا للتوبيخ.
ويخضع القاصر الذي يبلغ سنه من 13 إلى 18 إما لتدابير الحماية أو التربية أو لعقوبات مختلفة.
أول ما يلاحظ من النص أن المشرع الجزائري بموجب ق ع ميز بين مراحل المسؤولية بحسب عمر الجاني القاصر، وعليه سندرس كل مرحلة على حدى :
• أولا صبي دون الثالثة عشر :
يتضح من نص المادة 49 المشار إليها أعلاه أن الصبي دون الثالثة عشر لا يعد مسؤولا بحكم القانون فلا يجوز إقامة الدليل على أنه أهل للمسؤولية ولو كان من أعقل الناس، عدم بلوغ السن هي قرينة غير قابلة لإثبات العكس وعليه فلا تطبق العقوبة على هذا الصغير فهو غير مسؤول حتى ولو رأى القاضي أن الفاعل رغم حداثة سنه يتميز بإدراك الاختيار.
إن قرينة عدم المسؤولية القاصر هي قرينة مطلقة ولا يمكن إثبات عكس مدلولها ولا يمكن تسليط عقوبة جنائية عليه لكون المشرع يفترض فيه عدم التمييز.
وتحسب مدة 13 سنة للقول بعدم مسؤولية الصغير عقابية على أساس وقت ارتكاب الجريمة وليس وقت إقامة الدعوى ضده أو محاكمته طبقا لنص المادة 443 من ق إ ج إذا كان المشرع قد جنب القاصر في هذه المرحلة مغبة توقيع العقوبة عليه حتى أنه لم يجز وضعه في المؤسسة عقابية ولو مؤقتا (المادة 456 ق إ ج) فإن ذلك لم يمنع من إمكانية خضوعه لتدابير الحماية أو التربية التي نصت عليها المادة 444 ق إ ج وهي:
- التسليم للوالدين أو الوصي أو لشخص جدير بالثقة.
- تطبيق نظام الإفراج عنه مع وضعه تحت المراقبة.
- وضعه في منظمة أو مؤسسة عامة أو خاصة معدة للتهذيب أو التكوين المهني مؤهلة لهذا الغرض.
- وضعه في مؤسسة طبية أو شبه طبية مؤهلة لذلك.
- وضعه في مصلحة عمومية مكلفة بالمساعدة.
ونرى أن توقيع مثل هذه التدابير مرهون بوجود خطر محدق بالصغير نفسه يخشى أن يؤدي تركه دون أية مساعدة إلى خطر أن يعود الطفل إلى الإجرام أو أن ينشأ معتاد على الإجرام.

• ثانيا القاصر مابين 13 و 15 سنة من عمره :
أما ما يعبر عنه بالحدث الذي بلغ 13 سنة ولم يتجاوز 18 سنة فعند بلوغه لهذا السن يصبح مسؤولا عن أعماله والمسؤولية محققة باعتبار أن المشرع يحدد سن الثامنة عشر لاكتمال نضجه العقلي بموجب المادة 422 إ ج فإذا ارتكب القاصر بعد بلوغه الثالث عشر وقبل بلوغه سن الرشد الجنائي جريمة فإن القانون يسمح بإخضاعه لتدابير الحماية أو التربية أو العقوبات، ولهذا راعى المشرع الإدراك والتمييز بأنه لا يكتملان لدى الشخص مرة واحدة وإنما يأتي ذلك على مراحل أي بالنمو التدرجي للقوى الذهنية الأمر الذي حذا بالشارع إلى التدرج في المسؤولية الجنائية للحدث بملكات نفسية وذهنية محدودة خلال هذه المرحلة من العمر، ويعتبر شراح القانون الجنائي أن قرينة عدم مسؤولية الحدث في هذه المرحلة تكون قرينة بسيطة إذا يمكن إثبات عكس مدلولها (1) ، فإذا ارتكب الحدث جريمة كان للقاضي سلطة تقديرية إما أن يخضع الحدث لتدابير الحماية أو زينة وإما أن يوقع عليه عقوبة مخففة ( المادة 49 ع ج) أو أن يستكمل عقوبات القانون العام بتدابير الحماية أو التهذيب ( المادة 442) والقاضي يختار بين العقوبة المخففة أو التدابير الحماية والتربية حسب ظروف كل قضية، وذلك بحسب جسامة الفعل الذي ارتكبه الحدث.

فالمحكمة تطبق الحدث البالغ من 13 إلى 18 سنة قرينة عدم المسؤولية بأن تجعله محلا لتدابير الحماية أو التربية ، طبقا لما جاء في قرار يوم 16/07/1985 من الغرفة الجنائية الأولى في الطعن رقم 466 و هذا نصه * إن الحدث الذي يبلغ من العمر 13 إلى 18 سنة يخضع إما لتدابير الحماية أو التهذيب المنصوص عليها في المادة 444 ق إ ج و إما لعقوبات مخففة طبقا للمادة 49 الفقرة الأخيرة من قانون العقوبات.
غير أن المادة 445 من قانون الإجراءات الجزائية تجيز لجهة الحكم بصفة إستثنائية في مواد الجنح الجنايات أن تستدل أو تستكمل تدابير الحماية أو التهذيب بعقوبة الغرامة أو الحبس إذا رأته أنذاك ضروري نظرا لظروف الدعوى أو الشخص المجرم، أما الجمع بين تدابير الحماية أو التهذيب و عقوبتي الغرامة و الحبس فالظاهر من نص المادة أنه غير جائز لذلك تقرر نقض قرار غرفة الأحداث القاضي على القاصر بالحبس لمدة أشهر و بغرامة قدرها خمسمائة دينار و بوضعه تحت المراقبة بمصلحة الملاحظة و التربية لمدة 06 أشهر.
إذا كانت العقوبة المفروضة قانونا للجريمة هي الإعدام و السجن المؤبد فإنه يحكم على الحدث بعقوبة الحبس من 10 سنوات إلى 20 سنة.
و إن كانت العقوبة المفروضة قانونا للجريمة هي السجن المؤقت فإنه يحكم عليه بالحبس لمدة تساوي نصف المدة، التي يتعين الحكم على الحدث إما التوبيخ أو بعقوبة الغرامة.
إذن يفهم من ذلك أنه لا يمكن توقيع عقوبة السجن الجنائية أو الإعدام على الحدث المرتكب للجناية أو الجنحة بل تطبق عليه فقط عقوبة الحبس، فكل الجرائم التي يرتكبها الحدث تعتبر جنحا و ليست جنايات و بتعبير آخر لا يجوز توقيع الجناية على الحدث مهما كانت الجريمة التي إرتكبها ، و بالتالي كنتيجة حتمية لا يجوز توقيع العقوبات التبعية المنصوص عليها في المادتين 51،50 ع ج و هي الحجز و الحرمان من الحقوق المدنية لأنها لا تتعلق إلا بعقوبة الجناية، أما بالنسبة للعقوبات التكميلية فإن معظمها
------------------
1 د . عادل قورة المرجع السابق ص 149

تتنافى مع ظرف صغر السن بحيث يمكن القول بأن معظم تلك العقوبات لا تتناسب و لا تطبق على الحدث فبدلا من عقوبة الإعتقال أو تحديد الإقامة أو المنع من الإقامة يجوز للقاضي بموجب سلطته التقديرية أن يخضع الحدث لتدابير التربية كالإيداع في مؤسسة للتربية كما أنه لا يمكن معاقبته بالإكراه البدني طبقا للقرار الصادر يوم 30/12/1986 من الغرفة الجنائية الأولى في الطعن رقم 726-45 هذا النص " يكون مخالفا للمادة 600 فقرة 3 من قانون إ ج و يتعرض للنقض من قرار غرفة الأحداث القاضي بالإكراه البدني على قاصر لم يبلغ 18 سنة يوم ارتكاب الجريمة المسندة إليه.

و نخلص إلى القول بأن نصي المادتين 444 و 445 من ق إ ج هما الأصل في تطبيق تدابير الحماية أو التهذيب.

و نرى بأن المشرع الجزائري بموجب المواد السالفة الذكر راعي نفسية و ذهنية الحدث مع عدم احتمال ملكاته و قدراته العقلية ، كما أن جنوح الأحداث بعد بذرة إجرام الغد يتطلب تدخل المجتمع ليس من أجل العقاب و ردع الحدث بل من أجل العلاج في مؤسسات طبية مختصة تعيده إلى الحياة الاجتماعية و خاصة الظروف النفسية و الاقتصادية لها دور إيجابي و فعال كما لها دور سلبيي في جنون الأحداث و تمردهم على الواقع ، كما أن المشرع الجزائري قد خصص للجانحين المجرمين محكمة خاصة تسمى محكمة الأحداث برئاسة قاضي الأحداث قسم الأحداث لتتم محاكمة الحدث بخلاف البالغ الذي يحاكم في محكمة الجنايات.

مرحلة البلوغ :
لقد وضع المشرع الجزائري سن الرشد الجنائي وحدد ب 18 سنة كاملة أي هو سن بلوغ الشخص واكتماله العقلية و إدراكه و تمييزه الجيد بين الخير و الشر لذلك فأي ارتكاب لفعل قانونا يعاقب عليه و يصبح مسؤولا مسؤولية جنائية كاملة.


المبحث الثاني : موانع المسؤولية الجنائية بسبب إنعدام الإرادة
المطلب الأول: الإكراه
من موانع المسؤولية الجزائية مانع الإكراه ، فقد نصت المادة 48 ق ع على مايلي :
" العقوبة على من اضطرته إلى ارتكاب الجريمة قوة لا قبل له بدفعها".
خلافا للجنون الذي يفقد التمييز و يفقد الوعي، فإن الإكراه بسبب نفسي ينفي حرية الاختيار و يسلب الإرادة حريتها كاملة و لكن كلاهما يحدث نفس النتائج فكلاهما لا يعدم الجريمة في جد ذاتها و إنما بعد المسؤولية الشخصية للجاني (1) ." و يراد بالإكراه قوى إنسانية تتجه إلى نفسية الإنسان دون ان تقبض علة جسمه فتحمل هذه النفسية كرها على إرادة الجريمة (2)"
و الإكراه على نوعين إكراه مادي و إكراه معنوي.

الفرع الأول : الإكراه المادي :
وهو أن تقع قوة مادية على الإنسان لا يقدر على مقاومتها فيأتي بفعل يمنعه القانون، كأن يتعرض المرء لقوى مادية و خارجية تعدم إرادته و تحمله على القيام بالواقعة الإجرامية (3) ، و لذا فإننا لا يمكن أن ننسب الجريمة إليه و صور ذلك أن يمسك شخص بيد آخر و تحريكها لكتابة بيانات مزورة في محرر رسمي أو لتزوير إمضائه بوضع بصمة إبهامه على وثيقة ما ، في مثل هاتين الحالتين هناك قوة مادية أعدمت إرادة الشخص المكره و حولت جسده إلى مجرد آلة يستعملهما من أكره كما يريد فالمكره ينفذ الجريمة بجسمه و ليس بعقله.
و بذلك فالإكراه المادي هو وع من الضغط المادي يسلب إرادة المكره بصفة لإكراهه على القيام بعمل ايجابي أو سلبي.
كما يرى البعض (4) أن الإكراه المادي " هو شل إرادة الجاني بقوة مادية لا قبل له بمقاومتها " فالإكراه المادي يمحو إرادة الفاعل التي هي أساس المسؤولية الجزائية يحوله إلى مجرد أداة تنفذ حركات عضوية متجردة من الصفة الإرادية.
أولا : صور الإكراه المادي :
الإكراه المادي مارس على جسم الفاعل و يتمثل في قوة لا يستطيع مقاومتها، أتفقده السيطرة على أعضاء جسمه و تسخرها على معين في ارتكاب ماديات إجرامية . و كل قوة الشخص السيطرة على أعضاء جسمه و تعطل إرادة الفعل لديه تحقق الإكراه المادي سواء كان مصدرها خارجي أم مادي.

----------------------
1. د أحسن بوسقيعة ، المرجع السابق ص 172
2. د. رمسيس بهنام ، المرجع السابق ص 967
3. د. عبد الله سليمان المرجع السابق ص 319
4. د. فتوح عبد الله الشاذلي ص 155

01. الإكراه المادي ذو المصدر الخارجي :
قد يكون مصدر الإكراه قوة طبيعية مثل الفيضان أو السيل الذي يقطع سيل المواصلات فيمنع الشاهد من الذهاب الى المحكمة لأداء شهادة دعي إليها قانونا، أو العاصفة الي تقذف بإنسان على آخر فيقتله أو يصيبه بجروح (1).

كما قد تكون قوة عنيفة مصدرها الطبيعة كمن تضطره العاصفة الرسو في ميناء بدون رخصة أو لهبوط على مطار بدون رخصة.
كما قد يكون مصدر الإكراه قوة ناشئة عن فعل حيوان كأن يلجأ راعي بقطيعه إلى غاية مجاورة محمية هربا من الذئاب ، أو الفرس الذي يجمع يراكبه بحيث لا يقوى على كبح جماحه فيصيب إنسانا بجراح أثناء جريه.
و قد يكون مصدر الإكراه قوة ناشئة عن فعل إنسان كمن يسلك بيد آخر ليوقع به على عقد مزور أو من يهدد بسلاح ناري أمين صندوق البنك و يرغمه على تسليم المال المودع به (2)، أو ذلك الذي يحبس الشاهد لمنعه من الذهاب إلى المحكمة لإدء الشهادة و من يمسك بيد الغير و يحركها لتوقيع محرر مزر أو لإثبات بيانات مزورة في المحرر ، أو من يمسك بيد شخص و يضرب بها ثالث أو من يلقي بإنسان على آخر فيقتله أو يصيبه بجراح .
وقد يكون مصدر الإكراه من فعل السلطات العامة (3) "وذلك حكم في فرنسا ببراءة المتهم من جريمة عدم الذهاب إلى الخدمة العسكرية بناء على طلب السلطات المختصة لأنه كاه محبوسا على ذمة قضية أخرى".
وعندما يكون مصدر الإكراه قوة إنسانية و يكون المكره مجردا أداة في يده ، يجب البحث في مسؤولية من استعمل المكره كأداة حيث تنفي مسؤولية هذا الأخير لعدم إمكان نفسية ماديات الجريمة إلى إرادته و هذا وفقا لنص المادة 48 ق ع ج.

02. الإكراه المادي ذو المصدر الداخلي :
ينتج الإكراه أثر و لو كانت القوة التي أثرت على إرادة الفاعل مصدرها داخلي متصل به متى كان من المستحيل مقاومتها، و يتعلق الأمر هنا بقوة تنشأ عن سبب ذاتي ملازم لشخص الجاني نفسه "وقد أخذ القضاء الفرنسي بالإكراه المادي ذي المصدر الداخلي في قضية راكب قطار غلبه النعاس في سفر طويل من كثرة التعب فجاوز المسافة التي دفع أجرها ". (4)
-----------------------
1. د فتوح عبد الله الشاذلي ، المرجع السابق ص 157
2. د أحسن بوسقيعة، المرجع السابق ص 173
3. د فتوح عبد اله الشاذلي المرجع السابق ص 157
4. د أحسن بوسقيعة ، المرجع السابق ص 173

غير أنه رفض في مناسبات أخرى الأخذ بهذا الإكراه كما حدث في قضية السيدة التي كتبت رسائل تتضمن الشتم إلى الوزير ووكيل الجمهورية و قاضي التحقيق ، و هي تحت تأثير انفعال تسبب فيه تعريض زوجها إلى الإحالة على التقاعد.
وهناك أمثلة أخرى كأن يصاب قائد السيارة بإغماء مفاجئ غير متوقع لا توجد أسباب ظاهرة تدل عليه فيصدم إنسانا و يقتله أو يصيبه بجراح.
" وقد استقر القضاء الفرنسي (1) على أن المرض يعد من قبيل القوة القاهرة التي تمحوا إرادة الفاعل و تمنع مسؤوليته الجزائية إذا بلغ من الجسامة حدا يمنع المريض من الوفاء بالإلتزامات التي يفرضها عليه القانون، و تطبيقا لذلك قضي ببراءة المتهم في جريمة هجر العائلة بسبب إصابته بمرض في القلب منعه من ممارسة عمله و الحصول على الدخل الذي ينفق منه على أسرته.

ثانيا : شروط الإكراه المادي :
و سواء كان الإكراه المادي داخليا أم خراجيا يشترط فيه – الإكراه المادي- شروط حتى يمنع المسؤولية الجزائية و هي أن يكون غير ممكن توقعه و غير ممكن دفعه.
1- شرط عدم استطاعة التوقع :
يشترط في القوة التي أكرهت المتهم على الفعل غير متوقعة و ليس باستطاعته توقعها فإذا كان باستطاعته توقعها فلا يجوز له أن يدفع بالإكراه المادي لنفي مسؤولية عن الجريمة، إذا كان من الواجب عليه أن يتفادى الخضوع للقوة التي أكرهته على الفعل (2).
كما أن عدم إمكان التوقع عند بعض الفقه (3) هي أن تكون القوى الواقعة على الجان فجائية و مثال ذلك أمين صندوق البنك الذي يفاجئه الجناة و هو في مكتبه، و يهددونه بسلاح ناري لإرغامه على تسليم المال المودع بها.
أما إذا كان الإكراه متوقعا لا تنتفي مسؤولية الجاني (4) و يرجع للقضاء تقدير ما إذا كانت القوة التي وقعت على الجاني يمكن توقعها ودفعها و دفعا أم لا و عموما يتشدد القضاء في تقدير هذا الشرط و الأخذ به " .(5)

2- استحالة الدفع :
يشترط أن تكون القوة التي أكرهت المتهم على الفعل مستحيلة الدفع أي أن تؤدي إلى إرادته كلية ، بحيث يكون من المستحيل عليه بصفة أن يتجنب الجريمة.
---------------
1. د فتوح عبد الله الشاذلي ، المرجع السابق ص 158
2. د فتوح عبد الله الشاذلي ، المرجع السابق ص 159
3. د أحسن بوسقيعة ، المرجع السابق ص 173
4. د. سليمان عبد المنعم، المرجع السابق ص 679
5. د. أحسن بوسقيعة ، المرجع السابق ث 173

و قد عبرت محكمة النقض الفرنسية عن هذا الشرط بتطلبها ان يكون المتهم في "حالة استحالة مطلقة تمنعه من احترام القانون (1).
و يعني ذلك أن المتهم يسأل عن الجريمة لانتقاء الإكراه المادي، إذا كان من شأن القوة القاهرة أن تجعل تجنب مخالفة القانون أمرا فيه مشقة عليه دون أن يكون مستحيلا
هذا و بالإضافة إلى شرط عدم إمكانية توقع القوة و عدم إمكانية دفعها يشترط القضاء الفرنسي (2) أن لا يكون الجاني قد ارتكب خطأ بعد الإكراه ، أو بمعنى آخر أن لا يكون مسبوقا بخطأ الجاني.

" و هكذا قضت محكمة النقض الفرنسية بقيام جنحة الهروب من الجيش في حق بحار منع من الإلتحاق بباخرته قبل انطلاقها بسبب توقيفه من قبل الشرطة من أجل السكر العمومي و العلني ، و يترتب على ذلك تسليط العقاب من أجل جريمة عمدية على من هو مذنب بمجرد عدم احتياطه أو مذنب في أسوأ حال بقصد محتمل"(3).
و متى توافرت شروط الإكراه المادي على النحو السابق بيانه امتنعت مساءلة المكره جنائيا عن الفعل المرتكب.
و يفيد نص المادة 165 ق م م على أن المكره ماديا لا يسأل مدنيا عن فعله لاقتناء إرادة الفعل و الضرر الذي نشأ عنه و هذا بقولها : " إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي يد له فيه كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو من الغير كان غير ملزم تعويض هذا الضرر ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك".
والواقع أن الإكراه المادي لا ينفي الركن المعنوي في الجريمة فحسب ، وإنما ينفي أيضا السلوك الإجرامي اللازم لقيام الركن المادي في الجريمة ، و ذلك أن السلوك الإجرامي لا يقوم إلا إذا ثبت عن الجهاز الإداري للإنسان.
و في الإكراه المادي لا يمكن أن ينسب الفعل إلى الجهاز العصبي الإداري للشخص الخاضع للإكراه فالفاعل هو من يسك بيد آخر بقوة و يحركها لبيان كتابات مزورة أو لإصابة شخص ثالث و ليس من خضع للإكراه مجرد آلة استعمالها في ارتكاب الجريمة (4).


الفرع الثاني : الإكراه المعنوي :
و يراد بالإكراه المعنوي عند أحد الفقهاء " قوة إنسانية تتجه إلى نفسية الإنسان دون أن تقبض على جسمه ، فتحمل هذه النفسية كرها على إرادة الجريمة " (5).

--------------------
1. د عبد الفتاح الشاذلي ، المرجع السابق ص 161
2. د أحسن بوسقيعة ، المرجع السابق ص 174
3. د أحسن بوسقيعة ، المرجع السابق ص 174
4. د فتوح عبد الله الشاذلي ، المرجع السابق ص 164
5. د عادل قورة ، المرجع السابق ص 149

في حين برى البعض الآخر أن الإكراه المعنوي هو " الضغط على إرادة شخص لحمله على ارتكاب الجريمة و يتمثل الضغط في الإنذار بشر إن لم يرتكب المكره الجريمة المطلوبة (1).
كما يرى بعض الفقهاء (2) أن " الإكراه المعنوي ينتج عن ضغط يمارسه على إرادة الفاعل بسبب خارجي (فعل شخص) أو سبب ذاتي (كالعاطفة و الهوى)".
فالإكراه المعنوي يتفق مع الإكراه المادي في أن مصدر كل منهما قوة إنسانية أي فعل إنسان و إنما يختلفان من ناحيتين :
من ناحية أن الإكراه المادي ينصب على جسم المكره بينما الإكراه بينما الإكراه المعنوي يتجه إلى نفسيته.
و من ناحية أخرى أن الإكراه المادي لا يسمح بنشوء أية إرادة لدى المكره بينما يحمل الإكراه المعنوي الشخص الخاضع له على أن يريد الجريمة ، فتنشأ لدى ذلك الشخص هذه الإرادة و إنما بدون أن تكون ثمرة لحرية الإختيار .
فالمكره معنويا أراد الجريمة مقهورا و لكنه على كل حال أرادها، و أما المكره ماديا فلم يترك له أصلا فرصة استخدام ملكة الإرادة و سخر جسمه مثلما تسخره أية أداة من الجماد (3)
و يتمثل الإكراه المعنوي عملا في التهديد بإنزال ضرر جسم بنفس المهدد أو بماله إذا لم يرتكب الجريمة فيرتكبها المهدد إذا يرى أن ضررها عليه أهون على كل حال وقوع الضرر المهدد به .
فمن قبيل هذا الإكراه أن يهاجم قطاع الطرق عربة نقل محملة بالبضائع و يهددون سائقها بالقتل إن لم يسلم محتوياتها فيقدمها لمهم تفاديا للموت.
و مثاله أيضا أن يهدد شخص إنسانا آخر بإطلاق النار عليه إن لم يلق هو النار على الثالث يقف بجواره، أو أن يهدد بإيذاء شديد أو فضيحة جسمية إن لم يرتكب الجريمة أو أن يستعمل العنف بشكل لا يبلغ حد السيطرة على أعضاء المكره و تحريها لارتكابها الجريمة ، كأن يحبسه و يعذبه و يهدد باستمرار ذلك (4) .
و يعني في الإكراه المعنوي الذي يعدم الأهلية الجنائية أن يكون في شأنه نفي الإرادة كليا لدى الشخص الخاضع للإكراه بحيث لا يكون لديه حرية في الاختيار بين ارتكاب السلوك الإجرامي أو تحمل الضرر المهدد به.
---------------------
1. د فتوح عبد الله الشاذلي ، المرجع السابق ص 165
2. د رمسيس بهنام ، المرجع السابق ص 968
3. د رمسيس بهنام ، المرجع السابق ص 967
4. د عادل قورة ، المرجع السابق ص 149

أولا : صور الإكراه المعنوي :
الإكراه المعنوي شأنه شأن الإكراه المادي نظرا لأنه ينصب على الشخص بتهديده لارتكاب فعل هو محضور في نظر القانون .
و الإكراه المعنوي عللا صورتين :
- الإكراه المعنوي الخارجي
- الإكراه المعنوي الداخلي

1- الإكراه المعنوي الخارجي :
و يتمثل أساسا في التهديد و الاستفزاز الصادر عن الغير.
و في كلتا الحالتين لا يؤخذ بالإكراه المعنوي إلا إذا بلغ تأثيره الحد الذي يرغم الشخص المتوسط على السلوك سبيل الجريمة، أي أنه بعدم القدر اللازم من حرية الاختيار (1).
و يستلزم بالنسبة للتهديدات الصادرة عن الغير أن تكون غير مشروعة ، و هكذا قضي في فرنسا بأن هيبة الابن من الأب وهيبة الزوجة من الزوج وهيبة الخادم من المستخدم لا تبعد و لا تنفي المسؤولية .
أما بالنسبة للإستفزاز الصادر عن الغير فلا يقبل إكراها معنويا إلا إذا استعمل المفز مناورات يفقد معها المستفز إرادته كاملة، هذا ما قضي به في فرنسا في عدة مناسبات تتعلق بجرائم يرتكبها أصحابها إثر استفزاز مصالح الشرطة المكلفة بمعاينتها.

2- الإكراه المعنوي الداخلي :
يتعلق الأمر هنا بتأثير العواطف و الهوى (2) نادر أما يؤخذ بهذا النوع من الإكراه كسبب لانتقاء المسؤولية فكثيرا ما يتشدد القضاء عندما يتعلق الأمر بالإكراه المنوي الذاتي ، فلا يأخذ به إلا إذا قضي نهائيا لي إرادة الفاعل .
و في هذه حالة لا يعدوا الأمر مجرد إكراه معنوي بل نكون بصدد الإكراه المادي.
و في الممارسة القضائية كثيرا ما يستفيد الجناة الذين يقدمون عللا الجريمة تحت تأثير عاطفة قوية، من عقوبة خفيفة دون أن يصل الأمر إلى الكم بانتقاء مسؤوليتهم.

ثانيا : شروط الإكراه المعنوي
شروط الإكراه المعنوي تتمثل فيما يلي :
- وجود الخطر: و هو أن يتمثل الإكراه في خطر حال باعتداء جسيم على النفس الصادر من شخص لحمل آخر على ارتكاب جريمة.
1 د. احسن بوسقيعة المرجع السابق ص 174
2 د. احسن بوسقيعة المرجع السابق ص 175

ويشترط في الخطر الذي يهدد المكره و يدفعه إلى إرتكاب الجريمة الشروط التالية :
أ)- أن يكون الخطر مهددا للنفس : و يعني ذلك استبعاد الخطر الذي يهدد المال فإذا كان الخطر مهددا للمال فقط، فلا تمتنع المسؤولية الجزائية عن الجريمة المرتكبة لدفع الخطر. لذلك لا يعفى من المسؤولية من يضحي بحياة الغير أو بأمواله في سبيل حماية ماله أو مال غيره من الهلاك.
ب)- أن يكون الخطر جسيما : فقد أقر بعض الفقهاء (1) بتطلب جسامة الخطر لإمكان امتناع المسؤولية عن الجريمة المرتكبة لدفعه، فالخطر الجسيم هو الذي يؤثر في الإدارة و ينقص من حرية الاختيار على النحو اللازم لتحقيق معنى الإكراه المعنوي.
وهنا تكمن التفرقة بين حالة الإكراه المعنوي و في حالة الدفاع الشرعي في أن حالة الإكراه المعنوي يقع على إنسان بريء لا ذنب له في حلول الخطر بمرتكب الجريمة، أما حالة الدفاع الشرعي فيوجه فعل الدفاع معتد كان سلوكه سببا في حلول الخطر بالمدافع.
ج)- أن يكون الخطر حالا : هذا الشرط متطلب في الخطر الذي يبيح الدفاع الشرعي كما أنه شرط بديهي، لأنه يحقق معنى الإكراه المعنوي الذي يجيز إلى ارتكاب جريمة لدفع خطر يوشيك أن يتحول إلى ضرر فعلي.
أما إذا كان الضرر المراد الوقاية منه غير حال فلا يتصور حالة إكراه معنوي تفرض ارتكاب جريمة للوقاية منه، حتى تكون هناك امتناع للمسؤولية الجزائية للمكره فلا بد أن يكون في خطر حال.

الشرط الثاني :
وهو ألا يكون أمام المكره إلا ارتكاب الجريمة التي حددها له شخص الذي يمارس الإكراه في أن يتخلص من الخطر الذي أعدم حرية الاختيار لديه، و لما كانت الجريمة تحت تأثير الإكراه المعنوي يتوافر لها ركنها المادي و المعنوي معا و لو أن ركنها المعنوي قد شابه انتقاص جسيم في حرية الاختيار ، فإنها لهذا السبب تحتفظ بوصف الجريمة رغم كونها ثمرة الإكراه و لا يرفع عنها سوى العقاب لما قدره القانون من أن الإكراه عذر ببعض من عقوبتها، و يجوز دورها بالقوة قبل أن تقع.

---------------------
1 د فتوح عبد الله الشاذلي المرجع السابق ص 183

ملاحظات هامة :
أولا :
موقف التشريعات من السكر:
لم يرد في التشريع الجزائري نص قانوني يعتد بالسكر كمانع من موانع المسؤولية الجزائية لكن القواعد العامة في المسؤولية الجنائية تؤدي إلى الاعتداد بالسكر الإجباري، لأنه يذهب إدراك الشخص اللازم لقيام الأهلية الجنائية مثله في ذلك كالجنون و صغر السن و يتحقق السكر الإجباري غير الاختياري، إذا تناول الشخص كمية من الكحول بسبب ظروف اضطرارية استعجاليه كعلاج لمرض بأمر الأطباء باستعمال حقن و أدوية مخدرة، أو أن يكون غير عالم بحقيقة المسكر كما لو قدم إليه على سبيل مشروب بسبب الضيافة على أنه مادة غير مسكرة بطريق الحيلة أو الخداع.
و حسب رجال القانون في شرحهم لقانون العقوبات الجزائري منهم الدكتور عادل قورة و الدكتور عبد الله سليمان و الدكتور إبراهيم الشباسي، يشترطون لانتقاء المسؤولية الجنائية في حالة السكر غير الاختياري مالي :
- أن يكون الفاعل في حالة سكر كامل أي أن يكون فاقد الشعور و الإدراك بصفة كاملة أما إذا كان مدركا لعواقب أفعاله و لو بشكل جزئي فإن المسؤولية الجزائية لا تنتفــي و إنما للقاضي السلطة التقديرية في ذلك من حيث تخفيف العقوبة.
- أن يرتكب الجاني السلوك الإجرامي أثناء حالة فقدان الوعي ناتج عن تناول المادة المسكرة.
- أن لا يكون الجاني قد تناول المادة المسكرة عن عمد و إرادة و هذا أهم شرط فإن تعمد شرب الخمر تبقى مسؤولية الجزائية قائمة.
- أما في حالة السكر الاختياري فعمل المشرح الجزائري ضمن نطاق قانون العقوبات بتشديد العقوبة و تحميل السكران المسؤولية الجزائية لأنه يعلم بان الخمر أو المخدر يؤدي به إلى عدم التبصر و الإدراك الكامل لأفعاله و تطبيقا لما سبق، أقر المشرع الجزائري بمسؤولية السكران في المادة 288 و المادة 290 من ق ع حيث نصت المادة 290 على مالي :
" تضاعف العقوبات المنصوص عليها في المادتين 288 و 289 إذا كان مرتكب الجنحة في حالة سكر أو حول التهرب من المسؤولية الجنائية أو المدنية التي يمكن أن تقع عليه و ذلك بالفرار أو بتغيير حالة الأماكن أو بأية طريقة أخرى"
وفي النهاية نقول بأننا نتفق مع أراء شراح القانون من أن السكران لا يعاقب في أي حال على ما يرتكبه من جرائم إذا تناول المسكر مكرها أمضطرا أو بغير علم بأنه مسكر ثم ارتكب الجريمة أثناء سكره، فإن تناول المسكر مختارا بإرادة و وعي منه فإنه يعاقب على أية جريمة يرتكبها أثناء "العمدي أو المختار" و تشدد القوانين الوضعية من عقوبته و خير مثال على ذلك قانون العقوبات الجزائري في مواده السالفة الذكر. لكن يا حبذا لو أن المشرع الجزائري تطرق أو اتبع نظيرة المشرع العربي حينما تناول حالة الغيبوبة الناشئة عن تعاطي المواد الكحولية دون إرادة أو دون علم بنصوص قانونية تجعل من حالة الغيبوبة مانعا من موانع المسؤولية الجزائية.

ثانيا :
مسألة الغلط في القانون : يثور التساؤل حول ما إذا كان باستطاعة الجاني التذرع بالغلط في القانون لتعطيل مساءلته جزائيا عن الجريمة التي ارتكبها، أو بمعنى آخر هل يجوز الأخذ بمثل هذا الغلط كسب لامتناع المسؤولية الجزائية؟
يكون الجواب مبدأيا بالنفي لاعتبارين اثنين ، أولهما، عدم نص المشرع على الغلط كسبب من أسباب انعدام المسؤولية، و ثانيهما، عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانـــون ( المادة 60 من الدستور الجزائري).
و مع ذلك فقد بدأ القانون الجزائي يتجه شيئا فشيئا نحو الأخذ بالغلط في القانون كسبب لامتناع المسؤولية الجزائية أو على الأقل التخفيف منها على أساس أن مبـــدأ " لا عذر بجهل القانون " لا يتمشى و الواقع الاجتماعي الذي يعرف تضخما في النصوص مما يحول أحيانا دون إحاطة المرء بكل القوانين و اللوائح التي تنظم مجالات كثيرة و متنوعة من الحياة اليومية، فضلا عما تثيره هذه النصوص من مشكلات التفسير الذي تقدمه (1) جهات إدارية مختلفة في شكل مناشير مما يؤدي أحيانا إلى ارتكاب جريمة بناء على تعليمات خاطئة تصدر عن الإدارة.
و هذا صحيح خاصة في مجال الجرائم الاقتصادية بوجه عام و في الجرائم الضريبــة و الجمركية بوجه خاص بسبب كثرة النصوص و تشعبها و سرعة تغييرها بما لا يتيسر للعامة العلم بها و التصرف على مقتضاها.
و هذه المبررات للأخذ بالخطأ في القانون كسبب لانعدام أو تخفيف من المسؤولية تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات التي مازالت الأمية متفشية فيها، مثلما هو الحال في بلدنا.
وهناك بلدان عديدة أخذت بالغلط في القانون نذكر منها على سبيل المثال : سويســرا و ألمانيا و لبنان، و مؤخرا إيطاليا و فرنسا منذ صدور قانون العقوبات الجديد في سنة 1992.
و لعل سويسرا هي الدولة الرائدة في هذا المجال حيث أخذ المشرع بالجهل بالقانون كسبب مخفف للعقوبة بنصه في المادة 20 من قانون العقوبات على أن " للقاضي أن يخفف العقوبة بالنسبة لمن يرتكب جناية أو جنحة إذا كانت لديه أسباب كافية تبرر اعتقاده بأنه لا يخالف القانون ".
بل ذهب القضاء السويسري أبعد من ذلك حيث قضت المحكمة العليا هناك بانتفاء المسؤولية الجزائية إذا ثبت أن المتهم قد بذل ما في وسعه للعلم بالأحكام التي يجري محاكمته على مقتضاها و انه تصرف بناء على توجيهات موظف مختص كان يجهل هو أيضا أحكام القانون التي خالفها المتهم.
1 د أحسن بوسعيقة القانون الجنائي العم الطبعة الثالثة 2006


-56-



الفصل الثاني : موانع المسؤولية الجزائية

كما أخذ قانون العقوبات الاقتصادي الألماني لسنة 1954 بمبدأ الجهل بالقانون كسبب لانتفاء العقوبة.
و أخذ به أيضا قانون العقوبات اللبناني في المادة 223 و أحاطه بشروط مقيدة حيث لا يجوز التذرع بالغلط القانوني إلا إذا حصل في أحد هذه المجالات :
1- وقوع الجهل أو الغلط على قانون مدني أو إدراي يتوقف عليه فرض العقوبة ( وقوع الغلط في قانون آخر غير قانون العقوبات).
2- الجهل بقانون جديد خلال مدة 3 أيام التي تلي نشره (1).
3- جهل الأجنبي بالقانون المحلي خلال الثلاثة أيام التي تلي قدومه إلى البلد فيما إذا كانت قوانين بلاده أو البلد التي كان مقيما فيها لا تعاقب على الفعل المرتكب في لبنان.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن التشريع اللبناني قد استفاد مما توصل إليه الاجتهاد القضائي الفرنسي في هذا الشأن فكان سباقا إلى تكريس هذا الاجتهاد في شكل نص قانوني.
و ما لبثت فرنسا أن لحقت بالركب فأخذت هي الأخرى بالغلط القانوني كسبب لانتفاء المسؤولية الجزائية في قانون العقوبات الجديد لسنة 1992 حيث نصت المادة 122-3 منه على ما يأتي : " لا عقاب على من يبرر اعتقاده بأن في استطاعته قانونا أن يقوم العمل ، و ذلك بسبب غلط في القانون لم يكن في وسعه تداركه."
و قبله كان التشريع الإيطالي قد أخذ أيضا بهذا المبدأ حيث أقر الاعتذار بجهل القانون حين يكون هذا الجهل غير قابل تفاديه ( المادة 15 قانون عقوبات).
و السمة المميزة لكل التشريعات التي أقرت مبدأ الاعتذار بجهل القانون هو حرصها الشديد على التضييق من مجال تطبيقه، ذلك أن التسليم بإعفاء الجاني من المسؤولية بناء على الغلط في القانون بدون قيود قد يؤدي إلى نتائج جد خطيرة نظرا لسهولة التذرع بعدم العلم بالقانون.
أما الغلط في الوقائع فلا أثر له على المسؤولية الجزائية للفاعل الذي يسأل عن فعله متى توافرت لديه نية الإجرام بصرف النظر عن هذا الغلط سواء تعلق الأمر بغلط على شخص المجني عليه او على ظرف من ظروف الجريمة.
و تجدر الإشارة إلى أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998 أخذ بدوره بالغلط في القانون و كذا الغلط في الوقائع كسب مانع للمسؤولية الجزائية " إذا نجم عنه انتفاء الركن المعنوي المطلوب لارتكاب الجريمة" (المادة 32) (1)

----------------
1 د أحسن بوسعيقة المرجع السابق ص 203

من الواجب و من البديهي أن من تسند له الوقعة المجرمة أن يكون أهلا جنائيـا و حرا في اختياره لأن الأهلية الجنائية تقوم على قدرة الشخص على إدراك و تمييز مغزى أفعاله و حريته في اختيار سلوكه، و هذا يعني أنه إذا اعترض الأهلية عارض من شأنه أن يؤثر في القدرة على الإدراك و التمييز و في حرية الاختيار فإن هذا يجعل تصرفـه أو سلوكه ليس محلا للمسؤولية و العقاب ، و هي القواعد التي اعتمدها المشرع الجزائري في المواد 47 ، 48 ، 49 من قانون العقوبات ، فتنص المـادة 47 «لا عقوبة على من كان في حالة جنون وقت ارتكاب الجريمة و ذلك دون الإخلال بإحكام الفقرة 2 من المادة 21 » و تنص المادة 48 « لا عقوبة على من اضطرته الارتكاب الجريمة قوة لا قبل له بدفعها » و تنص المادة 49 « لا توقع على القاصر الذي لم يكمل الثالثة عشر إلا تدابير الحماية أو التربية و مع ذلك فإنه في مواد المخالفات لا يكون محلا إلا للتوبيخ ، و يخضع القاصر الذي يبلغ سنة من 13 إلى 18 أما التدابير الحمايـة أو التربيـــــة أو العقوبات مخففة ».

هذه الأسباب التي يحددها الإختيار أو واحدهما لأنه من شأن عدم توافر واحد منها أن يؤثر في الإرادة فيجردها من قيمتها القانونية ، و ينتفي تبعا لذلك الركن المعنوي و هي حالات لا تنتفي بها صفة عدم المشروعية.

إذن و نظرا لهذا تؤثر أسباب امتناع المسؤولية الجنائية على الركن المعنوي للجريمة و ذلك بتخلف أحد عناصر الإرادة و المتمثل إما في الإدراك و التمييز و إما في حرية الإختيار و بذلك تتمثل موانع المسؤولية الجنائية في عنصرين هما : انعدام الأهليـــة و يشمل الجنون و صغر السن و كذا انعدام الإرادة و يشمل الإكراه و حالة الضــرورة و السكر.

المراجع
– القران الكريم
2 - القـــوانين
أ‌- قانون العقوبات–الديوان الوطني للأشغال التربوية–الطبعة الخامسة2007
ب-قانون إيرادات الجزائية-الديوان الوطني للاشغال التربوية-الطبعة الخامسة 2007 .
ج- قانون الأسرة .
3-أحمد أبو الرواس-القصد الجنائي و المساهمة الجنائية و الشروع و الدفاع الشرعي و علاقة السببية-دار المكتب الجامعي الحديث – طبعة 2001.
4-لحسن بوسقيعة-القانون الجنائي العام-الطبعة الثالثة 2006
5-د.جلال ثروت-نظام القسم العام في قانون العقوبات-دار الهدى للمطبوعات-طبعة1999 .
6-سمير عالية-شرح قانون العقوبات- القسم العام-دار المؤسسات الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع – طبعة 1998.
7-عادل قوراة-محاضرات في قانون العقوبات-قسم العام الجريمة ديوان المطبوعات الجامعية- طبعة 1994.
8-عبد الله سليمان-شرح قانون العقوبات،القسم العام،الجزء الأول-ديوان المطبوعات الجامعية-طبعة 1998.
9-عبدالحميد الشواربي و عزالدين الديناصوري-المسؤولية الجنائية في قانون العقوبات و الاجراءات الجنائية-طبعة 1989.
10-عبدالحكيم فودة-الموسوعة الجنائية الحديثة، التعليق على قانون العقوبات المجلد الأول-دار الفكر و القانون بالمنصورة-طبعة 202.
11-عوض محمد عوض-قانون العقوبات،القسم العام-دار الجامعة الجديدة للنشر طبعة 2000.
12-لحسن بوسقيعة-الوجيز في القانون الجزائي العام-الديوان الوطني للأشغال التربوية-طبعة 2002.
13-د.فتوح عبد الله الشاذلي-شرح قانون العقوبات،القسم العام، الكتاب الثاني، المسؤولية في الجزاء-دار الهدى مطبوعات الجامعة-طبعة 1997



المواضيع المتشابهه
عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
موانع الزواج في القانون الجزائري عماد
0 225 عماد
موانع تحريك الدعوي العمومية آفاق المستقبل
1 6064 آفاق المستقبل
موانع الميراث وفق القانون الجزائري sami
0 265 sami
موانع تطبيق القانون الأجنبي نوفل
1 484 نوفل
بحث حول موانع تطبيق القانون الاجنبي leila lolitta
1 525 leila lolitta

الكلمات الدلالية
موانع ، المسؤولية ،


 







الساعة الآن 07:56 صباحا