أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في المحاكم والمجالس القضائية ، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





بحث الانكحة الفاسدة

بحث حول الأنكحة الفاسدة المبحث الأول : نكاح المتعـــة المبحث الثاني : نكاح الشغار المبحث الثالث : نكاح المحلل المبحث الر ..



18-05-2018 10:34 مساء
آفاق المستقبل
rating
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 16-11-2014
رقم العضوية : 1154
المشاركات : 258
الجنس : ذكر
قوة السمعة : 150
المستوي : ليسانس
الوظــيفة : متربص
 offline 



بحث حول الأنكحة الفاسدة
المبحث الأول : نكاح المتعـــة
المبحث الثاني : نكاح الشغار
المبحث الثالث : نكاح المحلل
المبحث الرابع : الجمع بين المحارم
المبحث الخامس : زواج المسيار
المبحث السادس : نكاح ما زاد فوق العدد الشرعي
المبحث السابع : نكاح المعتدة من الغير


مـــقدمة :
يقول الله عز وجل: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم " سورة النور, الآية رقم: 32.

تعرض المشرع الجزائري إلى الأنكحة الفاسدة والباطلة في الفصل الثالث من المادة رقم: 32 إلى المادة رقم: 35 التي مسها التعديل.
مع ملاحظة أن القانون رقم: 11/84 في مواده رقم: 32, 33, 34 تعرض للفساد والبطلان, دون أن يحدد لها معنى خاص في مسمى العقود وكان أولى أن يحدد حالات البطلان التي يفسخ فيها العقد سواء تم الدخول أو لم يتم, كردة الزوجين والزواج بالمحارم والرضاع, فهذا مما يفسخ العقد مطلقا, أما المادة رقم: 35 من القانون رقم: 84/11 فقد إعتبر الشرط الذي يتنافى ومقتضيات العقد باطلا, والعقد صحيح وبالتالي فمن النكاح الفاسد حسب النصوص.

إذا توفر سبب من أسباب البطلان والفسخ وذلك قبل الدخول.
وفي المادة رقم: 32 من القانون رقم: 84/11 بيّن المشرع أسباب الفساد إعتبارا أن كل عقد إختل منه ركن أو إشتمل على مانع أو شرط منافي, وتبيّن أمره قبل الدخول ومن ثم تكون أسباب الفسخ كالتالي.
- فقدان ركن وتبيّن أمر هذا الزواج قبل الدخول فُسخ.
- إذ إشتمل الزواج على مانع كالأخوة من الرضاعة أو إعتداد الزوجة, فسخ إذا تبيّن أمره قبل الدخول.
- إذا إشتمل العقد على شرط منافي كإشتراط عدم الإنجاب, فإن كان قبل الدخول كان النكاح فاسدا أو يفسخ, ويثبت بعد الدخول بصاق المثل مع بطلان الشرط والعقد صحيح.
ويتضح أن بين البطلان والفساد خصوص وعموم, فكل نكاح باطل يكون فاسدا ولو تبين أمره قبل الدخول وليس سبب للفسخ, هو سبب للبطلان, إذ أن المشرع نص على فساد النكاح بفقدان شرط من الشروط مع تبين أمره, وذلك مفاضلة بين مصلحتين وحفاظا منه على البناء الأسري, لذلك جاء التعديل في الأمر رقم: 05/02 لتحرير تلك التناقضات.
كما يمكن الإشارة إلى أن هناك بعض الأنكحة لم يشر لها القانون, وبالتالي الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية وهذا حسب نص المادة رقم: 222 من القانون رقم: 84/11." كل ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية " (1).

المبحث الأول : نكاح المتعـــة.
إن أهم وأعظم حكم النكاح حفظ التناسل عن طريق التكاثر, ولما كان هذا الهدف لا يتحقق إلا بالعشرة بين الزوجين والتي لا بد أن تكون مطلقة المدة, بإعتبار أن عقد الزواج هو عقد مؤبد لا تنفك عقدته إلا بالطلاق, فإن أي إشتراط للتأقيت يعرض هذا النكاح إلى الفساد.

المطلب الأول: تعريف نكاح المتعة لغة وفقها.
الفرع الأول : متّع تدور حول معنى التلذّذ والإنتفاع.
قال في القاموس: المتعة بضم الميم, وحكي كسرها إسم للتمتع كالمتاع, وإن تزوج إمرأة تتمتع بها أياما ثم تُخلي سبيلها, وأن تضم حجا إلى عمرتك (2).
الفرع الثاني: فقـــــها.
قال القرطبي: قال أبو عمر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه, والفرقة تقع عند إنقضاء الأجل من غير طلاق (3).
------------------------
(1)- القانون رقم: 11/84 المتضمن قانون الأسرة الجزائري, المعدل والمتمم بالأمر رقم: 02/05.
(2)- مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي, المتوفى سنة 817هـ, القاموس المحيط, مطبعة المؤسسة العربية, ص86.
(3)- لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي, المتوفى سنة 671هـ, الجامع لأحكام القرآن الكريم, دار الكتاب العربي, الطبعة الثالثة, ص132.

وعرفه الشيخ محمد الحامد: هو أن ينكح الرجل المرأة بشيء من المال مدة معينة, ينتهي النكاح بإنتهائها من غير طلاق, وليس فيه وجوب نفقة وسكن, وعلى المرأة إستبراء رحمها بحيضتين, ولا توارث بينهما إن مات أحدهما قبل إنتهاء النكاح (1).
ومن هذين التعريفين نستنتج بأن المتعة تخالف النكاح الشرعي فيما يلي:
-  المتعة مؤقتة بزمن, بخلاف النكاح الشرعي الأبدي.
-  عدم توارث بين زوجي المتعة بعكس النكاح الشرعي فإن الزوجة ترث.
-  لا طلاق يلحق بالمرأة المتمتع بها, بل تقع الفرقة بإنقضاء المدة المتفق عليها عكس الطلاق في الزواج الشرعي.
-  المتمتع بها لا تجب لها النفقة إلا في حدود الإنفاق عكس نفقة الزوجة اللازمة ما لم تكن ناشزا.
- الولي والشهود ليسا شرطا صحة بخلاف النكاح الصحيح.

المطلب الثاني : حكم نكاح المتعة.
يتفق الفقهاء على تحريم نكاح المتعة.
الفرع الأول : الدليل من الكتاب.
قال تعالى:" والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن إبتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) " سورة المؤمنين.
وجه الدلالة من الآية أن من صفات المؤمنين المفلحين أنهم حافظون لفروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانكم لا لوم عليهم في ذلك.
والمرأة المستمتع بها في نكاح التأقيت ليست زوجة ولا مملوكة.
وأما الدليل على كونها غير زوجة, فهو إنتفاء لوازم الزوجية عنها, كالميراث والعدة والطلاق والنفقة, فلو كانت زوجة لورثت وإعتدت ووقع عليها الطلاق ووجبت لها النفقة, فلما إنتفت عنها لوازم الزوجية, علما أنها ليست بزوجة, لأن نفي اللازم يقتضي الملزمون بإجماع العقلاء (2).
وبهذه الآية الكريمة إستدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على تحريم نكاح المتعة, عندما سُئلت عنه, فقد أخرج الحاكم عن إبن الجمحي قال: " سمعت عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة يقول: سألت عائشة رضي الله عنها عن متعة النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب الله, وقرأت هذه الآية الكريمة من سورة المؤمنين, وعليه فمن إبتغى وراء ما زوجه الله أو ملكه فقد ظلم " (3).

الفرع الثاني: الدليل من السنة.
عن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الإستمتاع من النساء, وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة, فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا (4).
وقد قال النووي: وفي هذا الحديث التصريح بالمنسوخ والناسخ في حديث واحد من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كحديث: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " وفيه التصريح بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة.
----------------------
(1)- إبن حجر العسقلاني, المتوفى سنة 857 هـ, المطبعة السلفية بتصحيح محب الدين الخطيب, ص05.
(2)- محمد الأمين الشنقيطي, المرجع السابق, ص772.
(3)- أبي بكر جابر الجزائري, أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير, مكتبة لينة, دمنهور, ص842.
(4)- إبن زكريا يحي إبن شرف النووي, المتوفى سنة 676هـ, شرح صحيح مسلم, المطبعة الكدية ومكتبتها, ص189.

ويلاحظ القارئ لألفاظ الحديث " أذنت لكم في الإستمتاع " إن هذا الإذن قد سبقه تحريمها, أي إنها تكرر نسخها, لأنه ثبت تحريمها في غزوة خيبر, فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر, وعن كل لحوم الحُمر الإنسية.
وكذلك ما روي عن غبن شهاب عن عروة بن الزبير أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت: إن ربيعة بن أمية إستمتع بإمرأة فحملت منه, فخرج عمر بن الخطاب فزعا يجُر رداءه فقال: هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت (1).
فقد كانت المتعة مباحة قبل خيبر لعزوبة بالناس كانت شديدة, ونذكر بأن هذا الترخيص إنما كان في أسفارهم في الغزو وعند ضرورتهم وعدم النساء, وإنما أباحه هنا الرسول عليه الصلاة والسلام, إلا أنه لم يبحه لهم في بيوتهم ولهذا نهاهم عنه غير مرة, ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمها عليهم في آخر أيامه صلى الله عليه وسلم, وذلك في حجة الوداع وكان تحريم تأييد لا تأقيت.

الفرع الثالث : الدليل من القانون.
بالنسبة للمواد رقم: 32, 33 من القانون رقم: 84/11 والتي مسّها التعديل ومتعلقة بالنكاح الفاسد والباطل, والتعديل الذي مس المادة رقم: 32 " يفسخ النكاح إذا إختل أحد أركانه أو إشتمل على مانع أو شرط يتنافى ومقتضيات العقد ", فهنا لم يذكر الموانع كلها, فزواج المتعة باطل لغياب نيّة التأبيد رغم توفر جميع الأركان وخلوه من الموانع الشرعية (2).

المبحث الثاني : نكاح الشغار.
إن المهر هو حق من حقوق الزوجة على زوجها, فهو يدفع المال إبانة لشرف عقد الزواج, وقد أمر الله تعالى الأزواج بأن يدفعوا المهور للنساء فقال:" وآتوا النساء صدُقاتهن نحلة " سورة النساء الآية رقم: 04.
ولكن ومع أن المهر حق لازم للمرأة وأثر من آثار العقد الصحيح, إلا أنه ليس شرط صحة, فلو خلا العقد من ذكر المهر صحّ, ووجب لها مهر المثل, لكن إن كان هناك إتفاق على نفي المهر, فما الحكم في مثل هذه الحالة؟ ومن صور هذه المسألة نكاح الشغار الذي نحن بصدد الكلام عليه (3).

المطلب الأول: تعريف نكاح الشغار.
الفرع الأول : لغــــــــــة.
الشغار بكسر الشين : أصله في اللغة الرفع, يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول.
وفي القاموس : الشغار بالكسر, أن يتزوج الرجل إمرأة على أن يزوجك أخرى بغير مهر, صداق كل واحدة بضع الأخرى (4).
قيل إنما سُمي شغارا لقبحه, تشبيها بقبح الكلب حين يرفع رجله ليبول, أو كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك, وقيل: هو من شغور البلد إذ خلا, لخلوه من الصداق.
وسواء قلنا هو مأخوذ من شغر الكلب, أو البلد, فإن التسمية لها وجهها في كل منهما, فهو خال عن الصداق والرفع فيه موجود (5).
-----------------------------------
(1)- أحمد راتب عمروش موطأ الأمام مالك, رواية يحي الليثي ص296.
(2)- القانون رقم: 84/11 المتضمن قانون الأسرة المعدل والمتمم بالأمر رقم: 05/02.
(3)- كمال الدين إبن الهمام, المتوفى سنة 861هـ, شرح فتح القديم, مطبعة مصطفى البابي الحلبي, ص316.
(4)- صحيح مسلم مع النووي, المرجع السابق, ص200, 201.
(5)- الفيروز أبادي, المرجع السابق, ص62.


الفرع الثاني : فقهــــا.
لقد قسم الفقهاء نكاح الشغار إلى صورتين:
الأولى : أن يزوج الرجل الرجل إبنته على أن يزوجه الرجل الآخر إبنته, وليس بينهما صداق أو أن يضع كل واحد منهما صداق الأخرى.
والملحوظ هنا أن العقد خال من الصداق وقد جعل البضع مقابلا للبضع الآخر وليس المقضي بالبطلان هنا هو خلق العقد من تسمية المهر وإنما هو جعل البضع صداقا (1).
الثانية : أن يشترط كل من الوليين على الآخر أن يزوجه وليته, وعليه فإن المقتضي للنهي هو التعليق والتوفيق, فكأنه يقول له: لا ينعقد نكاح إبنتي عليك حتى ينعقد نكاح إبنتك علي, وهذه الصورة هي نوع من الشغار.
والصورة الكاملة لنكاح الشغار هي أن يقول: زوجتك إبنتي على أن تزوجني إبنتك, على أن يكون بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى, ومهما إنعقد نكاح إبنتك ولا يكون مع البضع شيء آخر (2).

المطلب الثاني : حكم نكاح الشغار.
سنتناول حكمه في المذهب الحنفي وفي المذهب المالكي, فبالرغم من إجماع جميع الفقهاء على ثبوت النهي عن هذا الضرب من الأنكحة إلا أن الخلاف دار حول كون النهي يقتضي البطلان أولا يقتضيه؟.
الفرع الأول : مذهب الحنفية.
صورة الشغار عندهم هي أن يزوج الرجل أخته لآخر على أن يزوجه الآخر أخته أو يزوجه إبنته على أن يزوجه إبنته.
فأساس الشغار عندهم خلوه من التسمية, أما إذا وجدت فلا شغار, وقالوا في حكمه: العقد صحيح, لأن النكاح مؤبد أدخل فيه شرطا فاسدا, حيث أشترط فيه أن بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى, والبضع لا يصلح مهرا, فيبطل ذلك الشرط ويصح عقد الزواج, ويجب لكل واحدة منهما مهر المثل, ولا موجب لإبطاله لأنه شرط فاسد إقترن به, والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة (3).
وحُكي عن عطاء وعمر بن دينار ومكحول والزهري والثوري, أنه يصح وتفسد التسمية, ويجب مهر المثل, لأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد, كما لو تزوج شخص وكان مهره حرام كخمر أو خنزير (4).
الفرع الثاني: مذهب المالكية :
يقسم المالكية الشغار إلى قسمين ولكل ضابطه:
الأولي : يسمى وجه الشغار.
والثاني : يسمى صريح الشغار.
وضابط الأول: أن ينكر المهر والشرط كأن يقول: زوجني أختك بمائة على أن أزوجك أختي بمائة, وحكم العقد بهذه الصيغة الفساد, هذا إن وقع على وجه الشرط أي تزويجا مشروطا بتزويج, أما إذا لم يقع على وجه الشرط بل على وجه المكافأة من غير توقف أحدهما على الآخر, فذلك جائز.
كأن زوجه أخته أو إبنته فكافأه الآخر بمثل ذلك, من غير أن يفهم توقف أحدهما على الآخر وضابط صريح الشغار.وهو أن يُنكر المهر ويُنكر الشرط, مثاله: زوجني أختك أو إبنتك على أن أزوجك أختي أو إبنتي.
----------------------------------------------------------------
(1)- أحمد راتب عمروش, المرجع السابق, ص153.
(2)- أبو حامد الغزالي, المرجع السابق, ص163.
(3)- علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي, المتوفى سنة 587هـ, بدائع الصنائع, مطبعة العاصمة, القاهرة, ص143.
(4)- لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قامة,المتوفى سنة 620هـ, المعني, مطابع سجل العرب, المطبعة الأولى 1389 هـ, بتحقيق عبد الوهاب فايد وعبد القادر أحمد عطاء, ص176.

ووجه التسمية للقسم الثاني صريحا, لخلوه من الصداق وهو فاسد أيضا.
ويلاحظ هنا أن الفساد عندهم ليس منشؤه خلو النكاح من الصداق, ولكن منشأ الفساد وجود شرط في صيغة العقد (1).

الفرع الثالث : من القانون.
المادة رقم: 35 من القانون رقم: 84/11 نصت على أنه "إذا إقترن عقد الزواج بشرط ينافيه كان ذلك الشرط باطلا والعقد صحيحا ".
ونجد أن في زواج الشغار رغم أن أركانه موجودة وشروط إنعقاده ونفاذه ولزومه, لكنه باطل لوجود توافق الإرادتين على إسقاط المهر (2).

المبحث الثالث : نكاح المحلل.
قال تعالى: " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " سورة البقرة الآية رقم: 229.
وقال أيضا:" فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " سورة البقرة الآية رقم: 230.
ومنه نستنتج تحريم المطلقة ثلاثا صريحا في القرآن (3).

المطلب الأول : تعريف نكاح المحلل.
الفرع الأول : لغــة.
حلّ العقدة فتحها فإن حلّت, والتحليل: الزوج, والحليلة: الزوجة, والمحلل في النكاح الذي يتزوج المطلقة ثلاثا حتى تحل للزوج الأول (4).
الفرع الثاني: فقـها.
هو أن يتزوج الرجل المطلقة ثلاثا حتى إذا حلّها لمطلقها بعد وطئها طلقها, وبم أن الأصل في الزواج الصحيح أن يكون قائما على الرغبة من الجانبين للعيش الدائم وتكوين الأسرة, فتقييده بوقت جعل منه فاسدا.
ولكن الناس فهموا الأمر على غير حقيقته, فظنوا أن زواج الزوج الثاني ليس مقصودا, لذاته, وإنما قصد به تحليل المرأة لزوجها الأول, فكان ما يحدث كثيرا إن يقع هذا الزواج بقصد التحليل, أما مجرد النية والقصد عند العقد من غير أن يصدر منهما كلام يدل على ذلك القصد, وأما مع إشتراطه أثناء العقد أو قبله, كأن يقول لها: تزوجتك على أن أحلك لمطلقك مما جعل الفقهاء يبحثون في هذا العقد من جهة صحته, وأنه يحقق التحليل أولا؟ (5).

المطلب الثاني : حكم نكاح المحلل.
الفرع الأول: رأي الحنفية.
فصلوا في المسألة بين ما إذا كان التحليل مجرد نية لم يوجد ما يدل عليها أثناء العقد, وبين ما إذا كان مشروطا فيه.
فإذا كان منويا فقط صح العقد وأفاد الحل إذا تم على الوجه المرسوم شرعا لعدم وجود ما يؤثر في العقد بالفساد.
-----------------------------------------
(1)- أحمد راتب عمروش, المرجع السابق, ص260, 261.
(2)- القانون رقم: 84/11 المتضمن قانون الأسرة المعدل والمتمم بالأمر رقم: 05/02.
(3)- الدكتورة نشوى العلواني, المرجع السابق, ص142.
(4)- الدكتور سليمان الأشقر, المرجع السابق, ص250.
(5)- محمد مصطفى شلبي, المرجع السابق, ص512.

أما إذا إشترط فيه فهذا الزواج صحيح, لأن هذا الشرط فاسد والزواج لا يفسد بالشروط الفاسدة, فيلغي الشرط وحده ويبقى العقد صحيحا ولكنه يكون مكروها للحديث: " لعن الله المحلل والمحلل له ".
وإذا كان العقد صحيحا فللزوج الثاني البقاء مع زوجته لا يستطيع أحد مفارقتهما, فإذا فارقها بإختياره أو مات عنها وإنتهت عدتها حلت للأول بهذا الزواج (1).

الفرع الثاني : مذهب المالكية.
قالوا: أن تزوج إمرأة إبنها زوجها بنية أحلالها, أو بنية الإحلال مع نية الإمساك إن أعجبته, بأن نوى التحليل إن لم تعجبه وإمساكها إن أعجبته, فإن نكاحه يفسخ قبل الدخول وبعده, ولا تحل بوطئه لمبتها (لمطلقها), لإنتفاء نية الإمساك للمطلقة المشترطة شرعا في الإحلال, لما خالطها من نية التحليل إن لم تعجبه, فلما إنتفت نية الإمساك على الدوام المقصود من النكاح, وجب التفريق بينهما قبل البناء وبعده (2).
وأما لو شرط عليه أن يحلها لزوجها الأول, ووافق على ذلك ظاهرا ونوى إمساكها على التأييد, فالنكاح صحيح لحصول المقصود منه, وهو الإمساك على الدوام.
فالحاصل أن المالكية يرون أنها لا تحل حتى يتزوجها بالغ زواج رغبه, لم يقصد به التحليل, فإن قصده فسخ قبل الدخول وبعده ولم يحل, ولا أثر لنية المطلق البات التحليل كما لا أثر لنيتها لذلك, لأن القصد المؤثر هو قصد المحلل, ويؤخذ من ذلك أنه لا فرق بين أن يذكر شرط التحليل في صلب العقد وقبله, إذ الحكم يدور على نية المتزوج فإن كان نكاح رغبه فصحيح وإلا وجب الفسخ قبل الدخول وبعده (3).

الفرع الثالث : الرأي المختار.
الصورة الأولى : إذا إشترط عليه في صلب العقد أن يطلقها بعد إصابتها لتحل للأول (لزوجها الأول) فهذه ظاهرة البطلان, وذلك أنه إشترط في صلب العقد ما ينافيه.
الصورة الثانية : وهي فيما إذا حصل التواطؤ على ذلك قبل العقد, ولا يذكر لفظا في صُلب العقد, ولكنه منوي معلوم.
فهذه أيضا ظاهرة البطلان, ولأنه نكاح شُرط إنقطاعه دون غاية, فشابه نكاح التأقيت, ولأن الألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على المعاني, فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ, إذ هي وسائل لها(4).
ويؤكد ذلك ما رُوي عن إبن عباس رضي الله عنه حين جاءه رجل, فقال له: إن عمي طلق إمرأته ثلاثا أيُحلها له رجل؟ قال: " من يُخادع الله يخدعه " (5).
الصورة الثالثة: وهي باطلة أيضا, وهي أن ينوي المحلل بقلبه أن يتزوج المرأة البائنة بعد إنقضاء عدتها, وفي نيته أنه متى دخل بها طلقها لتحل لزوجها, من غير أن تعلم المرأة ولا وليها بذلك, لأن هذا الإضمار يُؤثر في صحة النكاح ويبطله, لأنه من التحليل الملعون صاحبه, ولأن من شرط النكاح أن يكون نكاح رغبه في الزوجة, والدافع هنا هو التحليل.
--------------------------------------------
(1)- محمد مصطفى شلبي, المرجع السابق, ص513.
(2)- الكاساني, المرجع السابق, ص196.
(3)- لأبي عبد الرحمان أحمد بن شعيب بن علي النسائي, المتوفى سنة 303هـ, سنة النسائي , المطبعة المصرية بالأزهر, الطبعة الأولى, 1338, بشرح جلال الدين السيوطي وحاشيته, الإمام سندي, ص216.
(4)- إبن تيمية, إقامة الدليل على إبطال التحليل, ص198 ضمن الفتاوى.
(5)- الإمام محمد الرازي, المرجع السابق, ص266.

قال الشوكاني: عند تفسيره لقوله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " هنا في الآية دليل على أنه لا بد وأن يكون ذلك نكاحا شرعيا مقصودا لذاته, لا نكاحا غير مقصود لذاته, بل حيلة للتحليل وذريعة إلى ردها إلى الزوج الأول, فإن ذلك حرام (1).
الصورة الرابعة: وهي إذا شُرط عليه الطلاق بعد الإصابة لكنه غيّر رأيه في نفسه وعقد عليها, وفي نيته أنه نكاح رغبه فلا ينوي تحليلها لزوجها الأول, ولا تطليقها بعد الدخول, فإن هذا العقد صحيح, ذلك أنه خلا من نية التحليل وشرطه, ولأن الزوج هو الذي إليه المفارقة والإمساك, فمتى كان الدافع له على النكاح إنما هي الرغبة صحّ.
ولأنه لم ينو التحليل, فلا يقع عليه اللعن, ويؤكد ذلك قول إبن عمر رضي الله عنه: " لا الإنكاح رغبة " لمن سأله أن يُحل إمرأة لزوجها دون علم أحد (2).

الفرع الرابع : دليله من القانون.
وقد أشارت المادة رقم: 51 من القانون رقم: 84/11 إلى الزواج المحلل: " لا يمكن أن يراجع الرجل من طلقها ثلاث مرات متتالية إلا بعد أن تتزوج غيره وتطلق منه أو يموت عنها بعد البناء ".
وبالتالي, فالطلقات الثلاثة المتتالية عبارة عن أحكام قضائية صادرة, تمنع مراجعة الزوج لزوجته حتى تتزوج زوجا آخر, على أن لا يكون زواج تحليل للزوج الأول, إلى أن تطلق منه أو يموت عنها بعد البناء, وبالتالي فالمشرع الجزائري قد منعه زواج المحلل.

المطلب الثالث : الحكمة من كون المطلقة ثلاثا لا تحل إلا بعد أن تنكح زوجا غيره.
قال أهل التفسير: والحكمة في ذلك أنه إذا علم المطلق أنه لا يستطيع مراجعة المطلقة, إلا بعد أن يفترشها غيره إن طلقها أو مات عنها فإنه يرتدع, لأنه مما تأباه غيرة الرجال وشهامتهم.
وإن الذي يطلق زوجته ثم يشعر بالحاجة إليها, فيرتجعها نادما على طلاقها, ثم يمقت عشرتها بعد ذلك فيطلقها, ثم يبدو له ويترجّح عنده عدم الإستغناء عنها قيرتجعها ثانية, فإنه يتم له بذلك إختيارها لأن الطلاق الأول ربما جاء عن غير روية تامة, ومعرفة صحيحة منه بمقدار حاجته إلى إمرأته, ولكن الطلاق الثاني لا يكون كذلك, لأنه لا يكون إلا بعد الندم على ما كان أولا والشعور بأنه كان خطأ.
لذلك قلنا أن الإختيار يتم به, فإذا هو راجعها بعده كان ذلك ترجيحا لإمساكها على تسريحها, ويُبعد أن يعود إلى ترجيح التسريح بعد أن رآه بالإحتيار التام مرجوحا, فإذا هو عاد وطلق ثلاثة كان ناقص العقل يستحق التأديب, فلا يستحق أن تُجعل المرأة كرة بيده يقذفها متى شاء, بل تكون الحكمة أن تبين منه ويخرج أمرها من يده, لأنه علم أن لا ثقة بإلتآمها, إقامتها حدود الله تعالى, فإن إتفق بعد ذلك إن تزوجت رجلا آخر عن رغبة, وإتفق إن طلقها الآخر أو مات عنها ثم رغب فيها الأول واجب أن يتزوج بها, وقد علم أن صارت لغيره ورضيت بالعودة إليه, فإن الرجاء في إلتآمهما وإقامتهما حدود الله يكون حينئذ قويا جدا, ولذلك أحلت له بعد العدة (3).

المبحث الرابع : الجمع بين المحارم.
إن الجمع بين المحارم هو الجمع في النكاح بين إمرأتين لو قدرت إحداهما ذكرا حرمت الأخرى, كأن يتزوج رجل إمرأة ثم يتزوج أختها, أو عمتها أو خالتها (4).
-----------------------------------
(1)- لمحمد بن علي الشوكاني, المتوفى سنة 1250هـ, فتح القدير, مطبعة مصطفى البابي, الطبعة الثالثة, 1383, ص239.
(2)- الكاساني, المرجع السابق, ص223.
(3)- لمحمد رشيد رضا, تفسير المنار, دار النشر, بيروت, الطبعة 12, ص20.
(4)- الفيروز أبادي, المرجع السابق, ص86.

الفرع الأول : الدليل من القرآن.
الأصل في تحريم الجمع بين محرمين قوله عز وجل: " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " سورة النساء الآية رقم: 23.
وقوله أيضا: " حُرّمت عليكم أمهاتكم "
وبالتالي, فقد حرم الله عز وجل الجمع بين الأختين إلا ما كان منكم في جاهليتكم وكذلك الجمع بين سائر المحارم, وذلك لأنه إذا كان الجمع بين الأختين حراما خشية إيحاش قلبها بالعداوة بينهما (1).
الفرع الثاني : الدليل من السنة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها, ولا المرأة على خالتها, ولا الخالة على بنت أختها, ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى ".وقال أيضا أبو عيسى حديث إبن عباس وأبي هريرة حديث حسن صحيح, والعمل على هذا عند عامة أهل العلم, لا نعلم بينهم إختلافا أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها, فإن نكح إمرأة وعمتها أو خالتها أو العمة على بنت أخيها, فنكاح الأخرى منهما مفسوخ وبه يقول عامة أهل العلم (2).
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يدخل الجنة قاطع رحم " فلذلك منع هذا الجمع حتى وإن رضيت الأولى بنكاح قريبتها, فإنه لا يحل أيضا لأن الطبع يتغيّر(3).

المطلب الثاني : الجمع بين المرأة وإحدى محارمها.
لا يجوز الجمع بين المرأة وبين عمتها وبينها وبين خالتها, سواء كانت العمة والخالة حقيقة أو مجازا, كعمات آبائها وخالتهم وعمات أمهاتها وخالاتهن وإن علت درجتهن من نسب أو رضاع, لأن العمة بمنزلة الأم لبنت أخيها والخالة بمنزلة الأم لبنت أختها, وتحريم الجمع بين من ذكر موضع إتفاق بين جمهور أهل العلم, منهم الأئمة الأربعة, والشرط عندهم في تحقيق الجمع أن تكون الحرمة ثابتة من الجانبين, وهو أن يكون كل واحد منهما لو قدرت ذكرا حرمت الأخرى.
فإن فرضت الصغرى ذكرا حرمت العمة أو الخالة وإن فرضت الكبرى ذكرا حرمت عليه البنت لأنها إبنة أخته (4).
ونجد أن هذه القاعدة قد إحتوت على صورتان هما :

الفرع الأول : إذا كان فرض إحداهما يحرم الأخرى دون العكس.
لو إفترضنا أن نبق الزوج ذكر له المرأة لأنها زوجة أبيه, فتحرم ولا يتأتى إفتراض العكس فتنعدم هذه الصورة.وقد روي البيهقي بسنده إلى الشافعي, قال حدثنا إبن عُيينة عن عمر بن دينار أن عبد الله بن صفوان , جمع بين إمرأة رجل من شقيق وإبنته أي من غيرها (5).
قال البخاري: " وجمع عبد الله بن جعفر بين إبنة علي وإمرأة علي ", ورواه الدار قطني عن قتم مولى إبن عباس قال: تزوج عبد الله بن جعفر إبنة علي وإمرأة علي النهشلية(6).
-------------------------------------------
(1)- أبو زهرة, محاضرات في عقد الزواج وآثاره, ص127, 128.
(2)- لإبن عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترميذي, المتوفى سنة 297, سنة الترميذي بتحقيق محمد فؤاد, 03/424 رقم: 1126, مطبعة البابي الحلبي الثانية ص 220.
(3)- أخرجه أبو داود 2/323 حديث رقم: 1696, المرجع السابق, ص1696.
(4)- الكاساني, المرجع السابق, ص03/1398.
(5)- لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي, متوفى سنة 458هـ, السنن الكبرى, مطبعة دار صادر, بيروت, وبذيله الجوهر النفي بن عثمان المارديني 7/620.
(6)- لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفري, المتوفى سنة 256هـ, صحيح البخاري, المطبعة السلفية بتصحيح محب الدين الخطيب, مع النووي, 9/153.

الفرع الثاني : عدم تأتي إفتراض الذكورية في الشق الثاني.
الجمع بين المرأة وزوجة أبيها, فإننا لو فرضنا المرأة رجل لما جاز له أن ينكح زوجة أبيه هذا هو الشق الأول, والشق الثاني, زوجة الأب, فلا يمكن إفتراضها ذكرا لأنا لو إفترضناها ذكرا لا يمكن أن نعتبرها في هذه الحالة زوجة أب, ومثل ذلك المرأة وزوجة إبنها, فلو إفترضنا أن المرأة ذكر لحرم عليه زوجة إبنه ولا يتأتى إفتراض زوجة الإبن ذكرا, لأنه يخرجه عن كونه زوجة إبن.
وزفر يرى حرمة الجمع بينهما في هاتين الصورتين, لأنه إكتفى من القاعدة في تحقيق الحُرمية بوجود التحريم, إفتراضا في شق واحد, فيحرم الجمع بين المرأة وزوجة أبيها والمرأة وبنت زوجها الأول ونحو ذلك.ويرى الآخرون كما سبق جواز الجمع, لأن علة منع الجمع بين المحارم هو خشية القطيعة بينهم, إذا كانت إحداهما ضرة, وهذا المعنى غير موجود في هذه الصور إذ لا قرابة بين المرأة وزوجة أبيها, ولا بين المرأة وبين بنت زوجها الأول, ولا بنت المرأة وبين زوجة الإبن (1).
ونجد من صور الجمع المحرّم الجمع بين خالتين وصورتها:
أن ينكح كل واحد من الرجلين إبنة الآخر, فيولد لكل واحد منهما بنت, فكل من البنتين خالة للأخرى, لأنها أخت أمها لأبيها.
ويحرم الجمع أيضا بين عمتين :
بأن ينكح كل واحد منهما أم الأخرى, فيولد لكل واحد منهما بنت فكل من البنتين عمة للأخرى, لأنها أخت أبيها لأمها, ويحرم الجمع بين عمة وخالة (2).

 

المبحث الخامس : زواج المسيار
لا بد قبل التطرق إلى موضوع زواج المسيار أن نتعرض في دراستنا إلى مسألة الشرط الجائزة وغير الجائزة في الزواج, وما هي الشروط التي يصح أو يفسد بها الزواج, وقد روى البخاري في إحدى رواياته: " المسلمون على شروطهم, إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا, وكل شرط ليس في كتاب الله, فهو باطل وإن كان مائة شرط ".

المطلب الأول : كثرة الفتن تؤدي إلى التحايل على الشرع.
إن الله عز وجل خلق لنا من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها, وجعل بيننا وبينهن مودة ورحمة, جُعل هذا النكاح وهذا العقد عقدا مقدسا في الشريعة له شروطه, وله واجباته وأركانه, ومع كثرة الشهوات في هذا الزمن وكثرة المغريات والفتن, وعمّ الشر ولم يغض الكثير من الرجال أبصارهم, فعمت المغريات التي فيها إثارة الفتن, فوقع الكثير منهم في المحرمات والكبائر والزنا, وإنتهاك حرمات الله وحدوده, فويل لهم من عذاب يوم أليم, ومن الناس من ركب الصعب والذوال لأجل الحصول على عقد بأي طريقة كانت, ليتوصل به إلى وطء المرأة, فدخل بعضهم في بعض الأنكحة المحرمة, وركب بعضهم طريق بني إسرائيل في التحايل على شريعة الله تعالى, وبعضهم يذهب إلى أماكن معينة فيها بنات وكاتب أنكحة وشهود, يتزوج ثم يطلق, وبعضهم يقول: وهبت نفسها لي فتزوجتها بموافقتها بلا ولي ولا شهود ولا مهر.
ثم أطلوا علينا بزواج سموه بزواج المسيار, قالوا فيه: إن الرجل يتزوج المرأة فيقيم عندها أو عند أهلها, ويشترط عليها ألا مبيت ولا نفقة , أو أنه يأتيها بالنهار دون الليل ونحو ذلك, فما هو حكم هذا النكاح؟ وما حكم الزواج بنيّة الطلاق, الذي يفعله بعضهم إذ ذهب إلى بلاد الغربة, أو إذا سافر سفرا؟ وما حكم إخفاء النكاح, لأنه لا يريد مشكلة مع الزوجة الأولى, فهو يُسرُّ به؟ (3).
------------------------------------------------------------
(1)- الكاساني, المرجع السابق, ص03/220.
(2)- لأبي محمد عبد الله بن أحمد بم قدامة المتوفى سنة 620هـ, المغني, مطابع سجل العرب, المطبعة الأولى 1389هـ, بتحقيق عبد الوهاب فايد وعبد القادر أحمد عطاء, 07/115.
(3)- http// :لمشاهدة الرابط و التحميل يلزمك التسجيـــل في المنتدي

المطلب الثاني : قضية الشرط في الزواج
لا بد قبل التعرف إلى حكم زواج المسيار أن نطلع على قضية الشرط في الزواج ما هو؟ وما أنواعه؟ ما هو الملزم منه من غير الملزم؟ ما هو الذي يفسد العقد والذي لا يفسد العقد؟ وما هو الشرط المباح الصحيح؟ وما هو شرط المحرم؟ وما حكم هذه الشروط؟.

الفرع الأول : تعريف الشرط لغة وأنواعه.
الشرط لغة هو: الإلزام والإلتزام, وينقسم الشرط إلى قسمين :
شرط شرعي : وهي تلك الشروط التي إشترطها الشارع في العقود والتصرفات, والعبادات وإقامة الحدود كإشتراط الولي في النكاح.
 أما الشرط الجعلي : فهو شرط لم يرد في الشريعة, ولكن يشترطه المكلف بإرادته, كما يشترط الواقف شروطا معينة للوقف, أن يكون الوقف مثلا على طلبة العلم الفقراء, وهي مقيّدة بقيود شرعية معينة, فليس للشخص أن يشترط أي شرط يريده, بل لا بد أن يكون الشرط غير مناف للشريعة لقوله تعالى: " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " سورة البقرة الآية رقم: 177, وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أحق الشروط أن توفوا بها ما إستحللتم به الفروج ", رواه البخاري.
وبالتالي فموضوع النكاح له ما يتعلق به من الشروط, ومعلوم أنها إذا كانت شروطا شرعية أو جعلية, لا تتعارض مع الشريعة , فإن الشريعة تقرها, عن عقبة بن عامر رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وأحق الشروط أن توفوا به ما إستحللتم به الفروج ", رواه البخاري, لأن هذه الشروط وقعت في مقابل إستحلال فرج كان محرما, فإستحل ذلك الفرج بهذا الشرط, فإذا كان الشرط شرعيا لا يخرج عن نطاق الشريعة, فهو من أحق الشروط بالوفاء, وقد يرد الشرط صريحا في العقد منصوصا عليه, فيجب إعتباره والعمل به, كأن تشترط المرأة في عقد النكاح مثلا: ألا يخرجها من بلدها.

الفرع الثاني : الشروط العرفية.
لا يكون الشرط مذكورا في العقد, لكنه مما تضمّنه العقد أو دلّ عليه العرف, والأعراف تختلف من منطقة إلى أخرى.
والأعراف التي يُعمل بها والتي ينطبق عليها قول العلماء: " المعروف عرفا كالمشروط شرطا ", هي الأعراف الموافقة للشريعة, أما إذا خالف العرف الشرع, فلا يلتفت إليه, ولا يعمل به, وكانوا في الجاهلية متعارفين على نكاح الشغار, والمتعة والإستبضاع....أمور سارية ومنتشرة متعارف عليها بينهم, لكنها تخالف الشريعة(1).

المطلب الثالث : أقسام الشروط في النكاح.
الشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد.
الفرع الأول: الشرط الصحيح في النكاح.
الصحيح نوعان :
النوع الأول : شرط يقتضيه العقد, كتسليم المرأة إلى الزوج وتمكينه من الإستمتاع بها.
والنوع الثاني : شرط نفع معين في العقد, لا يلزم إلا إشتراطه, كأن تشترط المرأة ألا يتزوج عليها, أو أن تكمل دراستها ونحو ذلك, فهذه الشروط لا تشترط مع الشريعة الإسلامية, فهي شروط مباحة لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " (2).
----------------------------------------
(1)- http// :لمشاهدة الرابط و التحميل يلزمك التسجيـــل في المنتدي
(2)- سورة المائدة, الآية رقم: 01.

فلا بد على الزوج أن يوفي بوعده حسب ما جاء في العقد.

الفرع الثاني : الشرط الفاسد في النكاح.
في هذه القضية سنتحدث عن مسألة توصلنا إلى حكم زواج المسيار, وغير المسيار وهذا من خلال فقه قضية الشروط.
الفاسد نوعان :
النوع الأول : ما يفسد بنفسه مع بقاء العقد على صحته, فالعقد صحيح, وهو باق والشرط فاسد لاغ مثل أن يشترط عليها ألا مهر لها أو أن يرجع عليها بالمهر بعد ذلك, فيأخذه منها, أو يشترط عليها أنه لا نفقة لها, أو أن نفقته عليها أو ألا يطأها, فهذه الشروط ذكر عدد من أهل العلم, أنها شروط فاسدة, لكنها لا تفسد العقد, فالعقد صحيح, ولكن الشرط فاسد للزوجة أن تطالب بحقها.
النوع الثاني : من الشروط الفاسدة ما يفسد النكاح من أصله, مع فساده في ذاته, فهو فاسد مفسدا لا يصح معه النكاح, مثل نكاح المتعة, فإذا قال: زوجتك بنتي شهرا أو أسبوعا أو ساعة, فهذا الشرط فاسد مفسد للعقد, والعقد باطل من أساسه, والمعاشرة زنا حرام, أو نكاح الشغار, أو نكاح التحليل, هذه شروط فاسدة مثل أن يقول: أزوجكها على أن تطلقها لتحل لزوجها الأول, ونحو ذلك, هذه الشروط فاسدة مفسدة للعقد.
وإنطلاقا من هذه الفكرة يمكن أن نتعرض إلى حكم المسيار ودليله(1).


المطلب الرابع : حكم نكاح المسيار.
من خلال عرضنا إلى جملة من أمثلة عن نكاح المسيار, مع دليله من الكتاب والسنة, سيتبيّن لنا حكمه.
الفرع الأول : من الكـتاب.
قال تعالى: " أوتوا النساء صدُقاتهن نحلة " سورة النساء, الآية رقم: 04.
فإذا إشترط الرجل على إمرأته ألا مهر لها, فإن العقد صحيح والشرط باطل, لأن المهر من حقوق المرأة التي يستحقها, فلا يسقط بنفيه لهذا المهر, أما إذا طالبته بعد ذلك بمهرها, وجب عليه أن يعطيها المهر, وإذا سكتت, أو تنازلت له عنه, فإن العقد صحيح, وهي على ما أرادت وعلى ما تنازلت, إضافة إلى ذلك إشتراط الزوج عند العقد على إمرأته ألا ينفق عليها, فكل هذا داخل في زواج المسيار.
وكذلك فإن من الشروط الفاسدة, نفي التوارث بينهما, كأن يقول لها: أشترط عليك ألا ترثي شيئا بعد وفاتي, فهذا الشرط فاسد باطل, لا يجوز العمل به, قال تعالى: " ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد " سورة النساء, الآية رقم: 12.
فالإرث أثر من آثار النكاح ولا بد من إعطائه لصاحبه, والتنازل عنه قبل العقد تنازل عن لا شيء, لأنها لم تستحق الإرث ولا هو إستحقته حتى يتنازل, فإن إنعقد العقد فالعقد صحيح والشرط باطل, وترث منه رغما عن كل أوليائه, ويرث منها رغما عن كل ورثتها(2).

الفرع الثاني: من السنة.
قال قتادة: " فريضة من الله واجبة "
وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة, أن تأخذ من مال زوجها من غير علمه, بما يكفيها بالمعروف, ثم إن المرأة قبل العقد لم تستحق النفقة, فكيف تتنازل عنها؟

(1)- http// :لمشاهدة الرابط و التحميل يلزمك التسجيـــل في المنتدي
(2)- http// :لمشاهدة الرابط و التحميل يلزمك التسجيـــل في المنتدي

تستحق النفقة بعد العقد, فإذا إنعقد العقد وسلمت نفسها, إستحقت النفقة, فلها المطالبة بها, ولا يعتبر إلغاؤها من قبلها قبل العقد مسقطا للنفقة عن الزوج, فإذا يحق لها أن تطالب بالنفقة بعد ذلك, فالعقد صحيح والشرط فاسد وبالتالي فهذا زواج مسيار.
وقد ورد أن جمهور العلماء يقولون بوجوب العدل بين النساء في كل ما يملكه الزوج, ويقدر عليه, وإلا يقع في زواج المسيار, أن يشترط عليها ألا يبيت عندها أو يأتيها في النهار إذا أراد, وحيث قلنا إن العدل بين النساء واجب وليس من حق الزوج إشتراط عدم العدل عند العقد, حيث أنها بعد العقد صار حقا لها أن تتنازل عنه, أو تلزمه به فتقول له: أنا أسامحك في ألا تأتيني إلا نهارا بعد العقد, أو تسكت عن المطالبة بحقها في الليل والعقد صحيح باق أركانه, تتنازل الزوجة عن ليلتها لزوجة أخرى بعد الزواج, وقد جاء في السنة, فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلق سودة بنت زمعة قالت: يا رسول الله, أمسكني وأهب يومي لعائشة, وأرادت أن تحوز على الفضل على بقائها زوجته في الدنيا والآخرة, فوافقت على أن تهب يومها لعائشة, فصار النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة.
وبالتالي, فيتبين لنا أن حكم زواج المسيار حتى ولو كان العقد صحيح, فالشرط فاسد وباطل.

الفرع الثالث: من القــــانون.
إن الشرط الفاسد الذي يشترط في العقد - والمذكور في نص المادة رقم: 19 من القانون رقم: 84/11, - من طرف أحد الزوجين, فإن كان الشرط محرما فسخ العقد قبل الدخول, فإن تم الدخول فينصرف الفساد إلى الشرط, فنقول شرط فاسخ وعقد صحيح, فيصح العقد ويبطل الشرط مثل ما هو موجود في زواج المسيار.
وقد أشارت إليه المادة رقم: 35 من القانون رقم: 84/11 أيضا, بالنسبة للشرط الفاسد.
ومنه فساد المهر, كما لو تزوجت المرأة بمهر مجهول أو حرام كما هو في زواج المسيار, وحسب نص المادة رقم: 14و المادة رقم: 15 من القانون رقم: 84/11 فإن العقد يصح بعد الدخول بمهر المثل أو المهر المسمى بشرط أن يضبط كله, أما قبل الدخول فيفسخ العقد, وبالتالي إذا توفر سبب من أسباب البطلان أو الفسخ, وذلك قبل الدخول.
وفي المادة رقم: 32 من القانون رقم: 84/11 بيّن لنا المشرع أسباب الفساد, بإعتبار أن كل عقد إختل منه ركن أو إشتمل على مانع أو شرط منافي, ويتبين أمره قبل الدخول, ومن ثم تكون أسباب الفسخ (1).


المبحث السادس : نكاح ما زاد فوق العدد الشرعي
المطلب الأول: حكمة تعدد الزوجات.
لقد إختلف نظام التعدد في الشرائع وتباين, فمنها ما أحل التعدد مطلقا ولم يقيده بعدد معين, ومنها من لم يشرع التعدد, ورأى منعه مطلقا.
وجاء نظام شرعنا الحنيف بين ذلك قواما, فراعت شريعتنا مصلحة النوعين, لهذا فإن من حكم التعدد الملموسة نذكر ما يلي:
الفرع الأول: الإعــفاف.
فقد يكون من الرجال من هو شديد الغلمة, أي ميال للنكاح, تواق إلى الممارسة الجنسية, وهو مع ذلك قوي الجسم, فلا تندفع حاجته بمن تحته, وهو قادر على الإنفاق, ويأنس من نفسه العدل بين زوجاته, وليس أمامه إلا طريقتان:

(1)- القانون رقم: 84/11, المتضمن قانون الأسرة المعدل والمتمم بالأمر رقم: 05/02.

إما أن يسقط في بؤرة الزنا, فيتخذ له عشيقات لإرواء شهوته, وإما أن يتزوج بأخرى, ويتحرى العدل بين الزوجتين, وهذا هو الطريق الأفضل ليسلكه الرجال (1).

الفرع الثاني: خصوبة النسل البشري.
فقد تذهب الحرب بالرجال القادرين على الإنجاب, وتبقى النساء الكثرة الكاثرة, فيكون التعدد في هذه الحالة مطلوبا لتنمو الأمة, وتعوض ما فقدته من رجالها, وقد يكون التعدد في الزوجات أمرا لا بد منه في الحالات التي تكون فيها الزوجة, غير صالحة للممارسة الجنسية لإبتلائها بمرض خطير أو عقم محقق مثلا, فالرجل هنا عليه الزواج بأخرى, مع قيامه بشؤون الزوجة الأولى ورعايتها, والعدل بينهما وهذا هو عين الوفاء.

الفرع الثالث : إستعداد الرجل أكثر.
إذ هو مُهيأ بطبيعة تكوينه للعملية الجنسية, منذ البلوغ إلى سن متأخرة, قد تصل إلى ما فوق الستين سنة, ولا مانع يحول بينه وبين ما يريد, بينما المرأة تعترضها شهريا الدورة الدموية, تصل بها أحيانا إلى 15 يوما, وتعترضها ظروف الحمل وصعوبة الإرضاع, وفترة النفاس التي قد تمتد إلى أربعين يوما, وفي مثل هذه الظروف تعجز الزوجة عن آداء وظيفتها الجنسية, فمن الأفضل أن يضم الزوج إليه زوجة أخرى تعف نفسه, وتحفظ فرجه, حتى لا يقع في شراك الزنا.

المطلب الثاني: تقييد التعدد.
إن الشريعة الإسلامية لم تأمر أمر إيجاب بالتزويج بأكثر من واحدة, بل لم تندب إليه, ولكنها أجازت ذلك لمن قدر عليه بشروط عند مقتضيات الأحوال, وفي إطار المصلحة والضرورة.

الفرع الأول: العدل بين الزوجات.
والعدل بينهن يكون فيما هو مادي, من مطعم ومأكل وملبس ومسكن, ومن لم يعدل بينهما, جاء يوم القيامة وشقه مائل كما ورد في الحديث, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كانت له إمرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل ".
أما العدل القلبي الذي هو الميل والحب, فهذا ليس في مقدور المرء, لقوله تعالى: " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " (2).
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (3).
فإذا غلب على ظن الإنسان أنه سيجور إن تزوج بأخرى, حرم عليه التعدد ووجب عليه الإقتصار على واحدة, فذلك أقرب للتقوى, وأدعى إلى البعد عن الظلم والجور.

الفرع الثاني: القيد الثاني:القدرة على الإنفاق.
عليهن مع قيامه بواجباته الأخرى, كالإنفاق على من تجب عليه نفقته من ذوي رحمه, وهذا الشرط مفهوم من قوله تعالى: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا....."
----------------------------------------------
(1)- الدكتور محمد أبو زهرة, المرجع السابق, ص103.
(2)- سورة النساء الآية رقم: 03.
(3)- أخرجه أبو داود والنسائي وإبن ماجة.

وخلاصة هذا القيد أنه من كان لا يستطيع الإنفاق على أكثر من زوجة واحدة, حُرم عليه أن يتزوج بإمرأة أخرى.

المطلب الثالث: حكم نكاح ما زاد فوق العدد الشرعي.
العدد الشرعي: لقد أجمع أهل العلم على أن الحر ليس له أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات (1).
الفرع الأول: دليل الإجماع من الكتاب.
وذلك في قوله عز وجل: " فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " سورة النساء الآية رقم: 03
فالآية تفيد التخيير بين إثنتين أو ثلاث أو أربع زوجات, وليس أكثر.
الفرع الثاني: من السنـة.
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لغيلان بن أمية الثقفي, وقد أسلم وتحته عشر نسوة: " إختره منهن أربها وفارق سائرهن " سنن الترمذي.
وعن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة, فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إختر منهن أربعا " سنن أبي داود.
وفي مسند الشافعي: قال نوفل بن معاوية: أسلمت وتحتي خمسٌ فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " فارق واحدة وأمسك أربعا " مسند الشافعي.
فلو كانت الزيادة على الأربع حلالا لما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بمفارقة البواقي من النساء, فدلّ على أن منتهى العدد الشرعي هو أربع زوجات.
قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله, أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربعة نسوة (2).
والله تعالى أباح ذلك لنبيّه الكريم, وجعله من خصوصياته, لأن خوف الجور منه صلى الله عليه وسلم, غير موهوم أو متوقع لكونه مؤيد بالقيام بحقوقهن بتأييد الله عز وجل.

المبحث السابع : نكاح المعتدة من الغير.
المطلب الأول : الحكمة من تحريم نكاح المعتدة.
شرع الله العدة على النساء لمعرفة براءة أرحامهن, لئلا يؤدي عدم الإعتداء إلى إختلاط المياه في الأرحكام وإمتزاج الأنساب, ولما كانت العدة أثرا من آثار الزواج السابق, وفترة بفكر فيها المطلق ليراجع نفسه إن كان الطلاق يقبل الإرتجاع, أي في حق من لم يكمل الثلاث, فإن الشارع الحكيم منع التزوج من معتدة الغير, بل نهى عن التصريح بخطبتها, حرصا على نشر المحبة بين الناس, ونبذ أسباب الشحناء والبغضاء, لأنه لو أبيح تزويج المعتدة من الغير لأدى ذلك إلى إستشراء العداوة بين مطلقها الأول ومتزوجها الثاني, وتحل المشاحنة والكراهية محل الحب والإئتلاف, وذلك ما لا يّحبذه ديننا الحنيف, بل يحذر منه ويكرهه.
وقد تكون العدة للتعبد فقط, كالمتوفى عنها زوجها قبل الدخول, فإنها تعتد عدة الوفاة مع أن رحمها متحقق براءته.
----------------------------------------
(1)- الدكتور علي بن أحمد بن سعيد بن حزم, مراتب الإجماع, مكتبة المطبوعات الإسلامية, ص63.
(2)- البيهقي,السنن الكبرى, ص149.

المطلب الثاني : الآراء الفقهية في نكاح المعتدة من الغير.
الأصل في تحريم نكاح المعتدة من الغير قول الله عز وجل : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " (1).
والتربص: هو الإنتظار بدون تزوج من غير مطلقها الأول, وهذا خبر, لكن معناه هو الأمر.
وقوله عز وجل: " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " (2).
أي ما كتب عليها من التربص, فبلوغ الكتاب أجله كناية عن إنقضاء العدة.
فحرم الله تعالى عقدة النكاح في فترة العدة حتى تنقضي, والآية وإن كانت واردة في عدة الوفاء, لكن دلالتها على تحريم نكاح المعتدة من طلاق بالطريق الأول, لأن بالوفاة إنقطعت الصلة الزوجية فيها إنقطاعا لا يمكن عودتهما معه بخلاف الطلاق.
وعلى هذا فإنه لا يحل لأحد أن يتزوج المعتدة من الغير سواء أكانت العدة عدة وفاة أو طلاق, أو شبه نكاح أو دخول في نكاح فاسد (3).
فتحرم المعتدة من ذلك, فلا يجوز ولا ينعقد النكاح إن تزوجها في أثناء العدة, وهو ما لا خلاف فيه بين فقهاء المسلمين, لأن الإعتداد مانع من موانع صحة العقد.
ولأنها وجبت لحفظ النسب, فلو جوّزنا فيها النكاح إختلط النسب وبطل المقصود.
وهذا الحكم في حق الغير, أما بالنسبة لصاحب العدة وهو الزوج المفارق, فإن له أن يتزوجها وهي في العدة, إذا لم يكن طلاقه مكملا للثلاث, ولم يكن هناك مانع آخر غير العدة, إذ العدة حقه ومضافة إليه, لقوله تعالى: " فمالكم عليهن من عدة تعتدونها " (4).
وهذه الآية نزلت في الزوجة التي طلقت قبل الدخول.
فإضافة العدة إلى الأزواج دليل على أنها حق الزوج , وحق الإنسان لا يجوز أن يمنعه من التصرف, وإنما يظهر أثره في حق الغير (5).

المطلب الثالث : آثار زواج المعتدة من الغير.
إذا تزوجت المرأة أثناء العدة وكلاهما عالمان أن العدة لم تنته بعد, وعالمان بتحريم هذا النكاح وبطلانه, فإنهما زانيان, لأن عقدة النكاح لم تنعقد لوجود المانع الشرعي, وهو عدم إنتهاء العدة, وحيث إعتُبرا زانيان, فإن عليهما الحد, ولا يلحق النسب فيه, لأن ماء الزاني لا يُثبّت نسبا إذ لا حُرمة له.
ويرى إبن حزم كالحنابلة أن الجهل مسقط للحد, وإن كان الزوج هو الجاهل فالولد به لاحق ونص كلامه: مسألة: ولا يحل لأحد أن يخطب إمرأة معتدة من طلاق أو وفاة, فإن تزوجها قبل تمام العدة فسخ أبدا, سواء دخل بها أو لم يدخل, طالت مدته معها أو لم تطل, ولا توارث بينهما ولا نفقة لها عليه, ولا صداق ولا مهر, فإن كان أحدهما عالما فعليه حد الزنى من الرجم, والجلد وكذلك إن علم كليهما, ولا يلحق الولد بأبيه إن كان عالما, وإن كانا جاهلين, فلا شيء عليهما, فإن كان أحدهما جاهلا فلا حد على الجاهل, فإن كان الرجل هو الجاهل فيلحق به ولده, فإذا فسخ النكاح وتمت عدتها, فله أن يتزوجها إن أرادت ذلك كسائر الناس.
---------------------------------------------
(1)- سورة البقرة الآية رقم: 228.
(2)-سورة البقرة الآية رقم: 235.
(3)- الكاساني, المرجع السابق, ص410.
(4)- سورة الأحزاب الآية رقم: 49.
(5)- الكاساني, المرجع نفسه, ص1411.

والخلاصة بالنسبة لآثار التزويج من المعتدة من الغير, أن الزوجين لا يخلو أمرهما من إحدى الحالات التالية:

الأولى : إذا تزوج الرجل بمعتدة وهما عالمان بأن العدة لم تنته بعد وعالمان بتحريم النكاح فيها ووطئها, فهما زانيان ويطبق عليهما حد الزنا, ولا مهر لها ولا يلحقه النسب.

الثانية : إذا كانا جاهلين بالعدة أو بالتحريم, ثبت النسب وإنتفى الحد ووجب للمرأة المهر.

الثالثة : إن علم بالتحريم دونها, فعليه الحد والمهر, ولا يلحقه نسب الولد.

الرابعة : إن علمت هي دونه, فعليها الحد, ولا مهر لها والنسب لا حق به, قال إبن قدامة: وإنما كان كذلك لأن هذا النكاح متفق على بطلانه, فأشبه نكاح ذوات المحارم (1).
----------------------------------------------
(1)- إبن قدامة, المغني, ص127.

الخاتمــــة :
خير ما نختم به هذا العمل المتواضع, قوله تعالى:" قل إعملوا فسير الله أعمالكم "
في هذه الخاتمة تبرز زبدة هذا العمل, وكل الإستنتاجات المستخرجة من هذه الدراسة, في بادئ الأمر نذكر كل من يطلع على هذه المذكرة بقوله تعالى: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ".
إننا عد الدراسة للموضوع من جانبيه القانوني والفقهي الإسلامي, وبعد التحليل والتحول إلى بعض تفاصيله, والمتعلقة بهذه الجوانب, يتبين ودون شك أن الأنكحة الصحيحة والأنكحة الفاسدة, موضوع واسع, الأمر الذي ترك المجال مفتوح على مصراعيه, ليكون لهذا الموضوع حظا من إهتمام دارسي الفقه والقانون, ولعل هذا هو الأمر الذي جعلنا نقصد هذا الموضوع.

فبما أن عقد الزواج من أهم العقود التي يبرمها الإنسان في حياته, فلا بد أن يحظى هذا العقد بحماية من طرف الشريعة, وكذا القانون, وذلك بالنص على أهميته وحكمه, والحكمة من تشريعه كنكاح صحيح, وطريق وحيد لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة على وجه مشروع.

وتبيان أركانه وشروطه التي في حالة تخلفها, تؤدي بهذا العقد إلى الفساد أو البطلان, وذلك من خلال ما جاء به القانون رقم: 84/11, وكذا الأمر رقم: 05/02 المتمم والمعدل.
وكيف أن الشريعة الإسلامية وكذا القانون الوضعي, قد وضعا أحكاما تنهى وتحرم مختلف صور الأنكحة الفاسدة, وذلك لما تشتمل عليه من أهداف, لا تتماشى مع طبيعة النكاح الصحيح, والغايات التي جاءت الشريعة الإسلامية, لتحقيقها بتشريع هذا النكاح من إعفاف للإنسان نفسه من الوقوع في الحرام, وحفظ الأنساب وبقاء النسل...

 

- تم بحمد الله -


المراجـــــــع :
I – القرآن الكريم.
П – السنة النبوية الشريفة.

Ш- القوانين .
- القانون رقم: 84/11, المؤرخ في: 09 رمضان عام 1404, الموافق لـ 09 يونيو سنة 1984, والمتضمن قانون الأسرة المعدل والمتمم.
- الأمر رقم: 05/02, المؤرخ في: 18 محرم, عام 1926, الموافق لـ 27 فبراير 2005 (جريدة رسمية رقم: 15 مؤرخة ربيع الأول, عام 1426, الموافق لـ 04 مايو 2005 , جريدة رسمية رقم: 43, المؤرخة في: 22 يونيو 2005).

VI – المراجع (المؤلفات ):
1- الإمام أبو زهرة, الأحوال الشخصية, دار الفكر العربي, الطبعة الثالثة, 1957.
2- الإمام أبو حامد الغزالي, إحياء علوم الدين, الجزء الرابع.
3- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفري, صحيح البخاري, المطبعة السلفية بتصحيح محب الدين الخطيب مع النووي.
4- أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسبوري, صحيح مسلم, المطبعة الكردية ومكتبتها مع النووي.
5- أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترميذي, سنن الترميذي, مطبعة البابي الحلبي الثانية, 1388 هـ, بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
6- أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني, سنن أبو داوود, مطبعة دار الحديث, الطبعة الأولى 1389 هـ, بتعليق عزت عبيد الدعاس, وذيله معالم السنن الخطابي.
7- أبو عبد الرحمان أحمد بن شعيب بن علي النسائي, سنن النسائي, المطبعة المصرية بالأزهر, الطبعة الأولى, 1338 هـ, بشرح جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي.
8- أبو بكر أحمد بن الحسين علي البهيقي, السنن الكبرى, مطبعة دار صادر وبيروت وبذيله الجوهر النقي, لعلي إبن عثمان المارديني.
9- أبو ن أحمد القرطبي, الجامع لأحكام القرآن الكريم, دار الكتاب العربي, الطبعة الثالثة.
10- أبو حجر العسقلاني فتح الباري, شرح صحيح البخاري, المطبعة السلفية بتصحيح محب الدين الخطيب.
11- إبن زكريا يحي بن شرف النووي, شرح صحيح مسلم, المطبعة الكدية ومكتبتها.
12- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قامة, المغني, مطابع سجل العرب, المطبعة الأولى, 1389 هـ, بتحقيق عبد الوهاب فايد وعبد القادر أحمد عطاء.
13- أبو عبد الله الحاكم النيسابوري, المستدرك, مطبعة ومكتبة المطبوعات الإسلامية, مع تلخيص الذهبي.
14- الدكتور بدران أبو العينين, الفقه المقارن, الأحوال الشخصية بين المذاهب الأربعة السنية, والمذهب الجعفري والقانون (الزواج والطلاق), دار النهضة العربية للطباعة والنشر, الجزء الأول, دون سنة طبع.
15- الدكتور بلحاج العربي, الوجيز في شرح قانون الأسرة الجزائري, الجزء الأول (الزواج والطلاق), الطبعة الأولى, 1990.
16- جابر أبو بكر الجزائري, أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير, مكتبة لينا دمنهور.
17- الأستاذ الدكتور محمد الجروشي, نظرية العقد والخيارات في الفقه الإسلامي المقارن, منشورات جامعة قان يونس.
18- عبد العزيز سعد, الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري, دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع, بيروت, الطبعة الثانية.
19- عبد الغفار سليمان البنداري, النكاح والطلاق, دار الكتب العلمية, بيروت, لبنان, الجزء التاسع.
20- عمر سليمان الأشقر, أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة, دار النفائس, الطبعة الثانية للنشر والتوزيع, بيروت.
21- الأستاذ عمر بن سعيد, الإجتهاد القضائي وفقا لأحكام قانون الأسرة, دار الهدى, عين مليلة, الجزائر.
22- علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي, بدائع الصنائع, مطبعة العاصمة, القاهرة.
23- الإمام محمد الرازي, التفسير الكبير, مطبع دار الكتب العلمية, طهران.
24- محمد بن علي الشوكاني, فتح القدير, مطبعة مصطفى البابي الحلبي, الطبعة الثالثة, 1383.
25- محمد رشيد رضا, تفسير المنار, الطبعة 12, دار المعرفة , بيروت.
26- محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي, أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن, مطبعة المدني.
27- الإمام مالك, الموطأ, المطبعة: دار إحياء الكتب العربية, عيسى البابي الحلبي, بتعليق وتصحيح محمد فؤاد عبد الباقي.
28- الأستاذ محمد مصطفى شلبي, أحكام الأسرة في الإسلام, دار النهضة العربية, بيروت.
29- محمد سعيد جعفور, نظريات في صحة العقد وبطلانه في القانون المدني والفقه الإسلامي, دار هومة للطباعة والنشر.
30- مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي, القاموس المحيط, مطبعة المؤسسة العربية.
31- الدكتورة نشوة العلواني, عقد الزواج والشروط الإتفاقية في ثوب عصري جديد, دار إبن حزم, الطبعة الأولى, 2003.
32- الدكتور نصر سليمان والدكتورة سعاد سطحي, أحكام الخطبة والزواج في الشريعة الإسلامية.
33- الدكتور وهبة الزحيلي, الفقه الإسلامي وأدلته, الجزء التاسع, الأحوال الشخصية, دار الفقه المعاصر.

V – الملاحق.
- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية, العدد رقم: 15.

IV- المجلات القضائية:
- المجلة القضائية: تصدر عن قسم المستندات والنشر للمحكمة العليا, العدد الرابع, 1989.
- المجلة القضائية, العدد الثاني, 2002, المحكمة العليا, قسم الوثائق, 2004, طبع دار القصبة للنشر.
- المجلة القضائية, العدد رقم: 02, 2003, قسم الوثائق للطبع, الديوان الوطني للأشغال التربوية, 2005, الحراش.



تم تحرير الموضوع بواسطة :Harrir Abdelghani
بتاريخ:19-05-2018 12:31 صباحا





المواضيع المتشابهه
عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
بحث الشكلية في العقود النورس
0 323 النورس
بحث التحقيق الابتدائي بحر العلوم المتواصل
0 188 بحر العلوم المتواصل
بحث مجلس الدولة القلم الذهبي
0 352 القلم الذهبي
بحث المجلس الدستوري القلم الذهبي
0 1669 القلم الذهبي
بحث القضاء الاستعجالي أمازيغ
0 554 أمازيغ

الكلمات الدلالية
الانكحة ، الفاسدة ،


 







الساعة الآن 10:23 مساء