أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في المحاكم والمجالس القضائية ، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





السلطة التقديرية للقاضي الجنائي

ضوابط السلطة التقديرية للقاضي الجنائي في تخفيف الجزاء مقدمة المبحث الأول:الضروف القضائية المخففة وموقف التشريعات منها ال ..



20-01-2016 07:02 مساء
آفاق المستقبل
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 16-11-2014
رقم العضوية : 1154
المشاركات : 258
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 160
المستوي : ليسانس
الوظــيفة : متربص
 offline 



ضوابط السلطة التقديرية للقاضي
الجنائي في تخفيف الجزاء
مقدمة
المبحث الأول:الضروف القضائية المخففة وموقف التشريعات منها
المطلب الأول: تعريف الضروف القضائية المخففة
الطلب الثاني : موقف التشريعات الجنائية الوضعية من الظروف القضائية المخففة

المبحث الثاني : ضوابط الظروق القضائية
المطلب الأول :الضوابط المتعلقة بذات الجريمة
المطلب الثاني : الضوابط المتعلقة بالجاني
خاتمة


مقدمة :
في النصف الأخير من القرن التاسع عشر بدأت دراسة الجريمة دراسة علمية وذلك عن طريق الاهتمام بشخص الجاني باعتباره مصدر الجريمة، فاهتدى الفكر القانوني إلى أن الجاني قد يرتكب الجريمة تحت تاثيرمجموعة من العوامل منها الداخلية المتصلة بتكوينه العضوي و النفسي و العقلي، و منها الخارجية المتصلة بالبيئة الاجتماعية المحيطة به إذاما تضافرت مع بعضها البعض.
فكل هذه العوامل السابقة تؤثرفي الجانب الشخصي لمسؤولية الجاني، وبالتالي في سلوكه الإجرامي. لذلك كان ينبغي على المجتمع أن يغيرمن نظرته نجاه العقوبة فيخرجها من جمودها وجعلها مرنة تسمح بتخفيف العقاب أو تشديده حسب مقتضيات الظروف والملابسات التي تحيط بالجريمة أوالجاني والتي تستدعي ذلك، وهذا ما قدره المشرع وراعاه بالفعل و نهش على أسباب معينة إذا ما توافر أحدها رتب عليها تخفيف العقوبة تاركا للقاضي سلطة تقديرية في استعمالها.
فما هي إذن الضوابط الأساسية لهذه السلطة التقديرية ؟

المبحث الأول : الضروف القضائية المخففة وموقف التشريعات منها
تعددت التعريفات التي أعطيت لفكرة الظروف القضائية المخففة، كما أن كلمة المشرعين لم تتفق تجاه هذه القضية، و هو أمر ليس بغريب نظرا لتباين الأنظمة التشريعية تباينا ملحوظا في الفلسفة العامة التي تهيمن عليها

المطلب الأول : تعريف الضروف القضائية المخففة
لعل من أهم التعريفات التي طرحت لفكرة الظروف القضائية المخففة أنها :
- عناصر أو وقائع عرضية تبعية تضعف من جسامة الجريمة و تكشف عن ضألة خطورة فاعلها وتستتبع تخفيف العقوبة إلى أقل من حدها الأدنى أو احلكم بتدبير يناسب تلك الخطورة.
- كما عرفت الظروف المخففة بأنها وقائع عارضة يتولى تحديدها القاضي في كل جريمة على حدة و يقدر أثرها القانوني على العقوبة الواجب تطبيقها.

ولعل مدار الخلاف بين التعريفين ينحصر فيما إذا كانت فكرة الظروف القضائية المخففة يقتصر أثرها على العقوبات أم أنه يمتد ليشمل التدابير الإحترازية  وهوما سيتم تناوله لاحقا.

و من هنا يمكن إستخلاص خصائص الظروف القضائية المخففة :
  • أولا: أنهامثل بقية الظروف تتمثل في عناصرأو وقائع(faits) تتعلق بالنمونج الإجرامي، و لا تدخل في تكوينه، ومؤدى ذلك أنها لاتتمثل في إعتبارات الرأفة بالجاني أوفي بواعث عاطفية تحدوالقضاة للتخفيف.
  • ثانيا : أنها ذات أثرمعدل ينال من جسامة الجريمة، ويقلل من خطورة الجاني، و يستتبع ذلك أنها لا تتعلق بالجريمة فقط و لا بالجاني فحسب، بل بكليهما، نظرا لصعوبة الفصل بينهما في ضوء السياسة الجنائية الحديثة للدفاع الاجتماعي.
  • ثالثا : أن القاضي هوالذي يتولى إستظهارها، ويتمتع في هذا الصدد بسلطة تقديرية واسعة، و نود أن نلفت النظر إلى أنها لا تعنى التحكم بل إن تحقيق الفرص المقصود منها يستلزم بالضرورة وضع المعاييرالإرشادية والضوابط الكفيلة بحسن ممارستها.
  • رابعا: أنها تسمح بالنزول إلى ما دون الحد الأدنى المقرر للعقوبة، و بناء على ذلك فلا يعتبر من آثار الظروف المخففة مجرد توقيع عقوبة تقترب من حدها الأدنى، أو ضوابط السلطة التقديرية للقاضي الجنائي في تخفيف الجزاء الحكم بهذا الأخير فحسب، إذ لا يعدو ذلك إلا أن يكون داخلا في نطاق السلطة التقديرية للقاضي التي يتمتع بها بين حدي العقوبة.
  • خامسا : أنه لا مانع من امتداد نطاق الظروف المخفخة إلى مجال التدابير الاحترازية ما دمنا قد انتهينا إلى أنها قد تكشف عن ضالة الخطورة الإجرامية الكامنة في نفس الجاني، ويستتبع ذلك ضرورة نص الشارع على العديد من التدابير الاحترازية، كما فعل بالنسبة للعقوبات ، لكي تكون لدى القاضي مكنة اختيار ما يلائم خطورة الجاني، ولعل هذه الوسيلة يمكن عن طريقها إدخال نظام الظروف المخفخة في نطاق التدابيرالاحترازية.
الطلب الثاني : موقف التشريعات الجنائية الوضعية من الظروف القضائية المخففة
يمكننا باستقراء أغلب التشريعات المعاصرة التي أمكن الاهتداء إليها تصنيف الإتجاهات التشريعية إلى إتجاهين أساسيين: الأول: يرفض أولهما الأخذ بنظرية الظروف المخففة، الثاني : يقرها ولكن بدرجات متفاوتة.

الإتجاه الأول : التشريعات التي توفض سرية الضروف القضائية المخففة
قد يبدو لأول وهلة أن التشريعات بالغة القسوة، والحقيقة على خلاف ذلك، فهي قد لجأت إلى وسائل أخرى لتفريد العقوبة، هبطت بموجبها بالحد الأدنى العام للعقوبة، بما لا يدع مجالا للظروف المخففة التي تتسم بالنزول إلى أقل من الحد الأدنى الخاص بالعقوبة المقررة للجرمية. ويدخل في هذه الطائفة التشريعات القانون الإنجليزي، والهولندي، والفنلندي، وقانون العقوبات السوداني.
فلقد إستعاضا المشرع الإنجليزي عن نظام الظروف المخففة بتعيين حد أعلى لعقوبات كل الجرائم دون النص على حد أدنى خاص لهما إكتفاء باحلد الأدنى العام.
أما المشع الهولندي فقد تحدث في الباب الثالث من القسم الأول امواد من 37- 44 عن الأسباب التي تؤذي إلى إستبعاد وتخفيف و تشديد عنصر الخطأ، ولم يلق بالا إلى الظروف التي تسوغ إنقاص العقوبة إلي ما دون حدها الأدنى.
ولم يتحدث المشرع الفنلندي صراحة عن نظرية الظروف القضائية المخففة اكتفاء بحديثه عن الأعذارالقانونية في الفصل الثالث من الباب الأول، وأشارفقط إلى أحوال المسؤولية المخفقة، وهو ما فعله قانونا.

الإتجاه الثانى : التشريعات التي تأخذ بنضرية الضروف القضائية المخففة
تاخذ أغلبية التشريعات المعاصرة بتظرية الظروف القضائية المخففة و لكنها تتفاوت فيما بينها في درجة إقرارها.
ونود أن نلفت التظر إلى أننا نهتم في هذا الموضوع فقط ببيان مدى أخذ التشريعات بها بصفة عامة دون إستجلاء الضوابط التي ينهض عليها التقدير القضائي لها، وفي سياق الإقرارالتشريعي يمكننا تأصيل هذا الإتجاه إلى مذهبين أساسيين: أؤلهما متطرف والآخرمعتدل.

أ- التحديد المتطرف للظروف القضائية المخففة :
تنتمي إلى هذا المذهب تشريعات عديدة، يمكن ردها إلى فصيلتين، تترك أولاهما تحديد الظروف المخففة لمطلق تقدير القاضي، و تعهد ثانيهما بهذه المهمة للمشرع وحده.
1 - التحديد القضائي للظروف القضائية المخففة :
يقضي هذا المذهب بأن إستظهار الظروف القضائية المخففة إنما يدخل في إطلاقات سلطة القاضي دون أن يكون قيدعليه.
في هذا الصدد، فهو وحده الذي يستطيع القول بتوافرها من عدمه، وله أن يستشف ذلك إما من ماديات الجريمة، وإما من شخصية فاعلها، أو من الاثنين معا.

و قد أخذ بهذا النظام القانون الفرنسي منذ أن أقر هذه النظرية بمقتضى المادة 463 من قانون1810 ، وسايرته في ذلك تشريعات عربية عديدة منها التشريع المصري المادة 17 والعراقي المادتان 132، 133 و السوري المواد 243 - 246 و اللبناني مود 253- 25 والأردني المادتان 94، 95 والليبي المادة 29  والتونسي المادة 53 والجزائري في المادة 53 من قانون العقوبات.

و يتسم هذا النظام بثقته الكاملة في القاضي، و بالاجتهاد للإلمام بكافة الظروف التي يمكن أن تكتنف الجريمة، والتي يكون من العسير أن يتنبأ بها مقدما، ويتفق ذلك مع الدور الإجتماعي لنظام الظروف المخففة، و كونه وسيلة للتفريد القضائي للعقوبة من ناحية وأداة لتحقيق التجانس و التوافق بين نصوص التشريع و تطورالمجتمع من ناحية أخرى ، إذ غالبا ما تعجز الأولى عن ملاحقة هذا الأخير، نظر الما يعترض التشريع من صعوبات فنية قد تستلزم وقتا ليس بقصير.
و إزاء هذا الوضع لا يكون أمام القاضي إلا أحد أمرين :
- إما إهدار نصوص التشريع، وإقرار التطور الاجتماعي، وهو أمر لا يمكن استساغته لما ينطوي عليه من الافتئات على مبدأ سيادة القانون،
- و إما تجاهل ذلك التطور كلية و إعمال نصوص التشريع، مهما برزت مجافاتها للظروف الاجتماعية السائدة، و هو أمر بدوره غر مقبول، ولا يتفق مع الوظيفة التي أنيط بها القانون،و كونه كائنا إجتماعيا.
وعلى ذلك فالحل الوحيدهوالذي يمنح القاضي، بمقتضى نظام الظروف المخففة وغيره من النظم، سلطة تحقيق هذا التطابق، دون التضحية بأي من الاعتبارين السابقين.

2 - التحديد التشريعي للظروف القضائية المخففة :
يتكفل المشرع وحده وفقا لهذا الإتجاه بحصر الظروف المخففة، و من ثم لا يترك للقاضي بال للتقدير في هذا الصدد. و مؤدى ذلك أنه لا يستطيع الأخذ بطرف لم ينص عليه القانون صراحة، ومن ناحيغ أخرى فهولا يلتزم بتخفيف العقوبة حتى مع توافر أحد الظروف المنصوص عليها، فقد لا يرى جدارة الجاني بمثل هذا التخفيف، و مع ذلك فإن المشرع لا يسلب القاضي بمقتضى هذا النظام كل سلطته في التقدير، و إنما ينحصر بالها فحسب في تقدير مدى أحقية المتهم بإعمال الظروف المخففة أوعدم جدارته بذلك دون أن يتعداها إلى القول بظرف مخفف لم ينص عليه التشريع صراحة.
ونجد تطبيقا لهذا الإتجاه في كل من التشريع النمساوي والدانمركي والنرويجي والسويسري. فالمشرع النمساوي تحدث عن الظروف القضائية المخففة و حصرها في أربعة عشر ظرفا : منها أحد عشر ظرفا مستمدا من حالة الفاعل، وثلاثة ظروف تتعلق بطبيعة الفعل.
ولا شك في أن مثل هذا النظام يتلافى العيوب التي تكتنف النظام السابق حيث يمكن عن طريقه ضمان سلامة تطبيق الظروف المخففة، خاصة إذا ما عهد بها إلى المحلفين الذين ينقصهم التكوين القانوني السليم.
بيد أن مثل هذه الضمانة لا تمنع من أن مثل هذا النظام يقضي على كل سلطة للقاضي في إستظهار الظروف المخففة، وهو أمر لا يتفق مع تعاليم السياسة الجنائية الحديثة، وينطوي على الشك في نزاهة القاضي. أضف إلى هذا أن؛ مثل ذلك التحديد الحصري للظروف المخففة، إنما يتجاهل تطور المجتمع ولا يسمح للقاضي بملاحقته عن طريق تطبيق نصوص التشريع مما يجعل هذا الأخير صورة غر صادقة في الإفصاح عن ضمير الجماعة.
وأيخرا فإن هذا النظام — الذي ترك أمر إستظهار الظروف المخففة للمشرع - يتسم بالتطرف الذي أخذ علي النظام السابق، الذي فوض أمر إستظهارالظروف المخففة للقاضي بصفة مطلقة.
وكلا النظامين معيب والأفضل من ذلك هوالأخذ بحل وسط يقوم على التوفيق بين كلا الاعتبارين.

ب - التحديد المعتدل للظروف القضائية المخففة :
يقوم هذا النظام على التوفيق بين النظامين السابقين، فهو لا يحرم المشرع من النص على الظروف المخففة التي تدور في ذهنه وقت سن التشريع، و لكن هذا التحديد لا يكون واردا على سبيل الحصر بحيث لا يمنع القاضي من إستظهار غيرها من الظروف التي قد تكشف عنها مقتضيات الحياة. و توحي الأكاديمية للدراسات الإجتماعية والإنسانية. 
بها إعتبارات التفريد القضائي للجزاء الجنائي. وهو من أهم ما تحرص عليه السياسة الجنائية المعاصرة. وبذلك يمكن التوفيق بين الاعتبارين المتقدمين: سيادة القانون وتطق المجتمع. و قد أخذ بهذا الإتجاه كل من القانون الإيطالي و السوفياتي و البرتغالي و الإسباني و اليوناني. فالتشريع العقابي الإيطالي مثلا في المادة 62 نص على ستة ظروف مخفقة أعقبها بنص المادة 62 مكرر الذي يخول للقاضي سلطة إستظهارغيرها من الظروف.

وهنا نأمل أن ينحى التشريع الجزائري نفس منحى هذه التشريعات العقابية بتعديل نص المادتين 52 و 53 من قانون العقوبات الجزائري، بأن يمنح للقاضي سلطة تقديرية في إستظهار الظروف المخففة، حتى و لو ذكر ظروف مخففة على سبيل الحصر.

المبحث الثاني : ضوابط الظروق القضائية
إن موضوع تحديد ضوابط الظروف المخففة لم ينل العناية الواجبة سواء على المستوى التشريعي أو الفقهي، فالمطلع على أحكام التشريعات الجنائية المختلقة يجد أن غالبيتها يقوم بعملية سرد الظروف دون ضابط يحكمها، فالمشع الجزائري مثلا لم يذكر حتى مجرد أمثلة للظروف المخففة مكتفيا بعبارة مجملة أوردها في المادة 53 من قانون العقوبات الجزائري: « يجوز تخفيف العقوبات المنصوص عليها قانونا...».
و هنا نشير إلى أن دراسة موضوع ضوابط فكرة الظروف المخففة تعد النمونج الأمثل لمشكلات نظرية الظروف المخففة، نظرا لما يمثله من أهمية بإعتباره الإطار الذي ينبغي أن يحيط بكافة الظروف منذ بدء البحث عنها و إستظهارها وحتى تحديد العقوبة و إصدار الحكم، وذلك بهدف ضمان منع تعسف القاضي أثناء ممارسته في تقدير العقاب بما يكقل في النهاية حسن تطبيق هذه الفكرة. فمسألة تحيد ضوابط لفكرة الظروف المخففة ستكون بدون شك المرشدة للقاضي في إستخلاصه لهذه الظروف و القول بتوافرها تجنبه الكثيرمن الزلل وتعصمه من الضلال و التعسف.
إن ضوابط الظروف القضائية المخففة يمكن إرجاعها عموما إلى ضوابط تتصل بذات الجريمة، و أخرى تتصل بشخص الجاني.

المطلب الأول: الضوابط المتعلقة بذات الجريمة
كما هو معلوم فإن الجريمة تقوم بصفة أساسية على ركنين : مادي و معنوي.
و ينبغي التعويل عليهما معا عند دراسة الضوابط محل البحث، فنقسمها إلى ضوابط متعلقة بالركن المادي للجريمة وأخرى متصلة بركنها المعنوي.
أ — بالنسبة للضوابط المتعلقة بالركن المادي للجريمة :
الركن المادي للجريمة يتمثل في سلوك غير مشروع، يترتب عليه نتيجة معينة يؤثمها القانون، نظرا لإعتدائها على مصلحة يحميها. غير أن إتيان هذا السلوك قد يقترن بظروف تخفف من جسامته وإن أبقت على تلك المصلحة، متا يسوغ تخفيف الجزاء الواجب التطبيق. و نتناول فيما يلي الضوابط المتعلقة بكل من السلوك والنتيجة تباعا.
- الضوابط المتعلقة بالسلوك :
من الواضح أنه من العسير حصر كل ما يقترن بالسلوك الإجرامي من ظروف تخفف من جسامته، ولعل أهم مافي هذا التحديد هوما تعلق بوسيلة إرتكاب الجريمة وزمانها و مكانها.
ويقصد بالوسيلة كل ما يمكن أن يأتيه الجاني لاقتراف جريمته، وقد يقتصرفي ذلك على مجرد إتيان الفعل المادي مجردا عن أي ظرف، و قد يحدث أن يقترن إتيانه ببعض الظروف التي تضقي عليه مسحة معينة من الجسامة، و مثال ذلك أن يقتصرالقاتل على مجرد إزهاق روح ضحيته دون التنكيل بها، فإذا كان هذا الأخير فإن المنطق يقضي بأن إنعدامه يبرر التحفيف.
أوكمن يلقي بنبإ مؤلم بغتة إلى شيخ مريض بقصد قتله، فإن المنطق يقضي بأن هذه الوسيلة تكون سببا لتخفيف العقوبة مقارنة بذاك الذي يحضر بندقية ويجهزعلى هذا الشيخ.
إذن طبيعة الوسيلة المستخدمة في ارتكاب الجريمة تصلح ضابطا يسترشد به القاضي الجنائي في تحديده لمقدار العقوبة الواجبة التطبيق على الجاني، مع الإشارة إلى أن الأصل هوأن المشرع لا يضع في إعتباره الوسيلة التي يمكن أن يلجا إليها الجاني لتحقيق مشروعه الإجرامي. أما زمان ارتكاب الجريمة، فإن الأصل العام في التشريعات أنها لا تضع في اعتبارها وقت ارتكاب الجريمة، إلا أنه استثناء من هذا الأصل قد نجعل من زمان ارتكابها ظرفا مشددأ لما له من دلالة كاشفة على خطورة الجاني و ميله للإجرام، كارتكاب الجريمة في وقت الحرب أو ليلا أوفي وقت يتعذر فيه على المجني عليه أن يدافع عن نقسه أو أن يدافع عنه غيرد.
و بمفهوم المخالقة يكون الاعتداء بوقت الجريمة كظرف مخفف، إذا وقعت الجريمة في وقت السلم أو أن تقع الجريمة في وقت يكون المجني عليه قادرا على الدفاع عن نفسه أو أن يدافع عنه غيره، فالشخص الذي يغتصب فتاة في وقت القيلولة أوفي وقت متأخرمن الليل منتهزا خلو الطريق من المارة ليس كمن يحاول ذلك في وقت يكثر فيه الناس.
و نفس الحال بالنسبة لمكان الجريمة، فالقاعدة العامة تقضي بأن: المشرع الجنائي لا يعط إهتماما لمكان ارتكاب الجريمة، ففى القتل العمد مثلا يستوي أن ترتكب في منزل مسكون أوفي الطريق العام، إلا أنه استثناء من هذه القاعدة قد يعمد المشرع إلى إدخال مكان ارتكاب الجريمة في اعتباره فيجعل منه ظرفا مشددا في حالات بعينها لما له من دلالة كاشفة على خطورة الجاني وجسامة الجرم الذي جناه. و بمفهوم المخالفة من ذلك الغرض لوأن إرتكاب الجريمة قد تم في مكان يسهل على المجني عليه الدفاع عن نفسه، أوأن غيره يهب لنجدته وجب أن يكون ذلك ظرفا مخففا.
و نفس الشيء بالنسبة لجريمة خطف طفل وتركه في مكان خال من الآدميين، وجب إعتبارذلك ظرفا مخففا للعقاب. وهذا دليل على صلاحية مكان ارتكاب الجريمة لأن يكون ضابطا يستأنس به القضاة في تقديرهم للجزاء الجنائي.
-الضوابط المتعلقة بنتيجة :
لا تتحقق الغاية من تجريم سلوك ما إلا إذا ترتبت عليه نتيجة تنطوي على عدوان على مصلحة يحميها القانون، ونحن بذلك نأخذ النتيجة بمعناها القانوني وليس بمدلولها المادي، فهي العاقبة الضارة للفعل أي المساس بالمصلحة التي تحميها قاعدة التجريم مساسا يتكون إما من الضررالفعلي، وإما من مجرد تعريض المال أو المصلحة محل الحماية للخطر.
و بذلك ينحصر جوهر النتيجة في ضرر واقع محتمل، وتتناسب جسامة الإعتداء تبعا لمقدار هذا الضرر، ومن هنا قيل إن تفاهة الضررالناجم تعتبر ظرفا مخفف و الواقع أنه ليس من العسير تفسر ذلك، إذ تقضي به بديهيات المنطق القانونى، كما تستلزمه مقتضيات العدالة، فليس من السائغ أن يغلظ الجزاء على جان لم ينجم عن سلوكه إلا ضررضئيل يقل عن ذاك الذي تصوره المشرع — بصفة مجردة — كافيا للعدوان على المصلحة التى يحميها القانون.
وقد أقر بذلك الفقه الفرنسي نظرأ لعدم وجود مثل هذه النصوص في التشريع الفرنسي، كما أيده القضاء منذ زمن بعيدا.
ب — بالنسبة للضوابط المتعلقة بالركن المعنوي للجريمة :
يتمثل الركن المعنوي للجريمة في القصد الجنائي أوالخطأ غير العمدي، و يتعين على القاضي أن ينتقل إلى بحثه، بعد فراغه من بحث الركن المادي، و يتعين عليه كذلك أن يأخذه بعين الإعتبار عند تلمس ظروف التخفيف، وباستقراء التشريعات يتبين أنها تعول على درجة جسامة القصد أو الخطأ، كما أنها تقيم وزنا لما يجيش في نفس الجاني من بواعث مرتكب الجريمة من أجلها.

- مدى جسامة القصد أوالخطأ :
يتكون القصد الجنائي بصفة عامة من عنصرين : العلم والإرادة، كما يتمثل الخطأ غير العمدي في إخلال الجاني بواجبات الحيطة و الحذر التى يفرضها القانون، وعدم حيلولته تبعا لذلك دون أن يفضي تصرفه إلى إحداث النتيجة الإجرامية، في حين كان ذلك في إستطاعته، وكان واجبا عليه.
و على ذلك يتحدد جوهر الإختلاف بينهما في مدى سيطرة الجاني على ماديات الجريمة و تتحدد درجة جسامة القصد بقدر ما توافر لدى الجاني من علم بموضوع النتيجة و بقدرإتجاه إرادته إليها.
و بناء على هذا يعتبرالقصد الجنائي العام أقل جسامة من القصد الخاص، و القصد المحدود أقل جسامة من القصد غير المحدود، كما يعتبر القصد البسيط أقل درجة من القصد الاحتمالي.
وتقدر درجة جسامة الخطأ بقدرإخلاله بواجبات اليقضة و الحذر، و بقدرحيلولته دون حدوث النتيجة الإجرامية الغير مصحوب بتوقيع النتيجة الإجرامية.
وبناءا على ذلك يعتبر الخطأ اليسير أبسط من الخطأ الجسيم. والخطأ الغير مصحوب بتوقيع النتيجة الإجرامية أقل جسامة من الخطأ المصحوب بتوقعها، و على القاضي أن يستشف ذلك من وقائع الدعوى.
- الباعث على الجريمة :
تستلزم دراسة الباعث على الجريمة، كضابط يلجأ إليه القاضي عند تقدير الجزاء، تحديد مدلوله، ثم بيان الدور الذي يلعبه في تخفيف الجزاء.
اولا : مدلول الباعث
حظيت فكرة الباعث بدراسات عديدة لفهم مدلوله، وتحديد دوره في تكوين الجريمة و تقدير الجزاء. و من المعلوم أن الجريمة تتحصل في بادئ الأمر في مجرد فكرة تجول بذهن فاعلها، قد تناوئها أفكار أخرى تثني همته عنها، و قد يحتدم الصراع بين الفكرتين أي بين الإقدام على الجريمة والإحجام عنها إلى أن ينتهي الجاني برأي قاطع هو الذي حرك إرادته ودفعها نحو الجريمة، وهومأ يقال 'له بالدافع (mobile) أوالباعث (motif).
وقد حاول البعض التفرقة بين الباعث والدافع، بمقولة إن الأول ليس إلا عاملا نفسيا صادراعن إحساس الجاني الذي يقذف به تلقائيا، و دون تدبر، نحوالجريمة، على عكس الثاني الذي يتمثل في سبب التصرف الإجرامي الصادر عن العقل، فهو بذلك يصدر بعد تقدير لكافة الظروف التي تحبذه وتلك التى ترغب عنه ثم ينتهي إلى الإقدام أو الإحجام، و بذلك يكون الإحساس هوجوهر الباعث، بينما يعتبر الإدراك قوام الدافع، غير أن هذه التفرقة ما لبثت أن تلاشت ورجح القول باستعمالها كمترادفين ويقوم الباعث على رغبة الجاني في الاعتداء على مصلحة يحميها القانون، كالحياة أوالملكية أوالشرف، فإذا ما وقع هذا الاعتداء تحقق الغرض من الإرادة، وبذلك يتمثل الباعث في صورة ذهذية دارت في مخيلة الجاني، قبل أن تتحقق في الواقع بحيث يكون الفاصل بينها وبين الغرض هوالفاصل بين تصور الشيء وبين تحقيقه بالفعل، وبذلك يرتبط الباعث بالسلوك كفكرة، بينما يرتبط الغرض بذات السلوك بعد تحققه بالفعل.

 

إذا ارتكبت الجريمة حفظا على الشرف أو بدافع الغيرة واحلب، كما طبقها على الجرائم التي يرتكبها الأب على أموال ولده بقصد ادخارها له في وقت الشدة بدافع حب البنوة.
وعلى العكس من ذلك فقد رفض تخفيف العقوبة إذا كانت الجريمة قد ارتكبت بدافع الانتقام أوالثأر كما رفض إعمالها على بعض مرتكبي الجرائم أثناء الإضراب لمجاوزة حدوده، وقد أشار بعض الفقه الفرنسي إلى ضرورة التعويل على العواطف كمسوغ لتخفيف العقوبة وإلى ضرورة الاعتداء بالباعث بصفة عامة كخطوة نحو الاعتداد بشخصية الجاني.
ونحن نؤيد صحة هذا الإتجاه ونرى ضرورة التعويل على الباعث في تقدير العقوبة، إذ لا يستوي من يسرق بضعة دنانير ليشتري بها خبزا يقيم بها أوده، مبن يختلس خزانة أؤتمن عليها بقصد اللهوواللعب.
ولا يستوي من يقتل ثأرا لإهانة مست شرف أمه أو أخته أو بنته أو زوجته، وبمن يقتل بريئا من أجل الاستيلاء على ثروته. والتعويل على الباعث في تقدير العقوبة ليس جديدا على القانون الجنائي، فهو يرجع إلى عهد القانون الكنسي، حيث كانت توحي مبادئ المسيحية بتلمس الشفقة بالجاني والتعويل على البواعث التي حدته إلى اقتراف الجرمية، ثم ما لبثت أن خمدت هذه المبادئ في العصور الوسطى وعصر الثورة الفرنسية إلى أن أريد لها تهيمن على مشروع سنة 1832 ، حيث بدأ ينظرإلى المجرم نظرة إنسانية ويعمل على إصلاحه ويتلمس له أسباب الشفقة، إلى أن ظهرت تعاليم المدرسة الوضعية فأعطت للبواعث قيمة كبرى ورفعتها إلى مصاف أركان الجرمية.
وبذلك نكون قد انتهينا من استجلاء أهم الضوابط التي يستعين بها القاضي في تقدير الجزاء الجنائي المتعلقة بالركن المعنوي للجرمية، و نكون كذلك قد انتهينا من عرض الضوابط التي نرى التعويل عليها بالنسبة للجرمية في مجموعها.
غير أن تطور الفلسفة الجنائية قد أوحى بضرورة التعويل ويختلف الباعث كذلك عن الغاية التى هى الغرض البعيد الذي يسعى إليه الفاعل مستعينا بجرميته، وهى بذلك لاحقة على الغرض من الناحية الزمنية.

ولإيضاح حقيقة المصطلحات القانونية المتقدمة نضرب المثال الأتي : وقع شاب في حب امرأة حسناء وثرية متزوجة من كهل ثري، راودته فكرة الزواج منها طمعا في جمالها ومالها، فدفعه هذا الطمع إلى قتل زوجها محققا بذلك الغرض الأول لمخططه الإجرامي، حتى يصفو له الجو، و يتمكن من الزواج بها، و إبتزاز ثروتها محققا في النهاية الغاية القصوى لهذا المحطط. في هذا المثال، يتمثل الباعث في الطمع في مال الغير، ويتحقق الغرض بالقتل، أما الغاية فهي سلب ثروته.

ويتضح من هذا المثال أن الباعث يختلف من جان إلى آخر ومن جريمة إلى غيرها، مغايرا بذلك فكرة القصد التى لا تختلف بإختلاف الجريمة أو الجاني. و تتمثل في جميع الأحوال في العلم و الإدارة. مع الإشارة إلى أن هناك فروقا جوهرية تفصل بين القصد والباعث، والتى يمكن إجمالها فيمايلي:
  1. — أن القصد واحد في كل جرمية بينما يتغير الباعث ويتعدد بطريقة لانهائية، ففي جرمية القتل يتمثل القصد في إرادة الجاني إزهاق روح ضحيته، أما الباعث فقد يكون لمجرد الطمع في ماله، أو لإشباع شهوة الانتقام، كما قد يكون للاثنين معا.
  2. — أن القصد لا يقبل التجزئة أوالتدرج, كأن يكون شريفا أو دنيئا بينما يقبل الباعث هذه التجزئة تماما، بل وتنص عليها بعض التشريعات صراحة.
  3. — أن المشرع لا يعول على الباعث في قيام الجرمية  فيما عدا ما تقدم من إستثناءات طفيفة في القانون الفرنسي بينما لا تقوم إلا بتوافر ركنها المعنوي الذي يعتبر القصد الجنائي إحدى صورتيه.

ثانيا : دورالباعث في تخفيف الجزاء
من المسلم به أنه ليس للباعث دخل في تكوين الجرمية، فهو والركن المعنوي أمران منفصلان، ومن المسلم به كذلك فقها وقضاة ضرورة التعويل عليه في تقدير الجزاء، إذ أنه يكشف عن قدر الخطورة التى تنطوي عليها شخصية الجاني، ولا صعوبة في تعليل ذلك، لأن الغرض في ذاته ليس ذا صفة غير مشروعة، ولا يمكن أن نخلع الصفة الجنائية على النشاط النفسي الباعث الذي إتجه إليها، بينما نكون في حالة القصد الجنائي بصدد نشاط نفسي إتجه إلى غرض غير مشروع، مما يبرر تأثيمة من جانب الشارع، وقد نصت على ذلك صراحة المادة 54 من المشروع الموحد،إذ قضت بأن الباعث هو:
(العلة الدافعة إلى الجرمية، و لا عبرة به في تكوين ركنها المعنوي إلا في الأحوال التي نص عليها القانون، ويكون أثره في تخفيف العقوبة أوتشديدها طبقا  للأحكام الواردة في القانون )
وقد عنيت بعض التشريعات بتعريف الباعث صراحز، كما اقتصر البععض الآخر على مجرد النص عليه كمعيار أوضابط يستعين به القاضي عند تقديرالجزاء.

وقد لا تكتفي بعض التشريعات بالنص على الباعث كمعيار لتقدير الجزاء و إنما تعمد إلى وصفه وصفا معينا، كما فعل المشرع الإيطالي، إذ يشترط أن يكون الباعث ذا قيمة أدبية و اجتماعية خاصة. و قد حاول القضاء الإيطالي تحديد المقصود بهذه العبارة نظرا لعدم تحديدها من جانب المشرع.
فذهب إلى أن المقصود بها تلك البواعث النبيلة أو السامية أوالتي تكون تطبيقا للأفكار والمفاهيم السائدة في ضمير المجتمع، وذهب بناء على ذلك إلى تخفيف العقوبة
على شخصية الجاني، وتلمس أسباب التخفيف فيها بقصد إصلاحه، فهل من ضوابظ يمكن للقاضي أن يأخذها بعين الاعتبار بالنسبة لشخصية الجاني.

المطلب الثاني : الضوابط المتعلقة بالجاني
من المسلم به أن الجرمبة فعل يصدر عن إنسان ينطوي على إضرار بالغير و بالمجتمع. و إذا كان القاضي حين يتصدى لتوقيع الجزاء من أجل تلك الجريمة يعول على مدى جسامتها ماديا و معنويا فيجب ألا يغرب عن باله أن يحاكم إنسانا ارتكب خطأ قاده إلى هاوية
الجريمة و يتعين أن يدرك كذلك أن هذه الجرمبة قد تكون نتيجة لجملة عوامل أوأسباب خاصة بشخصية الجاني، من شأنها أن تضعف من سيطرته على قدراته مما يبرر تخفيف الجزاء نظرا لضآلة خطورته. كما أن سلوكه عقب الجرمية قد يكشف عن ضآلة تلك الخطورة، إذا ما أظهر توبة صادقة عن جريمته وحاول إصلاح ما سببه من ضرر.
ومن ذلك يتضح أننا أمام نوعين من الضوابط بالجاني، يتعلق أولها بتلك الخاصة بصفاته وحالته العقلية والمعيشية، ويتصل ثانيها بما يصدرعنه من تصرف بعد الجرمية ينم عن توبته الإجيابية.

- الضوابط المتعلق بحالة الجاني :
إن المقصود بإصلاح حالة الجاني في هذا الصدد هوكل ما يتصل بشخصه من حيث سنه وحالته المعيشية والعقلية. فالكثير من التشريعات الجنائية تضع في اعتبارها حداثة سبن الجاني حتى يحضي بالذكر لكي يدخله القاضي عند تخفيف الجزاء، حيث توجب هذه القوانين تخفيف الجزاء إذا كانت سن الجاني تقل عن ثمانية عشر عاما. بل إن من التشريعات ما يعول على السن في مراحله المتأخرة كالقانون البرتغالي الذي يوجب تخفيف الجزاء إذا تجاوز سبن الجاني سبعين عاما.
كما تعول تشريعات أخرى على الحالة المعيشية للجاني بما فيها سلوكه السابق على الجريمة، فنجد القانون النمساوي المادة 2/46، 6 يشير إليه و إلى فقر الجاني، و كذلك القانون الدانماركي الذي يتحدث عن سوابق الجاني و حالته المعيشية المادة 70 والقانون اليوناني المادة 2/79 الذي يعتد بالوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الجاني، وحياته و سلوكه السابق و المعاصر للجريمة، والقانون السويسري المادة 64 والقانون البرتغالي المادة 1/39 الذي يشير إلى السلوك القويم للجاني السابق على الجريمة، و القانون الروسي الذي يسوغ تخفيف الجزاء لقسوة الظروف العائلية و الشخصية للجاني و لعدم إرتكابه جريمة من قبل المادة 2،3/38 والقانون الإيطالي المادة 133/ الشق الثاني بفقراته المختلفة الذي أجمل كل هذا.
كما عنت بعض التشريعات بالنص على الحالة العقلية للجاني معتبرة نقص الإدراك الناجم عن السكر أو تعاطي المخدرات ظرفأ مخففا، كالقانون النمساوي المادة 10/36 الذي يتحدث عن تعاطي المخدرات، والقانون النرويجي المادة 56/ب الذي يتحدث كذلك عن الهياح العاطفي ونقص الشعور الناشئين عن السكر،و إهتمت بعض التشريعات العربية بذلك كالقانون السوري المادة 234 و اللبناني المادة 233 والليبي المادة 74.
وتهتم بعض التشريعات بما يترتب على هذا التقص في الملكات الذهنية من آثار، أهمها قابلية الجاني للاستفزاز جاعلة بذلك منه مبررا كافيا لتخفيف الجزاء.

وهنا نشير إلى أن الفقه لم يحاول تأصيل الضوابط محل البحث التى تبرر تخفيف العقاب، لكون أنه لا ينكن حصرها، تاركا للقضاء سلطة إستظهارها حسب ظروف كل حالة على حدة، و هكذا يدخل سن الجاني وحالته المعيشية والعقلية ومسلكه السابق والمعاصر للجريمة في تقدير القاضي عند تحديد مدى جدارته بالجزاء الجنائي ومقدار هذا الجزاء.

- الضوابط المتعلق بسلوك الجاني اللاحق على الجريمة :
فهذه الضوابط مرتبطة أساسا بمجموع التصرفات التى يقوم بها الجاني عقب إرتكاب الجريمة نحوالسلطات العامة ونحو المجني عليه وذويه.
أما تصرفه نحو السلطات العامة فيتمثل في التبليغ والإعتراف بالجريمة. والمقصود بالتبليغ إخبار السلطة العامة عن وقوع الجريمة و الإرشاد عن مرتكبيها بغية تتبعهم والقبض عليهم تمهيدا لمحاكمتهم، أماالاعتراف فيعني إدلاء الجاني بكافة المراحل التى مرت بها الجريمة سواء ما تعتق منها بمادياتها أومعنوياتها، إذ قد يؤدي مثل هذا الاعتراف إلى إسداء خدمة عامة للدولة، كما هو بالنسبة لجرائم أمن الدولة و الإتفاق الجنائي و تزييف العملة، تبررتخفيف العقاب على من أدلى به، وقد يكون هذا الاعتراف الدليل الوحيد القائم في الدعوى، و لذا فإن الاعتراف الصادق الذي يتقدم به المتهم طائعا مختارا يكون خير معين للمحكمة على تكوين عقيدتها و حكمها.
و قد حرصت بعض التشريعات الجنائية على ذلك صراحة ومن ذلك التشريع العقابي الجزائري.
أما تصرفه نحو المجني عليه وذويه فيأخذ عدة صور منها: تعويض الضرر الناجم عن الجرمبة، أو إنقاذ المجتي عليه، أو إعادة المسروقات قبل المحاكمة.
فلا شك أن هذا المسلك الذي يقوم به الجاني يكشف عن قدر ضئيل من الخطورة لديه يبرر تخفيف العقاب بالنسبة له.

الخاتمة
لا شك أن تخفيف العقاب بإعطاءالقاضي صلاحية تخفيف العقوبة إذا وجد أن هناك أسباب مخففة تدعو إلى ذلك، هو تجسيد لفكرة تفريد العقوبة وتعميق لها. ذلك أن المشرع لا يكتفي بوضع عقوبة تتراوح بين حدين، بل أعطى للقاضي سلطة النزول بالعقوبة عن حدها الأدنى بإستعمال الظروف المخففة، إذا وجد أن تطبيق العقوبة المنصوص عليها في القانون لا يحقق العدالة والإنسجام بين جسامة الجريمة والعقوبة.
وبالرغم من أن؛ نظام تخفيف العقوبة يحقق تفريد قانوني وقضائي يعطي القاضي سلطة تقديرية لتخفيف العقوبة و النزول بها إلى ما دون حدها الأدنى، إلا أن؛ هذه السلطة الممنوحة للقاضي لا يمكن إعتبارها شكل من أشكال الرأفة للمتهم، و إنما يوصف تخفيف العقوبة، لتوافر الظروف المخففة بأنه أسلوب تشريعي يمنح القاضي من خلاله سلطة معينة لسد بعض ثغرات القانون الجزائي إذا تبين أن عقوبة الجريمة المقررة في القانون لا تتناسب مع درجة خطورة مرتكب هذه الجريمة و لا مع الملابسات المحيطة بها، ذلك أن قانون العقوبات لا يمكنه أن ينص على جمبع الوقائع و الشروط و الأدوات المستعملة في كل جريمة و إنما ينص القانون على ما يراه مهما لقيام الجريمة.
وإذاكان تخفيف العقوبة هوأحد وسائل التفريد العقابي، إلا أن القاضي يجب أن لا يلجا إليه إلا إذا وجد ما يبرر ذلك، ضمن حدود وضوابط معينة حتى لا يصبح تخفيف العقوبة أسلوب رأفة وعطف على الجاني لأن، من شأن ذلك التأثير على القوة الرادعة للعقوبة.


تم تحرير الموضوع بواسطة :آفاق المستقبل
بتاريخ:20-01-2016 11:37 مساء






الكلمات الدلالية
السلطة ، التقديرية ، للقاضي ، الجنائي ،


 







الساعة الآن 02:34 صباحا