- الرئيسية
- ما الجديد !
-
الصفحات▼
الصفحات
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في المحاكم والمجالس القضائية ، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .
حارس الحيوان في الفقه الاسلامي
-
27-04-2024 10:16 مساءً
-
MAHFOUDHمعلومات الكاتبالأعضاء
- تاريخ الإنضمام :
- 27-04-2024
- رقم العضوية :
- 32731
- المشاركات :
- 1
- الجنس:
- تاريخ الميلاد :
- 1-4-1988
- قوة السمعة:
- 10
- المستوي:
- ليسانس
- الوظــيفة:
- متربص
-
المسؤولية عن الحيوان في الفقه الإسلاميجنايته وإتلافهللشيخ : هاني بن عبد الله بن محمد الجبير
فإن في كتب الفقه كنوزًا دفينة ، وثرواة مخبوئة ، ودررًا لمن التمسها ، وطلب الوصول إليها . فلا تجد حاجة ، ولا مطلبًا ، ولا تصرفًا إلا وفيها جوابه وحُكْمُه ، إذ الفقه معرفة الأحكام الشرعية ، والأحكام الشرعية تدور عليها الحياة بمختلف صورها ، ومظاهرها .وفي هذه الورقات يتناول الباحث موضوع المسئولية عن جناية الحيوان وإتلافه ، ليبين فيه آراء الفقهاء واجتهاداتهم ، في ضوء النصوص الشرعية ، والقواعد الفقهية .وإنما واقع اختيار الباحث لهذا البحث دون غيره ، لما وجده من الحاجة الماسة لتقعيد المسئولية عن الحيوان ، ولارتباطها الوثيق بالدوائر الشرعية ، ولوقائعها المتكررة فيها .ولذا فقد عني الباحث أن يقسم البحث ويكتبه بشكل مغاير لما كتبه به الفقهاء الأولون - أسلوبًا ومنهجًا ، لا فكرة وموضوعًا - فكتبه مقسمًا مسبورًا ، ليتضح لكل من قرأه ، ويستطيع التوصل إلى ما يريده ، ولا أجد في هذه الطريقة غضاضةً ، إذ لكل زمان أسلوب الكتابة الملائم لطبيعته وحاجاته .هذا وقد قسّمت البحث إلى بابين رئيسين الأول في المسئولية عن الحيوان إذا كان بيد أحد ، وتناولت فيه ما إذا خرج عن تحكم صاحبه ، وما لو تسبب في جنايته أو تعمدها ، وما لو لم يتسبب فيها ، فجعلت كل مسألة منها فصلاً مستقلاً .وأما الباب الثاني فهو في المسئولية عن الحيوان إذا لم يكن بيد أحد ، وتناولت فيه ما إذا تعدى مالك الحيوان ، وما لو فَرّط ، فجعلتهما فصلين ، ثم تناولت إفساد الزروع بالبحث .واعتمدت في هذا البحث ألاّ أطيل المناقشة ، ولا أجر ذيولها ، إلا في المسائل الهامة الرئيسة ، التي كان لكل فريق أدلته التي يقوى بها جانبه ، أما المسائل التي لم أجد لها ما لغيرها من أدلة ، فإنني لا أطيل الكلام عنها ، بل اقتصر على القدر الذي يحصل به المقصود من إيرادها .وقد اعتمدت في البحث أن أجعل ما نقلته نصًا بحروفه بين معكوفتين تمييزًا له عن غيره ، وأداءً للأمانة العلمية ، وأما ما أخذت فكرته وتصرفت في أسلوبه أو حذفت منه ، فإنني أشير إليه في الهامش ، وأما ما استمددت الفكرة العامة منه ، وكان ما أكتبه من إنشاء الخاطر فإنني أَسْمُهُ عن غيره بقولي في الهامش انظر ..وقد خَرّجت الأحاديث مكتفيًا بما يظهر به قبولها من ردها ، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما ، اكتفيت بعزوه إليهما ، وإلا خرجته ثم نقلت عن أهل العلم بالحديث الحكم عليه ، إذ هم فرسان هذا الميدان والعالمين بأسراره .وأما الأعلام فإنني قد أغفلت الترجمة للمشهورين منهم كالأئمة المتبوعين والصحابة المشهورين ، وأئمة التابعين ، إذ تراجمهم مما يعرفه صغار الطلبة والترجمة لهم مما ينتقد على الباحث ، ثم ترجمت لمن عداهم ، ولكنني لما رأيت الترجمة لهم في حواشي البحث مما يثقله ، ويشوش صفحاته ، ويذهب هيبته ، جعلت تراجمهم في آخر البحث في ملحق خاص بهم ، بعد أن رتبتهم على حروف المعجم .هذا وليعلم الناظر في هذا البحث أنه جهد مُقِلّ ، وعمل مقصّر ، فما كان فيه من صواب فمن الله ، وما كان في من خطأ فمن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه .وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ، وصلى الله وسلم على نبينا محمّد .
تمهيد :يحتاج الباحث قبل أن يشرع في بحثه أن يحمل تصورًا تامًا لما سيتناوله في بحثه ، ليكون بحثه مركزًا موضوعيًا ، وهذا ما سيقدمه الباحث في تمهيده هذا .- المسئولية ([1]) :المسئولية في اللغة من سأل يسأل سؤالاً ومسألة فهو مسئول والاسم المسئولية([2]) .والمراد بها هنا إلزم شخص بضمان الضرر الواقع بالغير ، نتيجة لتصرف قام به([3]).وعند القانونيين للمسئولية قسمان([4]) :أ. المسئولية التعاقدية : وهي ضمان الضرر الناشئ عن الإخلال بعقد .ب. المسئولية التقصيرية : وهي ضمان الضرر الناشئ عن الفعل الضار([5]) .فنطاق بحثنا منحصرٌ – عند القانونيين – في المسئولية التقصيرية .
صاحب اليد :يتكرر في هذا البحث قول الباحث : إن كان مع الحيوان صاحب اليد ، أو لم يكن معه ، ومراده بصاحب اليد : المصاحب للحيوان ، الذي الحيوان تحت يده ، فهو أولى من التعبير بصاحب الحيوان([6]) ، ليشمل المالك والأجير ، والمستأجر ، والمودع ، والمستعير ، والموصى إليه بالمنفعة([7]) .وأما الغاصب فهو وإن كان صاحب اليد ، إلاّ أن إرساله موجب للضمان سواءً تعدّى أولا ، وسواءً كان ليلاً أو نهارًا هذا المذهب عند الحنابلة .- وفيه رواية أخرى : أنه إن لم تكن يدٌ له ظاهرة عليه ، وإلاّ فلا ضمان([8]) .وكون الغاصب في هذا كغيره قريب لظاهر الخبر كما سيأتي .الإتلاف :هو مصدر أتلف يتلف إتلافًا ، وهو الهلاك([9]) .والمراد به بإخراج الشيء من أن يكون منتفعًا به منفعةً مطلوبةً منه عادة([10]) .والإتلاف سبب موجب للضمان ، لأنه اعتداء ، والله تعالى يقول : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [البقرة : 194 ] . وإذا وجب الضمان بالغضب فبالإتلاف أولى ، لأنه اعتداء وإضرار محض([11]) .وقد يعبر البعض بالإفساد وهو مرادف للإتلاف .والجناية مثلهما ، إلا أن الغالب استعمالها فيما كان فيه تعدٍ على الأبدان([12]) .
الباب الأولالمسئولية عن إتلاف الحيوان إذا كان بيد أحدٍتمهيدالفصل الأول : أن ينعدم تحكم صاحب اليد بالحيوان .الفصل الثاني : ألاّ ينعدم تحكم صاحب اليد بالحيوان . مع تسببه في جنايته .المبحث الأول : أن يتعمد جنايتها ( أي الدابة ) .المبحث الثاني : ألاّ يتعمد جنايتها .الفصل الثالث : ألاّ يتسبب في جنايتها مع تحكمه بها .المبحث الأول : الخلاف والأدلة .المبحث الثاني : المناقشة والترجيح .تمهيد :الحيوان عند حصول الإتلاف أو الجناية منه ، فإنه لا يخلو إما أن يكون بيد أحد أو لا على ما سبق بيانه .فإن كان بيد أحد فلا يخلو من أحد حالات ثلاث :الحالة الأولى : أن ينعدم تحكم صاحب اليد بالحيوان ، فلا يستطيع السيطرة عليه ، ولا التحكم به .الحالة الثانية : ألاّ ينعدم تحكم صاحب اليد بالحيوان مع تسببه في إتلافه أو جنايته ، وهذه الحالة لها صورتان :الصورة الأولى : أن يتعمد جنايتها ويقصد الإتلاف بها .الصورة الثانية : ألاّ يتعمد جنايتها ، لكنه متسبب فيها كمن نخس حيوانه أو جبذه بلجامه فوق ما اعتاد ، فتسبب في الجناية أو الإتلاف .الحالة الثالثة : ألا يتسبب في الجناية ولا يتعمد وقوعها ، إلاّ أنها وقعت حال كون يده على الحيوان ، مع أنه قادر على التحكم بالحيوان .هذه إجمالاً هي حالات الإتلاف التي تقع من حيوان بيد أحد ، وفي كل حالة منها خلاف في تحميل المسئولية تفاوت فيه أنظار الفقهاء نستعرضه في الفصول القادمة ..
الفصل الأولأن ينعدم تحكم صاحب اليد بالحيوانإذا انعدم تحكم صاحب اليد بالحيوان ، فانفلت ولم يعد في طوع صاحب اليد ، فإن الفقهاء اختلفوا فيما لو أتلف شيئًا في مثل هذه الحالة على من تكون مسئوليته ، ومن يتحمل ضمانه على قولين :القول الأول : تضمين صاحب اليد ، وهو قول للشافعية([13]) .واستدلوا بأنه مفرّط بترك ترويض دابته ([14]) .القول الثاني : سقوط الضمان ، وإهدار الجناية أو الإتلاف ، وهو مذهب الجمهور([15]) .والصواب الثاني ، وذلك لأن العاجز عن التصرف وجوده كعدمه ، وهو غير مسيّر لها ، فلا يضاف سيرها إليه ([16]) .ولأن الأصل في إتلاف الحيوان وجنايته : أنه هدر إذا لم يكن بيد أحد وصاحب اليد هنا عاجزٌ فوجوده كعدمه .إلاّ أن هذا مشروط بأن لا يظهر صاحب اليد بمظهر المفرط ، وذلك بأن يفعل ما يمكنه لمنع الحيوان على الإتلاف ، وأن ينبّه من حوله إلى الحذر منه .وأما قولهم : إنه مفرط بترك ترويض دابته ، فممنوع بأنّ الدابة المروّضة قد تركب رأسها كما هو معلوم .وهذا القول بالتضمين معارض لقواعد الشريعة الكلية من عدم التكليف بما لا يطاق ، وهو أيضًا مخالف لمنصوص الشافعي - رحمه الله - إذ قال في كتابه اختلاف الحديث ([17]) : ( ويضمن القائد والراكب والسائق ؛ لأن عليهم حفظها في تلك الحال ، ولا يضمنون لو أنفلتت ) أ.هـ.الفصل الثانيألاّ ينعدم تحكم صاحب اليد بالحيوان مع تسببه في جنايته وإتلافهالمبحث الأول : أن يتعمد جنايته الحيوان .المبحث الثاني : أن لا يتعمد جنايته الحيوان .المبحث الأول : المسئولية إذا تعمد صاحب اليد جناية الحيوان :إذا تعمد صاحب اليد جناية الحيوان ، كما لو أرسل حيوانه العقور إلى أحدٍ ليقتله ، أو ألقى عليه أفعى أو نحوها مما يفضي إلى القتل غالبًا ، فعليه الضمان بلا نزاع .وقد جعله الجمهور من ضمان العمد ، لإفضائه إلى الموت غالبًا ([18]) ، أما أبو حنيفة فليس بعمد عنده ؛ لأن العمد عنده ما كان بسلاح ، أو ما أجري مجراه ([19]) .المبحث الثاني : المسئولية عن الحيوان إذا لم يتعمد صاحب اليد الجناية مع تسببه فيها :إذا تسبب صاحب اليد في جناية الحيوان ، دون قصدٍ منه لجنايته ، إلاّ أن فعله تسبب في فعلها لهذه الجناية ، كما لو ضرب وجهها ، أو جذبها بلجامها فوق ما اعتادت ، فهنا يضمن ما أتلفت لتعديه ([20]) .أما لو لم يفعل ( إلاّ ما يعتاده النّاس في ذلك ، فلا ضمان عليه ؛ لأنه فعل في ملكه ما أباحه له الشرع ) ([21]) .فإن كان السبب من غيره فإن المتسبب يضمن مطلقًا ، فإن أتلف الحيوان ناخسه فهدر ، وإن أتلف صاحب اليد فالضمان على الناخس([22]) .واستثنى الحنفية ما لو أمره صاحب اليد بالنخس ، والتنفير فعندهم يكون الضمان عليهما . وهو قول له حظ من النظر ، لاشتراطهما في سبب الإتلاف([23]) .مسألة : - لو أتلف الحيوان المنخوس أجنبيًا – وصاحب اليد معه ، ولم يأمره بالنخس أو التنفير – فمن يتحمل المسئولية ؟اختلف الفقهاء في هذا على قولين :القول الأول : أن المتسبب يضمن . وهو ما ذهب إليه الجمهور([24]) .القول الثاني : قول أبي يوسف بأن الضمان على المتسبب وصاحب اليد نصفان ([25]) .وقد استدل بأن الإتلاف حصل بثقل الراكب ، وفعل الناخس ، وكلاهما سبب لوجوب الضمان ([26]) .أما الجمهور فاستدلوا بعدة أدلة :1- ما ورد أن ابن مسعود ضَمَّن الناخس دون الراكب . فعن القاسم بن عبد الرحمن قال : ( أقبل رجل بجارية من القادسية ، فمَّر على رجل واقف على دابة ، فنخس رجل الدابة ، فرفعت رجلها ، فلم يُخْطِ عين الجارية ، فرفع إلى سلمان بن ربيعة الباهلي فضمّن الراكب ، فبلغ ذلك ابن مسعود ، فقال : إنما يضمن الناخس ) ([27]) .أ.هـ.2- الإجماع السكوتي ؛ وذلك أن فعل ابن مسعود السابق وما حكم به ، كان بمحضر من الصحابة ، ولم يعرف الإنكار من أحدٍ فيكون إجماعًا ([28]) .3- أن الناخس هو المتسبب في الحقيقة فيختص الضمان به ، وأما الراكب فلا عمل له .وأما ما استدل به أبو يوسف فيناقش : بأن المتسبب لو لم ينخس الحيوان لما وقع الإتلاف ، وهذا يدل على أنه السبب في الإتلاف ، فيتحمل الضمان .وبالنظر في الأدلة يظهر رجحان مذهب الجمهور ، لقوة ما استدلوا به .
الفصل الثالثألاّ يتسبب في جناية الحيوان – مع تحكمه بهالمبحث الأول : الخلاف والأدلة .المبحث الثاني : المناقشة والترجيح .مدخل :إذا أتلف دابة وذو اليد معها ، وهو قادر على التحكم بها ، إلاّ أنه لم يتسبب في جنايتها ، بل وقعت الجناية ، أو الإتلاف من الحيوان فقط ، ولا دخل لصاحب اليد فيها فهل يتحمل المسئولية أم لا ؟ هذا ما يستعرضه الباحث في هذا الفصل .المبحث الأول : الخلاف والأدلة :اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال :القول الأول : لا ضمان مطلقًا . وقال به الظاهرية ([29]) ، وهو منقول عن مالك ([30]) .القول الثاني : وجوب الضمان مطلقًا . وقال به الشافعي([31]) وهو رواية عن مالك ، واستثنى ما لو رمحت بغير أن يفعل بها أحد شيئًا ترمح بسببه ([32]) .القول الثالث : يضمن صاحب اليد ما أصابت بمقدمتها كيدها وفمها ، دون رجلها .وهو المذهب عند الحنابلة ([33]) ، وقول مالك ([34]) وأصحابه ، وهو رأيٌ للحنفية ([35]) .القول الرابع : يضمن ما عدا النفحة . وهو قول الحنفية ([36]) ، وقول عند الحنابلة ([37]) ، إلا أن الحنفية خصوه بما إذا كان سائرًا في طريق عام ، فإن كان سيره في ملكه ، أو مأذون له فيه فلا ضمان ، إلا في الوطء وهو راكبها ، فإن كانت واقفة ضمن النفحة أيضًا .سبب الخلاف :للخلاف في هذه المسألة حسب ما ظهر للباحث سببان :الأول منهما هو ما يظهر من تعارض الأحاديث ، فإنه ورد عن الشارع إهدار حناية الحيوان ، وورد عنه التضمين ، فعملت طائفة بالإهدار مطلقًا ، وأخرى بالتضمين مطلقًا ، وفصّل غيرهم ، وكلٌ كان له وِجْهةٌ في التفصيل .والثاني من أسباب الخلاف : ملاحظة التفريط ، والقدرة على منع الجناية من صاحب اليد ، فمن رأى أن صاحب اليد هو الذي يستطيع تسيير الدابة مطلقًا ضمّنه ، ومن جعله قادرًا في حالٍ دون حالٍ فَصَّل .الأدلة :استدل الفريق الأول النافين للضمان مطلقًا بما يلي :1- قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( العجماء جبار ) ([38]) . والجبار الهدر الذي لا شيء فيه([39]) . وهذا نص في المطلوب ([40]) .2- ما نقل عن مكاتب لبني أسد أنه أتى بنقدٍ - أي صغار الغنم - من السواد إلى الكوفة ، فلما انتهى إلى جسر الكوفة ، جاء مولى لبكر بن وائل ، فتخلل النقد على الجسر ، فنفرت منها نقده ، فقطرت الرجل - أي ألقته على أحد قطرية ، أي : شقيه في الفرات ، فغرق ، فأخذت فجاء مواليه إلى مواليَّ ، فعرض مواليَّ عليهم ألفى درهم ولا يرفعونه إلى علي ، فأبوا ، فأتينا علي بن أبي طالب ، فقال لهم : إن عرفتم النقدة بعينها فخذوها ، وأن اختلطت عليكم فشرواها - أي مثلها - من الغنم ([41]) .فهنا لم يضمّن عليّ رضي الله عنه صاحب اليد .3- أنها جناية بهيمة فلم يضمنها ، كما لو لم تكن يده عليها ([42]) .واستدل الفريق الثاني الموجبون للضمان مطلقًا بما يلي :1- أن الحيوان في يده ، وعليه تعهده وحفظه ، فالجناية منه دليل تفريطه ([43]) .2- أنه إذا كان مع الحيوان كان فعل الحيوان منسوبًا إليه ([44]) ، والحيوان كالآلة في يده ([45]) .وستدل الفريق الثالث بما يلي :1- قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الرِجّل جُبار ) ([46]). وتخصيص الرجل بكونه جبارًا دليل على وجوب الضمان في جناية غيرها ([47]) .2- ولأنه يمكنه حفظها عن الجناية إذا كان راكبها ، أو يده عليها ، بخلاف من لا يد له عليها ([48]) .واستدل الفريق الرابع بما يلي :1- أن المرور في طرق المسلمين مأذونٌ فيه بشرط سلامة العاقبة ، فإذا لم تسلم العاقبة لم يكن مأذونًا له فيه ، والمتولد منه يكون مضمونًا ، إلا مالا يمكن التحرز منه ، والنفخ مما لا يمكن التحرز منه ، فسقط اعتباره ، والتحقق بالعدم ([49]) .2- حديث ( الرجل جبار ) فيجب الضمان في جناية غيره ، وخُصّص عدم الضمان بالنفح دون الوطء ، لأن من بيده الحيوان يمكنه أن يجنبه وطء ما لا يريد أن يطأه بتصرفه فيه ، بخلاف النفح ([50]) .3- قول ابن سيرين : ( كانوا لا يضمنون من النفحة ، ويضمنون من ردِّ العنان ) ([51]) أ.هـ وهو حكاية عن عمل من قبله ولم يعرف له مخالف .المبحث الثاني : المناقشة والترجيح :مناقشة أدلة الفريق الأول :يناقش أول أدلتهم بأن المراد بالعجماء في الحديث الدابة المنفلتة ، التي لا يكون معها أحد ([52]) ، ويدل لذلك ( ما وقع في رواية جابر عند أحمد والبزار بلفظ : السائمة جبار ([53]).وفيه إشعار بأن المراد بالعجماء البهيمة التي ترعى لا كل بهيمة ، لكن المراد بالسائمة هنا التي ليس معها أحد ؛ لأنه الغالب على السائمة ) ([54]).فيكون الدليل خارجًا عن محل النزاع .أما الثاني من أدلتهم ، فليس في محل النزاع أيضًا ، وذلك أن راعي الغنم قد انعدم تحكمه بها ، فلا ضمان ، كما مر .أما الثالث ، فإن جناية البهيمة قد تضمن ؛ ويدل لذلك حديث البراء ([55]) ، وغيره وأما قياس هذه الحالة على ما لو لم تكن بيد أحد فليس بصحيح ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العجماء جبار ) وورد عنه أنه قضى بالضمان فيما أفسدت ([56]) العجماء ، فدل ذلك على أن ما أصابت العجماء في حال جبار وفي حال غير جبار([57]) فالإطلاق غير صحيح .مناقشة أدلة الفريق الثاني :يناقش أول أدلتهم بأن الجناية ليست دائمًا دليلاً على تفريط صاحب اليد، وذلك كما لو انفلت منه ، أو كما لو وطئت دون علمه .ويناقش الثاني بأن الفعل ينسب إليه إذا تسبب فيه . أو استطاع منعها منه وفرّط ، أما في هذه الحالة ، فإن نسبة الفعل إليه بعيدة .مناقشة أدلة الفريق الثالث :يناقش أول أدلتهم بأنه حديث ضعيف ( ولو صح فاليد أيضًا جبار قياسًا على الرجل ، ويحتمل أن يقال : حديث الرجل جبار ، مختصر من حديث العجماء جبار ، لأنها فرد من أفراد العجماء ) ([58]) .ولا يمكن أن يقال إن الرجل جبار مخصص لحديث العجماء جبار لما تقرر في الأصول من أن التخصيص بموافق العام ؛ لا يصح ([59]) .مناقشة أدلة الفريق الرابع :يناقش أن قول ابن سيرين لم يبين فيه هل المراد به الدابة ومعها أحد ، أم لا ؟الترجيح :الذي يظهر للباحث أن القول بتضمين ما سوى النفحة ؛ قول قريب وجيه ؛ لأن صاحب اليد لا يمكنه منعها منه ..إلا أنه مما ينبغي العناية به ملاحظة التقصير من عدمه ، والقدرة على منع الجناية من عدمها ؛ فإن كل حيوان بحسبه وكل زمان ومكان له ظروفه ، فعلى الحاكم والمفتي التحري في ذلك ، والاجتهاد ، حتى يظهر له من قرائن الأحوال ، ودلائل الموقف ، ما يعرف بالتقصير من عدمه ، والله الموفق .
الباب الثانيالمسئولية عن إتلاف الحيوان إذا لم يكن بيد أحد .الفصل الأول : تعدي صاحب اليد .الفصل الثاني : تفريط صاحب اليد .المسألة الأولى : إذا أفسدت الماشية زرعًا.المسألة الثانية : هل التعويل في المسألة الأولى في وجوب الضمان الليل ، أو العادة ؟المسألة الثالثة : هل الزرع وغيره سواء في وجوب الضمان ؟تمهيد :إذا لم يكن الحيوان بيد أحد فالأصل فيه ؛ أنه لا ضمان ، لحديث ( العجماء جبار ) ، والمراد بها السائمة التي لا يد لأحد عليها ، كما تقدم([60]) . ولأن الفعل غير مضاف إلى صاحب اليد لعدم ما يوجب النسبة إليه ([61]) .إلاّ أن هذا مشروط بشرطين :1- ألاّ يظهر صاحب اليد – المالك – بمظهر المتعدي .2- ألاّ يفرط في حفظها .وتضمن الشرطان السابقان مسائل نستعرضها في الفصلين القادمين .
الفصل الأول تعدي صاحب اليد.
إذا كان مالك الحيوان متعديًا ، فإنه يضمن إتلاف الحيوان ، وإفساده وإن لم يكن بيده ([62]) ، وذلك كأن يكون حيوانه عقورًا ، أو ضاريًا ، ويطلقه على الناس في مجامعهم وطرقهم ، وكما لو أرسله بقرب ما يتلفه عادة ، كالسيارات ونحوها ، فإنه هنا متعدٍ في فعله ملزم بالضمان ([63]) .وضابط العدوان : أن يفعل ما ليس له فعله ، أما من أبيح له فعل شيء ، أو تركه فإنه لا يترتب عليه شيء([64]) .إلاّ ابن حزم له رأي يخالف ما تقدم ، وذلك أنه يقول : ( لا ضمان على صاحب البهيمة فيما جنته في مال أو دم ، ليلاً أو نهارًا ، لكن يؤمر صاحب بضبطه ، فإن ضبطه فذاك ، وإن عاد ولم يضبطه بيع عليه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( العجماء جرحها جبار )) ([65]) أ.هـ . وظاهر نفي الضمان
([1]) القاعدة : أن كل همزة مضمومة وليها حرف مد كصورتها ، تحذف صورتها ، أي ترسم مفردة إلا إذا أمكن وصل ما بعدها بما قبلها نحو فئوس ، وفيه مذهب آخر أنها ترسم بواوين – رؤوس ، ومذهب ثالث أن ترسم على الواو الثانية بعد حذف الأولى فؤس ، رؤس – فتحصل أن في هذه الكلمة ثلاثة مذاهب – في الرسم – وهي : المسئولية ، المسؤولية ، المسؤلية والوجه الأول هو المشهور . انظر : خلاصة فن الإملاء للسيد محمد هاشم مجاهد ص 6 الطبعة الأولى سنة 1356هـ . وقواعد الإملاء لعبد السلام هارون ص 16 مكتبة الأنجلو 1985م .([2]) مختار الصحاح ص ( 281 ) مادة س أ ل ، دار الجيل ، بيروت 1407هـ .([3]) معجم لغة الفقهاء لقلعه جي ص ( 425 ) ، دار النفائس ، الطبعة الأولى 1405هـ .([4]) المصدر السابق ؛ وانظر القانون المدني المصري المواد ( 176 ، 177 ، 178 ) ، والتشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة ( 1/392 ) الطبعة الثالثة 1383هـ .([5]) للاستزادة انظر : الوسيط في شرح القانون المدني للسنهوري ( 1/1052 ) طبع سنة 1952م .([6]) انظر : حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ( 2/446 ) طبعة البابي الحلبي سنة 1360هـ .([7]) الإنصاف ( 6/ 239 ) مطبعة أنصار السنة الطبعة الأولى .([8])الإنصاف ( 6/160، 161 ، 242 ) ؛ القواعد لابن رجب ص ( 204 ) القاعدة السابعة والثمانون أسباب الضمان . مكتبة الرياض الحديثة .([9]) مختار الصحاح ص ( 78 ) مادة ت ل ف .([10]) الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي ( 5/740 ) دار الفكر الطبعة الثالثة 1409هـ .([11]) المصدر السابق ، القواعد الكلية لابن عبد الهادي ص ( 98 ، 102 ) دار البشائر الإسلامية بيروت الطبعة الأولى سنة 1415هـ .([12]) التشريع الجنائي الإسلامي ( 2/ 4 ، 5 ) .([13]) مغني المحتاج للشربيني ( 4/205 ) دار الفكر ؛ المجموع شرح المهذب للمطيعي ( 18/41 ) الطبعة الأولى .([14]) المصدران السابقان .([15]) الرد المختار وحاشيته ( 5/390 ) طبعة بولاق ؛ بدائع الصنائع ( 7/273 ) الطبعة الأولى بمطبعة الجمالية ؛ الكافي لابن عبد البر ( 2/1125 ) مكتبة الرياض الحديثة ؛ الإنصاف ( 6/236 ) مطبعة السنة المحمدية الطبعة الأولى ؛ كشاف القناع ( 4/126 ) دار عالم الكتب .([16]) بدائع الصنائع ( 7/273 ) ؛ كشاف القناع ( 4/126 ) .([17]) ص ( 302 ) .([18]) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( 4/243 ) دار أحياء الكتب العربية ؛ مغني المحتاج ( 4/209 ) ؛ المقنع وحاشيته ( 3/333 ) مكتبة الرياض الحديثة .([19]) تكملة فتح القدير ( 9/138 ) دار إحياء التراث العربي بيروت 1406هـ .([20]) الرد المختار ( 5/387 ) ؛ الكافي لابن عبد البر ( 2/1124 ) ؛ مغني المحتاج ( 4/204 ) ؛ الإنصاف ( 6/237 ) .([21]) السيل الجرار ( 4/424 ) دار الكتب العلمية الطبعة الأولى .([22]) الكافي لابن عبد البر ( 2/1124 ) ؛ وانظر : حاشية الدسوقي ( 4/243 ) ؛ مغني المحتاج ( 4/204 ) ؛ وانظر : الإنصاف ( 6/238 ) .([23]) الرد المختار ( 5/387 ) .([24]) الدر المختار ( 5/390 ) ؛ الكافي لابن عبد البر ( 2/1124 ) ؛ مغني المحتاج ( 4/204 ) ؛ المجموع ( 18/41 ) ؛ الإنصاف ( 6/238 ) ؛ كشاف القناع ( 4/126 ) .([25]) الدر المختار وحاشيته ( 5/390 ) ؛ بدائع الصنائع ( 7/272 ) .([26]) المصدران السابقان .([27]) أخرجه عبد الرزاق ؛ وابن أبي شيبة في مصنفيهما من طريق عبد الرحمن المسعودي عن القاسم به ، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن شريح والشعبي نصب الراية ( 4/388 ) الطبعة الأولى .([28]) بدائع الصنائع ( 7/272 ) .([29]) المحلى لابن حزم ( 8/180 ) ، تصحيح محمد خليل هراس .([30]) ذكره عنه ابن قدامة في المغني ( 12/543 ) .([31]) المغني المحتاج ( 4/204 ؛ المجموع ( 18/39 ) .([32]) قوانين الأحكام الشرعية لابن جزيّ ص ( 361 ) ، دار العلم للملايين ؛ فتح الباري ( 12/269 ) .([33]) المغني ( 12/543 ، 544 ) ؛ الإنصاف ( 6/236 ) .([34]) الكافي لابن عبد البر ( 2/1124 ) .([35]) نسبه إليهم ابن حجر في ( فتح الباري ( 12/268 ) ، وابن قدامة في المغني ( 12/543 ، 544 ) .([36]) الدر المختار ( 5/386 ، 387 ) ؛ تكملة فتح القدير وحواشيه ( 9/257 ، 258 ) .([37]) الإنصاف ( 6/237 ) ؛ كشاف القناع ( 4/126 ) .([38]) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الديات ، باب المعدن جبار والبئر جبار برقم ( 6912 ) وفي مواضع أخرى ، ومسلم في صحيحه كتاب الحدود باب جرح العجماء برقم ( 1710 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .([39]) الجبار : بوزن الغبار : الهدر ، وبناء ج ب ر ، يأتي للرفع والإهدار ومعنى الرفع : أنه ارتفع عن أن يؤخذ به أحد . والهدر هو الباطل يقال : هدر دمه ، أي بطل ؛ فتح الباري ( 12/266 ) ؛ مختار الصحاح ص ( 91 ) مادة ج ب ر ؛ المصباح المنير ص ( 35 ) مكتبة لبنان .([40]) المغني ( 12/544 ) ؛ المحلى ( 8/170 ) .([41]) أخرجه ابن حزم في المحلى ( 8/170 ) ، وعنه معجم السلف للكتاني ( 5/42 ) مطابع الصفا عام 1405هـ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري ، نا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي قال : أخبرني مكاتب لبني أسد به . والمكاتب مجهول : فيكون الحديث معلولاً بهذا والله أعلم .([42]) المغني ( 12/544 ) .([43]) مغني المحتاج ( 4/204 )([44]) مغني المحتاج ( 4/204 )([45]) فتح الباري ( 12/269 ) .([46]) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الديات ، باب في الدابة تنفح برجلها برقم ( 4578 ) ؛ والدارقطني في سننه كتاب الحدود برقم ( 391 ) ( 3/213 ) ، ( 178 ، 179 ) ، والبيهقي في سننه ( 8/343 ) ، من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد المسيت عن أبي هريرة به مرفوعًا . قال الدارقطني : ( لم يروه غير سفيان بن حسين ، وخالفه الحفاظ عن الزهري ، منهم مالك وابن عيينة و ... كلهم رووه عن الزهري فقالوا : ( العجماء جبار ) ، ولم يذكروا الرجل ، وهو الصواب ) أ.هـ . انظر : نصب الراية ( 4/387 ) ؛ وقد ضعّف الحديث الألباني في إرواء الغليل ( 5/361 ) .([47]) المغني ( 12/544 ) .([48]) المغني ( 12/544 ) .([49]) بدائع الصنائع ( 7/272 ) .([50]) كشاف القناع ( 4/126 ) .([51]) أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً به كتاب الديات ، باب العجماء جبار ، فتح ( 12/267 ) قال الحافظ : ( وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور عن هشيم حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين ، وهذا إسناد صحيح ، وأسنده ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر عن ابن سيرين نحوه ) أ.هـ . فتح الباري ( 12/268 ) .([52]) نصب الراية ( 4/387 ) .([53]) رواه أحمد في المسند ( 3/335 ) برقم ( 14576 ) ؛ والبزار في مسنده كشف الأستار ( 1/423 ) برقم ( 894 ) ؛ والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد ( 3/77 ) من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر ، قال الثيمي : ( رجاله موثقون ) .([54]) المغني ( 12/544 ) .([55]) سيأتي مستوفىً في الباب الثاني من البحث إن شاء الله .([56]) سيأتي مستوفىً في الباب الثاني من البحث إن شاء الله .([57]) انظر : اختلاف الحديث للشافعي ص ( 302 ) .([58]) فتح الباري ( 12/268 ) .([59]) انظر : تحقيق الوصول المراد شكري ص ( 76 ) دار الحسن الطبعة الأولى 1413هـ .([60]) في الباب الأول ، الفصل الثالث ، المبحث الثاني منه .([61]) تكملة فتح القدير ( 9/265 ) .([62]) مجمع الضمانات لابن غانم ص ( 185 ) الطبعة الأولى سنة 1408هـ ؛ الشرح الكبير للدردير ( 4/243 ) ؛ مغني المحتاج ( 4/208 ) ؛ غاية المنتهى للكرمي ( 2/254 ) المكتب الإسلامي .([63]) انظر : القواعد الجامعية لابن سعدي ص ( 48 ) .([64]) القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام القاعد ( 155 ) مطبعة أنصار السنة . سنة 1375هـ .([65]) المحلى ( 8/170 ) .